جادلت صديقي في أنّ الثائرين في سوريا ومصر، لم يحسنوا فن الثورة النثري المسطور، ولا فن الحرب المنظم على البحور، فالرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ، هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني.

 أهدر الثوار شرط الوحدة، وأعرضوا عن واحدة من أهم أدوات النصر، وهي قاعدة: إن الحرب خدعة، بل إنهم ذهبوا ضحية خداع النظام الباطني في سوريا، والنظام الباطني في العالم، فالنظام السوري الذي زعم أنه ألغى المادة الثامنة المتعلقة بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي للدولة والمجتمع، عوّضها بمادة دستورية غير مكتوبة، فعقدَ معاهدات غير مكتوبة، بالحبر الباطني مع كل الميليشيات الشيعية في الأرض، وآخرها الحشد الشعبي الطائفي الفارسي، وفتح الأبواب والنوافذ، فهجموا علينا، فهم من كل حدب ينسلون. الدستور كما نعرف لا يصلح حتى علفا للحمار، الأهم أن الرؤساء العرب، ومنهم الرئيس الجمهوري الوريث، كانوا يعملون بقاعدة، الحرب خدعة، والحكم خدعة، الحرب وكانت خدعة مع شعبه، والسلام كان صدقاً مع عدوه! وهذه أمثلة:

كان الرئيس الوريث قد خدعنا في خطاب القسم، كم بنينا من خيال حولنــا، “ومشـــــينا في طريق مقمر، تثب الفرحة فيه قبلنـا”.. وخرج المثقفون السوريون من الكهوف، ووقعوا على بيان التسعة وتسعين، ثم بيان الألف، وكان يمكن أن يصير بيان الثلاثة وعشرين مليونا، ثم وقعنا في كمين الحفرة. تبيّن أن الديمقراطية مؤامرة، ومحاولة للجزأرة!

وكان الأسد الأب قد خدعنا، فعمل ديمقراطية الاستفتاء الشعبي، وهو خداع متفق عليه، بيننا وبينه، بالقوة، في عقد غير اجتماعي، عقد استخذاء واستعباد. قال في إحدى خطاباته: إن قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، هي لمنع حرائق الغابات! وسوريا صحراء، والمنطقة الوحيدة التي تستحق قوانين الطوارئ هي مسقط رأسه، ومثل الاستفتاء، المسيرات العفوية، والجبهة الوطنية التقدمية، والمقاومة والممانعة… وجاءت الثورة لتفضح كل هذا الخداع، من غير أدوات صحيحة، كان الحكم خدعة، لم يعكر الرئيس المقاوم صفو إسرائيل حتى بطلقة عرس أما مدفع رمضان  فلم يعد حتى فولوكلورا، وإنما صار كلورا.

خدعَنا السفير الأمريكي في دمشق، عندما زار المظاهرات، فظنَّ المتظاهرون أن أمريكا قد انحازت إليهم، وإلى قيمها التي ترفعها شعارا، مثل دعايات “الهم برغر”، وخدعَنا بانكي مون، بأن أرسل إلينا واقيات ذكرية مثقوبة، لا تصلح حتى أن تكون بالونات لأعياد الميلاد الغربية والكريسماس، ولنا دول صديقة تشجع العدو من وراء ظهورنا..، كم بنينا من خيال حولنــا ومشـــــينا في طريق مقمر …

وخدعنا أوباما الذي جعل السلاح الكيماوي خطا أحمر، ففرحنا وصدقنا وصفقنا، كم بنينا من خيال حولنــا ومشـــــينا في طريق مقمر تثب الفرحة فيه قبلنـا”… الحمد لله هناك شرطي مرور عالمي، أسمر أكثر من عبد الناصر، يهدّد الأسد، ويعدُّ له على أصابعه أيامه المعدودة، كانت فخاً، وسقطنا في المصيدة. 
الحرب خدعة، كما جاء في الأثر، لكن رؤساءنا كانوا يخدعون في السلم، كان السلم حربا سرية.
 
الكذب لا يجوز بحسب الاجتهادات الإسلامية، إلا في اثنتين، هما: المودة بين الزوجين، والإصلاح بين الناس، “لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا”، وهناك حيلة يمكن إدراجها في ألوان الكذب، هي أن “الحرب خدعة”.

أميل إلى أن الحيلة التي احتالها الصحابي نعيم بن مسعود في غزوة الخندق على الأحزاب، وشتت جمعهم بها، كانت من المَعَاريض،”إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب”.

