يمنح الدستور الأمريكي لرئيس البلاد صلاحيات واسعة في مجال السياسة الخارجية، أكثر من أي مجال آخر.

بالإضافة إلى كونه القائد العام للقوات المسلحة، يمكن للرئيس أن يقوم بعقد المعاهدات وتعيين الدبلوماسيين (بموافقة مجلس الشيوخ)، ويمكنه بحسب تشريع للكونجرس أن يفرض عقوبات على الكيانات الأجنبية.

منذ الحرب العالمية الثانية، لم يصدر عن الولايات المتحدة أي إعلان للحرب؛ وكان يتم الإعلان عن جميع الأعمال العسكرية من قبل الرئيس. ووفقًا لقرار «سلطات الحرب 1973»، وهو قرار صدر بهدف تجنب الدخول في حرب كحرب فيتنام، يمكن للرئيس نشر قوات عسكرية لمدة تصل إلى 60 يومًا دون موافقة الكونجرس.

وهكذا، سواء كانت السياسة الخارجية التي تتبناها الولايات المتحدة إيجابية أو سلبية، يكون بيد الرئيس سلطة التحكم بها. يمكن لرؤية الرئيس وقراراته أن تطلق نزاعًا أجنبيًا يمكن للقليل فقط منعه. يطلق على هذه الاستراتيجية «عقيدة مونرو»، التي تعود إلى الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823 والتي تقول: «أمريكا للأمريكيين».

من هم أسوأ الرؤساء الأمريكيين في مجال السياسة الخارجية في تاريخ الولايات المتحدة؟

تقرير نشره موقع «The American Conservative»، رصد أسماء أسوأ خمسة رؤساء أمريكيين على صعيد السياسة الخارجية.

1. جيمس ماديسون

كان جيمس ماديسون مفكرًا بارزًا صاغ دستورًا استمر أكثر من قرنين، لكنه لم يحظ بالتقييم ذاته على مستوى رئاسته. أقحم ماديسون الولايات المتحدة في حرب لم يكن لها هدف معين، ولم تسفر عن أي مكسب خاص: حرب عام 1812.

مثل سلفه توماس جيفرسون، كان ماديسون مفرطًا في موالاة الفرنسيين في وقت كانت فيه المصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأمريكية أكثر تماشيًا مع مصالح بريطانيا العظمى. وكان المنافسون الأوروبيون في حالة حرب تقريبًا بدون توقف منذ عقدين من الزمن ابتداءً من عام 1793. ونتيجة لمحاولات غريبة وملتوية لتبني سياسة محايدة، بما في ذلك فرض حظر على التجارة مع أكبر شريكين تجاريين لأمريكا، بريطانيا وفرنسا، فقد عانى إقليم نيو إنجلاند، وهو إقليم يتكون من ست ولايات أمريكية، كثيرًا.

في نهاية المطاف، وفقًا لمؤرخ جامعة فيرجينيا جي. كي. إيه ستاغ، «أصدر الكونجرس مشروع قانون ماكون رقم 2، وهو قانون معقد أزال جميع القيود المفروضة على التجارة الأمريكية، بما في ذلك القيود المفروضة على فرنسا وبريطانيا». وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى فرض حظر على بريطانيا، وهو الحظر الذي تسبب – جنبًا إلى جنب مع تسليح بريطانيا للسكان الأصليين في غرب الوسط الأمريكي – في اندلاع حرب عام 1812.

لم يكن لهذه الحرب سوى عدد قليل من الأهداف الملموسة، مثل مواجهة البريطانيين وربما الاستيلاء على كندا. أدت الحرب إلى إحراق العاصمة واشنطن، وعزل مناطق شمال شرق الولايات المتحدة، التي كانت لها علاقات وثيقة مع بريطانيا، والسلام الذي حافظ على الوضع الراهن.

