(وضحى العثمان – مرآة سوريا) في واقع لم يختره السوريين عندما قرروا بدء معركتهم من أجل نيل حريتهم، توزعت الأسرة السورية الواحدة بين عدة دول لكل منها أسلوب حياة مختلف؛ فهل يستطيع السوريين المحافظة على إرثهم الحضاري وعاداتهم وتقاليدهم في ظل هذا الواقع المشتت؟.

أحمد شاب سوري أتم الخامسة و العشرين، من مدينة دمشق ويقيم في ولاية هاتاي التركية. تزوج أحمد من فتاة سورية أصلها حموي.

أقيمت مراسم الزفاف في صالة متواضعة قسمت إلى قسمين أحدهما للرجال والآخر للنساء، توزع الضيوف على الطاولات وفوضى الفرح والاحتفال تجوب المكان، السوريون يرتدون زيهم المعهود والأتراك يتوزعون بينهم كزهرات البنفسج في حقل الأقحوان، يشاركون اخوانهم الفرح الذي غادر جوانحهم منذ أعوام، فتلتقط عيناي لوحة فسيفسائية رائعة الجمال اختلط فيها تاريخ يحكي قصة الياسمين المهاجر.

لحظات ويبدأ الاحتفال ….. افتتح العرس بآيات من كتاب الله ….. صوت العراضة الشامية بدأ يعلو فيهز بهديره أركان المكان، والزغاريد راحت تعزف حكاية الانتماء.

اغرورقت عيناي دمعاً عندما التفّ الأصدقاء حول العريس وراحوا يلبسونه ثياب الزفاف (فهذه هي طقوس الشباب في الأعراس.

فجأة … تسللت إلى مسامعي من القسم الآخر للصالة أغنية شعبية توارثتها شفاه السوريين … (ياسمين الشام على على خدك وحلاوة العسل من شهدك) ويرافقها إيقاع شامي رقيق مع صفقات العذارى وزغاريد أشبه بسيمفونية تهز الضمير والوجدان.

تتزاحم العبرات في حنجرتي بين فخر بالأصالة وحزن على الضياع … وأحاول جاهدة إبقاءها تحت الأسر بابتسامة حائرة.

ست سنوات انقضت من التهجير والحرمان ولم يستطع وطني الحبيب.. وطني الأسير.. أن يفلت من أسره الضيّق …. أن يفلت من بين الضلوع … لا تحاول يا حبيبي فالسوريون احكموا الخناق عليك .

نعم ستسافر معهم بعاداتك وطقوسك ونسماتك ليصنعوا من آلامهم وطنا صغيرا يأنسون برفقته في عالم المهجر كان “عزام ابو جروج” يحكي تلك التفاصيل، وعيناه ترنوان إلى خلف ذاك السياج الذي يفصله عن وطنه (سوريا).

هل سوف ينسى السوريون عاداتهم وتقاليدهم في بلدان اللجوء أم سوف يصنعون وطنا صغيرا أينما ذهبوا.

“كريم عنكير” المقيم في ألمانيا عندما تحدث بهذا الخصوص قال:”المسألة كما تبدو نسبية إلى حد كبير، فمن الصعب أن تحافظ العائلة السورية على عاداتها وتقاليدها وثقافتها في المجتمع المضيف و إن كان ليس هناك ما يمنع ذلك، لكن الانفتاح والاقتراب من الآخر أو التقرب منه، قد يلزم السوري بأشياء والتخفيف أو الاقلاع عن أشياء أخرى”.

و يتابع:”في ألمانيا مثلا يجب الانتباه لثلاثة أمور وعدم تجاهلها مهما حدث؛ الصدق والالتزام و الدقة والعمل، وهذا يفرض الاستيقاظ المبكر والانتباه جدا لعامل الوقت والسعي وراء الرزق، فيما عدا ذلك ليس هناك من يراقب ملبسك أو مأكلك و مشربك، و على العكس هم يراعون ثقافة الآخرين -أقصد الألمان- ويحبون تقليدهم والتعرف على عاداتهم”.
و يردف “عنكير” بالقول:”نعم هناك تغير ملحوظ في سلوك وتصرفات أغلب السوريين، بعضهم تجاه الأفضل والباقون قد يكون تغير تجاه الأسوأ”.