أمس تناقلت الأخبار والتقارير عودة خمسة صحافيين مندسين في الثورة، إلى “حضن الوطن” الوثير، ويمكن أن نتذكر أن بعض القادة الإعلاميين المنشقين من النظام. عاد بعضهم باكرا، وبعضهم يؤخر رجلا ويقدم أخرى، وهذه هي رقصة جديدة في ديسكو السياسة، كما انضم إلى الائتلاف ما هبّ على اثنين، ودبّ على أربع من معارضين، أما النظام، فلا يوّلي أحدا أمرا، إلا بعد الفحص والتدقيق المجهري، يقبل من يدبُّ على أربع فقط..

خدعونا.. وضعوا لنا السمَّ الأبيض في عسل الثورة الأسود..

وفي مصر كان الأمر خدعة، فقد شرب الرئيس مرسي والإخوان، مقلب السيسي، وسلّموه كل شيء بخدعة الصلاة والصيام، والخشوع والأدب الجمّ، السيسي كان يسلك مع الرئيس المنتخب مرسي سلوك خفر العذارى، ثم كشر عن أنياب الوحش، فاستباح الشعب المصري أمام الرأي العالم العالمي، الذي جعل نفسه من بنها. دعس الجيش الشعب بالجرافات، حتى إن الحرس الرئاسي، كان من تعيين عبد الفتاح السيسي. 

أمس سحب قرار وقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة، بذريعة أنه يضعف موقف المليونير المسكين الفائز ترامب أمام زوجته عارضة الأزياء وقانون الدفاع العربي المشترك ومسافة السكة. السيسي خدع مرسي، وخدع الشعب بجمل مثل: نور عينينا، وإن الله معنا، ومصر قد الدنيا، وتحيا مصر … طريق القدس السوري يمر بحلب، وطريق القدس المصري يمر بجميع العواصم التي يكثر فيها الرز!

ما به الاستيطان يا جماعة: إعمار ومجمعات سكنية للغلابة الإسرائيليين، الذين يعيشون في المقابر والعشوائيات..

الانتهازية هي الوقوف إلى جانب القوي، وإيثار القوة، أو المال على الحق، أو السلامة على المشقة والخطر. 

قال عبد الملك بن مروان عن الرعية مبررا لنفسه الملك العضوض: يخدعوننا فننخدع لهم، كان الرجل يحبُّ المسؤولية. ويعمل في تقويم القُني (أي الرماح، والمقصود هو الرجال)، قال: والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا، إلا ضربت عنقه. 

يقول المسيري: إن السقوط في وحل اللذة، دائما أسهل من العروج إلى ذروة الشرف الشاقة، والناس تدرك غاية النظام وجبروته ومصالحه المرتبطة معها. هناك عائلة سورية دينية انشقت باكرا، وعادت باكرا إلى النظام، إلى شبكة المصالح الهائلة من عقارات ونفوذ ورعية، إلى “حضن الوطن”.

قال صديقي: والله، لو أنّ الثورة السورية تشيعّت، أو تنصرت، أو تبوّذت، أو شربت البيرا بدل عصير السوس، والخمر بدلا من التمر هندي وأكل المكدوس، وفتحت الكباريهات بدل المساجد، والمسارح بدلا من الجامعات والمعاهد، وسمّت الكتائب نفسها “فتح كوبا”، أو تنظيم الدولة الكاستروية” المحبوبة، لما لقيت من الغرب إلا الغدر، النظام العالمي الغربي لن يسمح لنا بالديمقراطية أبدا. الديمقراطية هي “هيلين” التي يتصارع عليها الشرق والغرب في حرب طروادة طويلة. 

الحرب خدعة. النظام يخدع الشعب في السم والحرب، والغرب الديمقراطي له ينخدع.

يعود قليل أو كثير إلى ذُلنا المعبدا، وعيشنا المنكدا، المسمى حضن الوطن السوبر: وهو  علماني في الداخل، إسلامي في الخارج، طائفي في الحقيقة، رأسمالي ويدعي الاشتراكية فارسي النزعة ويدعي العروبة، يستعمل الكيماوي ويتحدث عن بيع الورد والأزياء، يرمي البراميل على الشعب ويدعي أنه حضن دافئ ومعطاء..!

الاحتفالات في سوريا “بفتح حلب” هي خدعة للذات هذه المرة، قبل أن تكون خداعا للآخرين.

عربي21