كان يجب على ماديسون أن يدرك أن الولايات المتحدة لم تكن قوية بما فيه الكفاية لتحدي البريطانيين والاستيلاء على كندا. من خلال محاولته القيام بذلك قبل الأوان، فقد أهدر ماديسون الفرص المستقبلية للخطط الأمريكية بشأن الأراضي الكندية، حيث تحسنت العلاقات بين الولايات المتحدة وبريطانيا تدريجيًا مع مرور القرن التاسع عشر.

بالإضافة إلى ذلك، كان ينبغي على ماديسون أن يدرك أن مشاحنات أمريكا مع بريطانيا كانت بسيطة نسبيًا وأن اقتصاد الولايات المتحدة كان يعتمد على التجارة مع بريطانيا. وعلاوة على ذلك، وكما أدرك خلفه جيمس مونرو، فقد حمت البحرية البريطانية موقع أمريكا في العالم الجديد من خلال منع القوى الأوروبية الأخرى من إقامة أو إعادة إقامة موطئ قدم لها في العالم الجديد.

اقرأ أيضًا: أمريكا التي لا تعرفها.. 5 كتب تكشف الجانب المظلم للسياسة الأمريكية

2. وودرو ويلسون

يعرف عن وودرو ويلسون سوء إدارته للمشاركة الأمريكية في الحرب العالمية الأولى. ساعد ويلسون في إطلاق سلسلة من الأحداث التي أدت إلى ظهور الفاشية والشيوعية والحرب العالمية الثانية وحتى المشاكل الراهنة في الشرق الأوسط.

وفي حين أنه قد يكون هناك سبب جيوسياسي شرعي للولايات المتحدة لمنع هزيمة أو إخضاع فرنسا والمملكة المتحدة في الحرب العالمية الأولى (كانت الشروط التي فرضتها ألمانيا على روسيا بعد معاهدة بريست ليتوفس صعبة)، فلم يكن من مصلحة الولايات المتحدة استخدام الحرب في محاولة بناء عالم جديد، ومحاولة ويلسون للقيام بذلك تراجعت بشكل مذهل.

عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب في عام 1917، لم تكن هناك مصالح أمريكية حيوية على المحك لتبرير هذا العمل؛ لم يكن هناك هجوم ألماني وشيك على الولايات المتحدة. بدلًا من ذلك، وفقًا لويلسون نفسه، فقد انخرطت الولايات المتحدة في «جعل العالم آمنًا من أجل الديمقراطية»، وهو ما كان من شأنه وضع البلاد في مأزق وجعل أي شيء آخر غير الاستسلام غير المشروط أمرًا مستحيلًا، ما فرض تغييرًا كاملًا للنظام في الإمبراطورية الألمانية. بالإضافة إلى ذلك، فشل ويلسون في دعم روسيا قبل الثورة الروسية، بسبب انزعاجه من النظام القيصري. أدى سقوط نيكولاس الثاني إلى كوارث غير معتادة لبقية القرن.

لو لم تدخل الولايات المتحدة الحرب، لكان من الممكن وضع حد للحرب العالمية الأولى عن طريق التوصل إلى سلام عن طريق التفاوض. وبدلًا من ذلك، أدت الهزيمة الكلية للقوى المركزية إلى الانهيار الكامل للإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية المجرية، وهي كارثة لم تتعافَ منها مناطق البلقان والشرق الأوسط بعد. وقد تشكلت دول ضعيفة عديدة عانت من عدم الاستقرار الدائم والعدوان من الدول الأقوى المجاورة (مما يبرر الحاجة الدائمة إلى الولايات المتحدة لحمايتهم). وأدى الفراغ في السلطة الذي أعقب ذلك إلى تمكين التوسع والعدوان النازي والسوفيتي.

إن إهمال ويلسون للتقاليد والنظام الملكي الثابت أدى إلى زيادة الطغيان وليس الحرية لشعوب أوروبا والشرق الأوسط. إن إرثه السام للتدخل باسم الديمقراطية يسود للأسف في تفكير السياسة الخارجية الأمريكية.