Germany Migrants
Refugees arrive at the train station in Saalfeld, central Germany, Saturday, Sept. 5, 2015. Hundreds of refugees arrived in a train from Munich to be transported by busses to an accomodation centre. (AP Photo/Jens Meyer)

و يرى عنكير أنّ ذلك نابع “من عدم وجود مجتمع أو كيان سوري جامع، أو حتى منتديات ثقافية سورية واجتماعية، على عكس المجتمع التركي على سبيل المثال. فما يزال الأتراك يحافظون على خصوصيتهم الثقافية و إن كانت أحيانا بلغة ألمانية ركيكة”.
“اختلفت العادات و تغير نمط العلاقة ضمن الأسرة الواحدة في ألمانيا، نادرا ما يتم عرس على الطريقة السورية، أو حتى شكل وتوقيت الزيارات، والمصافحة والاختلاط واللباس والشعور بالتحرر، الاحتكاك بالألمان، حس المسؤولية، عدم وجود تجمعات سكنية او روابط اسرية قوية للسوريين، كلها عوامل ساهمت وتساهم في تغير العادات”، كما يرى “عنكير”.

تقول “أمل دحبور”:”كنا نظن أننا نسكن الوطن وعندما أُخرجنا منه علمنا أنه يسكننا ولأن خروجنا كان قسريا ولأننا لم نمتلك وقتا كافيا لوداعه حملناه معنا في كل مكان، حملناه في كل تفاصيل يومنا مع اختلاف مناطق الشتات، حملنا إرثه من عادات وتقاليد و أعراف، صباحاته الفيروزية مع قهوة الصباح، سكبة الجيران، تموين الشتاء، العمل الدؤوب
في المناطق التي يتواجد بها أعداد من نفس البيئة تجدهم قد صنعوا وطنا مصغرا بعاداتهم وأعرافهم وحتى أعمالهم”.

و تروي “دحبور”:”في المانيا عقد أحد أصدقائنا قران ابنه الشاب وعندما أرسل فيديو الحفل ظننته حفلا قديما لزفاف في سوريا بدبكتنا الشعبية والشباب الذين يؤدون مراسم توديع العزوبية وعندما سألناه ضحك قائلا إن لم يكن عرسنا في سوريا فلتكن سوريا في عرسنا”.

السوري في بلاد النزوح بداية يمكنني القول إنه كالسمك الذي خرج من الماء. أو كالزهرة التي اقتلعت من تربتها. وهذا يعود لكون السوري خرج من دياره مرغما وليس نزولا عند رغبته. لذلك لن يكون سعيدا في أي دولة أخرى.

قلق وعدم استقرار يعيشه السوريون

“الدكتور مصطفى عبد الفتاح” مقيم في تركيا يقول: “هنا في تركيا أشعر بالألم النفسي لأسباب كثيرة، فأنا غادرت مدينتي مرغما، وتركت فيها كل جنى العمر الذي تعبت به، وتركت هناك ذكرياتي و أحبابي وبعض أهلي والكثير من الأصدقاء والأقارب والجيران. وتركت مكتبتي وهي من أغلى ما أملك”.

ويزداد الألم لعدم وجود توصيف منطقي لنا، فالشهور والسنوات تمضي دون ان أحقق أي تقدم على صعيد بناء الذات، فهنا ليست تربتي التي يمكن أن أصنع بها شيئا لحياتي، ويزداد الالم بتحرك الأحداث والمحن والحرب فوق رؤوس أهلي في الوطن. بينما أقف هنا عاجزا. كما يرى “عبد الفتاح”.

و يضيف:”حالة ضياع تنسحب أيضا على أفراد أسرتي خاصة حين نتعرض لموقف من أهل البلاد يذكرنا بضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس”.

الناس البسطاء أكثر من حافظ على تراثهم السوري

“فاطمة” سيدة في العقد الثالث من العمر جاءت من ريف إدلب الجنوبي تقيم في إحدى المدن التركية تحاصرها المباني العالية والتسميات الكثيرة لأنواع الطعام والخدمات اليومية الاخرى.

خمس سنوات مرت, تنقلت فيها فاطمة بين الكثير من المهن لكنها لم تكتسب أي عادات جديدة لقناعتها (ثوب العيرة ما بدفي) كما يقول المثل الشعبي السوري.

تقول فاطمة:”أقوم بخياطة الملابس التي اعتدت أن ارتديها في سوريا و أطهو طعامي كما كنت أفعل و أزور السوريات القريبات مني في كل المناسبات التي كنا نهتم بها في سوريا (الولادة _ المرض _ الزواج ) لا أستطيع أن أتخلى عن سوريتي وعاداتي , علمت جاراتي كيف يطهين الملوخية ومتبل الباذنجان على الطريقة السورية وكذلك ارتداء العباءة –الزي الشعبي النسائي في بلدي – ولكن لم أتقبل أكل الكثير من الأكلات التركية أو أن أرتدي ملابسهم”.

و تضيف:”كل من حولي من سوريين مثلي. عودوا الناس على عاداتهم ولم يأخذوا منهم إلا القليل. (شو بدنا بالحكي نحنا السوريين وين ما رحنا منعمل سوريا صغيرة منعيش فيها عاداتنا الي ما في أحلى منها).

 

وضحى العثمان