شهدت الأيام الماضية توقيع الهدنة بين المعارضة والنظام بضمانة تركيا- روسيا عن كل فريق، وعلى الرغم من جرائم روسيا في سورية ومساندتها العلنية، المادية والمعنوية للنظام، إلا أنها – ومنذ توقيع الهدنة- استطاعت (من خلال كونها الضامن للاتفاق) ان تُحدث انزياحا -ولو بسيطا-  في صورتها القبيحة في أذهان الشعب السوري، فمن كونها أحد أعمدة الإجرام إلى إمكانية كونها راعية مستقبلية للحل في سورية.

ولكن، ومع بدء دخول وقت الهدنة، لم يتوقف النظام وميليشياته عن خرقها في عدد من المناطق، أهمها منطقة وادي بردى، التي تلقت النصيب الأكبر من الضربات، بعد محاولة عزلها إعلاميا وقطع خطوط الاتصال عنها، فعلى الرغم من إعلان المجلس المحلي للمنطقة موافقته على الهدنة؛ إلا أن استهداف المنطقة الذي بدأ قبل أيام من توقيعها لم يتوقف حتى الآن، فالمنطقة تشكل موقعا استراتيجيا هاما حيث أن سقوطها –إن حصل- سيحقق للنظام اتصالا جغرافيا مباشرا بحلفائه في لبنان، من حزب الله وأشياعه، بالإضافة إلى وصلها بالمنطقة الوسطى، مما سيشكل اتصالا لوجستيا هاما.

ومن جهة أخرى، هناك موضوع المياه الذي يُعتبر ورقة ضغط هامة في يد ثوار تلك المنطقة، فعين الفيجة تشكل المصدر الرئيسي للشرب لسكان دمشق وريفها، واستعادة السيطرة عليها ستحقق للنظام نصرا استراتيجيا، وتعزيزا لموقفه أمام من تبقى من داعميه، فهو مستعد لفعل أي شيء لاستعادتها، حتى لو كلفه ذلك تدمير العين وتجفيف المياه، فمكنته الإعلامية لا تفتأ تروج إلى أن من دمَر العين هي جبهة النصرة وأعوانها، مع أن سبب عطش دمشق خلال الأيام السابقة كان القصف الجوي المتوحش الذي استهدف المبنى الرئيسي لنبع عين الفيجة، مما أدى إلى خروج المضخات عن الخدمة. وبالرغم من أن المجلس المحلي للبلدة عرض على النظام إدخال ورشات وفريق فني لإصلاحها (فالأضرار لا تعرف معارضا أو مؤيدا بل ستشمل الجميع بالأذى) إلا أنه رفض كل المحاولات، ويأبى إلا دخولها عنوةً بعد أن يحقق هدفه في تهجير أهلها، استمرارًا في نهجه المتمثل بالتغيير الديمغرافي للمنطقة بشكل كامل.

ورغم كل ما يجري من خروقات واضحة من قبل النظام؛ إلا أن الضامن الروسي للهدنة لم يحرك ساكنا، ونحن هنا أمام تحليلين رئيسين لهذا الموقف:

1- إما أن الروس موافقون على ما يجري من خروقات، وهي تتم بالتعاون والتنسيق معهم.

وإن كان الأمر كذلك فهذا معناه أن السوريين سيفقدون الثقة تماما بروسيا كراعٍ لأي اتفاقٍ أو حلٍ مستقبلي في سورية، وسيرفضون أي مبادرة أو بارقة حل تصدر عنهم أو تتم برعايتهم.

2- أو أن الروس غير موافقين على ما يجري، ولكن النظام والميليشيات الإيرانية وحزب الله هي من تنسق وتنفذ تلك العمليات، كنوع من الاعتراض على إرغام روسيا للنظام بالتوقيع على اتفاق الهدنة، وما بدا كتهميش للدور الإيراني، فهو إذا نوع من التمرد على السيطرة الروسية، وإشارة من النظام للأخيرة بأن لديه بدائل يمكنه اللجوء إليها.

وهذا إن صحَ، فإن معناه أن روسيا ليست لها فعليا أي سلطة على النظام، ولا يمكنها أن تحمله على تنفيذ أي اتفاق ترعاه، لا حاليا ولا في المستقبل، وهي الذريعة نفسها التي كانت تستخدمها روسيا لمجابهة المعارضة السياسية أو حتى الدول “أصدقاء سورية”، والنقد والاتهام المستمر لهم بعدم القدرة على حمل الفصائل المتفرقة على الانصياع لأي اتفاق موقع، وبهذا تنكشف حقيقة الدور الروسي وحدود نفوذ روسيا في سورية، أي أنها ليست سوى مساعد للنظام في تنفيذ جرائمه بأسلحتها، وأنها لا تملك النفوذ الذي تدعيه، وبالتالي فهي لا تصلح أن تكون طرفا ضامنا لأي اتفاق.

إن لم تتحرك روسيا الآن لِلَجم النظام وميليشياته، والمحافظة على ضمانها  لهذه الهدنة؛ فإنها تراهن على خسارة دورها كراع لأي اتفاق مستقبلي، وتخسر أملها في احتمال أن يعتبرها السوريون طرفا في أي حل ممكن، وهذا سيكلف الروس كثيرا، فعلى المدى القريب، سيدفع هذا الكثير من القوى المعارضة لمحاولة استعادة الحلفاء القدماء من أمريكا وغيرها، مما يعني استمرارًا للصراع لعقود آتية، أي غرقا أكبر لها في المستنقع السوري، وعلى المدى المتوسط، سيعني خسارتها لمصالحها في سورية بعد سقوط النظام الحالي، لأن ذلك السقوط لن يحدث بمساعدتها كما يبدو، أي أنها لن تمثل في عقلية السوريين سوى شريكًا سابقا للنظام الاسدي، أما على المدى الطويل؛ فلتتحضر روسيا لجيل صاعد من القنابل الموقوتة، حيث لم يرَ فيها إلا شريكة في الإجرام، ولن تأمن أي محاولات انتقامية مستقبلية، فهذه قضية لا تسقط بالتقادم…

إذًا هي فرصة روسيا الأخيرة فلتغتنمها!

 
ترك برس