3. هاري ترومان

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت هناك توترات، بطبيعة الحال، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. لكن هذه التوترات أصبح لها طابع مؤسسي بفعل سياسات هاري ترومان، وأدت في النهاية إلى الحرب الباردة والاستقطاب العالمي بدلًا من نموذج المنافسة بين القوى العظمى، الذي كان سائدًا قبل الحرب.

ظهر ما يعرف باسم «مبدأ ترومان» في عام 1947، عندما تعهد بالمساعدة في مكافحة «الشمولية» في جميع أنحاء العالم. وقد أدى ذلك عادة إلى دعم المناهضين للشيوعيين في الصراعات بغض النظر عن تعقيداتهم الفعلية. وبطبيعة الحال، فإن مثل هذا التفكير من جانب واحد ضغط أيضًا على الاتحاد السوفيتي لتوسيع نفوذه ومعالجة الصراعات الداخلية في بلدان أخرى باعتبارها لعبة صفرية.

اتبع ترومان، على وجه الخصوص، سياسات لا تزال تطارد الولايات المتحدة اليوم. أولًا، أدى إنشاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يهدف إلى حماية المصالح الغربية ضد الشيوعية السوفيتية، إلى الحفاظ على حامية دائمة في الدول الأوروبية، مما أدى إلى إهمال مصالحها الاستراتيجية.

وفي آسيا، على الرغم من مبدئه، فشل ترومان في إدراك كفاءة قوات ماو تسي تونغ، وتصرف بعد فوات الأوان لمنع الشيوعية عن هذا البلد. والنتيجة هي أن الصين تحولت من كونها حليفًا للولايات المتحدة إلى منافس يكتسب اليوم القدرة على طرد الولايات المتحدة من شرق آسيا بوتيرة متسارعة.

في سياق مماثل، أساء ترومان التعامل مع الحرب الكورية. عُدَّ التدخل الصيني مستحيلًا في عام 1950 في حال كانت لا تزال تخضع لسيطرة شيانج كاي شيك، وهو قائد سياسي وعسكري صيني تولى رئاسة حزب الكومينتانغ الوطني بعد وفاة صن يات سين، ولمنع ذلك، كان يمكن للولايات المتحدة تبني سياسات مختلفة لضمان قيام دولة كورية جنوبية كبرى، ودولة كورية شمالية أصغر حجمًا بمحاذاة نهر يالو.

اقرأ أيضًا: مترجم: إحداها في حرب أكتوبر.. 5 مرات كادت الحرب النووية تنشب بين أمريكا وروسيا

4. ليندون جونسون

لم تكن الولايات المتحدة بحاجة إلى المشاركة في حرب فيتنام. وبدلًا من ذلك، وكما هو الحال مع العديد من المبادرات المناهضة للشيوعية الأخرى التي دعمتها الحكومة الأمريكية، كان من الممكن أن تقتصر المساعدات الأمريكية على الإمدادات العسكرية والدعم السياسي. وبينما أرسل الرؤساء أيزنهاور وكينيدي بعض المستشارين العسكريين للحكومة الفيتنامية الجنوبية، فقد كان ليندون جونسون هو من قام بالفعل بالتدخل العسكري المباشر.

في نهاية المطاف، فشلت حرب جونسون في منع إعادة توحيد فيتنام في ظل النظام الشيوعي، وتوفي 58 ألف جندي أمريكي. واليوم، تدعم فيتنام الشيوعية الموقف الأمريكي ضد الصين في مفارقة ساخرة.

وبسبب الهوس الأمريكي بمكافحة الشيوعية، فقد تجاهل صناع السياسة الأمريكيون جوانب أخرى للصراع المعقد في فيتنام، بما في ذلك التنافس التاريخي الذي دام أكثر من ألف سنة مع الصين. بدلًا من ذلك، صعّد جونسون الصراع من خلال تصوير النضال ضد الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام المعروفة بـفيت كونغ، وهي حركة مقاومة مسلحة فيتنامية نشطت بين عامي 1954-1976، كجزء من المعركة العالمية ضد الشيوعية التي يمكن أن تقدم المكاسب المحلية.

أصبح هذا النهج المتهور الذي استمر على مدى السنوات الأربع من إدارة جونسون، حتى بعد آلاف الوفيات الأمريكية، دليلًا على أن الولايات المتحدة لم تحقق أي تقدم في الواقع ضد الفيت كونغ، على الرغم من ادعاء جونسون أن نهاية الحرب كانت تلوح في الأفق.

وضع هجوم تيت عام 1968، وهو هجوم شنته الفيت كونغ بتخطيط من الجنرال جياب وقيادته فيما بين 29 يناير (كانون الأول) و25 فبراير (شباط) 1968 واستمد اسمه من الاحتفالات الفيتنامية ببداية السنة القمرية حسب التوقيت المحلي، حدًا لهذا الوهم، وكذلك حملة جونسون الرئاسية. بدلًا من ذلك، أنفقت الولايات المتحدة سبع سنوات أخرى لفك الارتباط ببطء. في نهاية المطاف، ساهمت مشاركة الولايات المتحدة في فيتنام في زعزعة استقرار المنطقة أكثر مما فعل انتشار الشيوعية.

5. جورج دبليو بوش

لا تزال السياسة الخارجية لجورج دبليو بوش حديثة العهد بحيث تبدو طبيعة أخطائه ظاهرة للعيان. سواء كان ذلك جيدًا أم سيئًا، فإن الأوقات التي تمتعت فيها الولايات المتحدة بميزة القطب الواحد بعد عقد من الحرب الباردة، قد انتهت بسبب رد الفعل الأمريكي في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.

بينما أنفقت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات في محاولة لإعادة بناء الشرق الأوسط على طريقتها، فقد ضعف وضعها الجيوسياسي في أوروبا وشرق آسيا، وانهارت مكانتها كنموذج لدول أخرى. منذ عام 2001، كانت الولايات المتحدة في حالة حرب دائمة، وهو أمر لم يحدث من قبل.

كان من الضروري أن تتخذ الولايات المتحدة نوعًا من الإجراءات لمعاقبة أسامة بن لادن وحركة طالبان في أعقاب أعنف هجوم إرهابي في تاريخ الولايات المتحدة. ولكن منذ ذلك الحين، تنفق الولايات المتحدة الكثير من دماء أبنائها وأموالها في رمال الشرق الأوسط الكبير دون فائدة، في حين لا تزال الكثير من دول المنطقة غارقة في عدم الاستقرار والفوضى والديكتاتورية. وفي الوقت نفسه، لا تزال الصين تزداد قوة، حيث أهملت الولايات المتحدة سياسات مواجهة صعودها.

إن السياسة الأمريكية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط تضر بأهل تلك المنطقة، بل إنها تضر بالولايات المتحدة أيضًا. ونتيجة للحاجة المستمرة لمكافحة الإرهاب، أصبحت الولايات المتحدة دولة مراقبة دائمة.

ولم تلغ إدارات أوباما أو ترامب تفويض استخدام القوة العسكرية ضد الإرهاب، الذي صدر في عام 2001، وقد استخدمته لتبرير جميع أنواع التدابير الداخلية والخارجية. وكما قال جيمس ماديسون ذات مرة: «لا يمكن لأمة أن تحافظ على حريتها في خضم الحرب المستمرة».

وأخيرًا، عززت السياسة الخارجية لبوش من تصميم البلدان التي كانت معارضة للولايات المتحدة. وخلصت قيادة كوريا الشمالية إلى أن الحصول على سلاح نووي هو السبيل الوحيد لتجنب مصير نظام صدام حسين في العراق. كما اقتربت دول مثل روسيا والصين وإيران من إحباط السياسات الأمريكية.

ساسة بوست