مقالات وآراء

الحروب الصليبية: مباشر الآن

بازار الكايي

وُفقتْ الجزيرة الوثائقية توفيقا كبيرا في صناعة فيلم وثائقي عن الحروب الصليبية، فالحروب الصليبية صورت دراميا أكثر من مرة، والرؤية الدرامية لها مثالب وعيوب كثيرة، فهي تغلّب العاطفة، وشروط الحبكة الروائية، وأحيانا تهدر بعض الوقائع من أجل الأيديولوجيا أو من أجل الفن، فلم نرَ صلاح الدين يصلي أو يقنت مرة واحدة في الدراما خوفا على الوحدة الوطنية، ونرى مثال “الوحدة الوطنية” في تلفيق قصة عيسى العوام للمخرج يوسف شاهين، دراميا.

والدراما تزّكي الشخصية والحبكة، على حساب الواقعة والمعلومة، بل إنها قد تقع في محاذير، فيصير الممثل مساويا للبطل الأصل، ويحلّ محله، بل ويفوقه بطولة أحيانا، جمال سليمان هو صلاح الدين الأيوبي المعاصر، رغده بعد تمثيلها مسلسل العبابيد اتصلت “بزميلها” الأسد على الهواء، في مقابلة تلفزيونية، مرسلة رسالة تقول فيها: من زمان ما شفناك! 

ملكة آثار مع ملك جمهورية انتيكا السورية، ذرية بعضها من بعض، وبَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.

الحروب الصليبية لا تنسى في الغرب ولا في الشرق، وكان جورج بوش قد ذكرها إبان التعبئة لغزو العراق، ثم اعتذر عنها وقد عدّها زلة لسان، والحق أنه مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ.. الحروب الصليبية حروب تأسيسية، أثمرت فنونا وأناشيد، وعقائد راسخة، وعداوة ستمتد إلى قيام الساعة، وفي معاهد تل أبيب دراسات وأبحاث لا تتوقف لمنع ولادة أيوبي جديد، لكن المراقب يشعر أن الحروب الصليبية الجديدة في بلاد الشام حروب بقيادة أرثوذكسية من روسيا، وليست كاثوليكية هذه المرة.

إذا رتبنا غزو العراق كحملة صليبية أولى (ترتيب الحملات يحتاج مؤرخا حصيفا)، فستكون حملة بوتين هي الحملة الصليبية الثانية، وكانت الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا قد صرحت في الأول من أكتوبر 2015 عن دعمها قرار موسكو شنّ غارات جوية في سوريا ضد تنظيم “داعش”، ووصفت هذا التدخل بـ “المعركة المقدسة”.

الحروب الصليبية بدأت باكرا مع غورو، الذي دخل دمشق، وركل قبر صلاح الدين، أو ربما قبله بثلاثين سنة، وربما مع نابليون الذي غزا مصر، وكان الغرب كله قد شارك في غزو العراق بمساعدة الأشقاء العرب، ودمّر حضارة العراق، وسرق كنوزه، وقتل علماءه، ونحن نصفق ونبارك، ونتفرج على نانسي عجرم وروبي وهي تقود دراجة لا تتحرك من مكانها مثل الحاضر العربي.

الكاثوليكية الفاتيكانية سعيدة هذه الأيام، بأن الأرثوذكسية والشيعة تقوم بالحروب عنها، فقد أخذت استراحة من غزو العراق وأفغانستان. ونرى مثال ذلك في  رسالة “البوب” فرنسيس للأسد، وهي رسالة إنسانية  المظهر ، لكنها تطبيعية.

الغرب أحيانا يؤاجر بالطيران والقصف البعيد، الذي يجنبه الخسائر ورؤية الدماء، أو بصناعة قواعد عسكرية، كالقواعد العسكرية الأمريكية في الرميلان السورية، أو بحماية خصوم السلالة العثمانية مثل البككة، فالسلالة العثمانية هي عدو الغرب اللدود الوحيد، الذي استعاد هويته في أحرج لحظة، في الوقت الذي تخلى عن العروبة معظم العرب، أو كادوا، فعلماء نجد والحجاز مكتفون بالاستغفار والتسبيح في تغريداتهم، أمس بكى السديس في القنوت على حلب.
 
نذّكر بأن المستشرق اليهودي أفرايم هراره، قال منذ أيام: إن الغرب انحاز للشيعة في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، مشددا على أن العالم الإسلامي السني لن يغفر له ذلك. ويمكن القول: إن التقاء مصالح جرى بين الصليبية الشيعية، والصليبية الكاثوليكية والأرثوذكسية، لكنه توافق في العقائد أيضا، فالحسين في منظور الشيعة يكاد يطابق المسيح المصلوب، هو ابن الله، وأحيانا هو أعلى من الله، وأحيانا هو الله.
 
الفرس الذين خسروا ذي قار والقادسية، يريدون الانتقام لقتل الحسين، وهو من آل البيت، وسيد شهداء أهل الجنة، والمسيح الذي ليس له قبر في عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا للحسين، ولا لعلي، فقبورهم مجهولة، درءا للفتنة، لكن مواليهم اخترعوا لهم قبورا مقدسة. صناعة القبور على أشدها، قبور مقدسة وأخرى جماعية، الشيعة جاءوا إلى سوريا لتخليص قبر زينب، وتمهيد الطريق للمهدي المنتظر، بالدم، كما جاء الغزاة الصليبيون لتخليص قبر المسيح في الحروب الأولى مع صيحة أوربان الثاني.

وكان لافروف قد أبدى تخوفه في آذار/مارس 2012 من قيام نظام سني في سورية.

تذكر التقارير أن بوتين يقاتل من أجل قاعدة بحرية، والحق أنه يقاتل من أجل وجوده في العالم، كقطب ثان ظل منسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وعاد على أشلاء حلب والرقة..
 
يستشهد الفلم الوثائقي بشهادات باحثين مسيحيين منصفين، من الغرب والشرق،  ويذكر الفيلم أن المؤرخين المسلمين سموها حروب الفرنجة، وذلك إنصاف لم يغب عن المسلمين، من غير حرص على ما يسمى بالوحدة الوطنية الكاذبة هذه الأيام، وأن الغرب هو الذي سماها بالصليبية، ويذكر الفلم أهم المراحل الفاصلة في التاريخ، ومنها أن الباطنية كانت أخطر  حركة على العالم الإسلامي، ولاتزال، وإذا كانت حركة في تلك الأيام، فهي دولة تحكم في سورية، ونصف اليمن، وثلث لبنان، وكل العراق، والعالم يقف إلى جانبها، أو يندد بها، لكنه يفضلها على داعش، وهي حركة باطنية تدّعي السنية، فهي بخيلة بالمعلومات، لا أحد يعرف كثيرا عن قائدها، الذي لم يظهر سوى مرة أو اثنتين، تقوم بالمجاهرة بالفظائع  بخصومها المسلمين تنكيلا وصلبا. نجهر بالقول: إن الحروب الصليبية الأرثوذكسية الكاثوليكية المشتركة، هذه المرة هي: بشعارات إسلامية، شعارات داعش وبعض الفصائل الإسلامية التي بدأت تطبق الشريعة في الحرب!
 
تذكر الوثائق أن الدماء بلغت الركب إبان الحروب الأولى، وقد بلغتها هذه المرة أيضا، وأن المساجد تحولت إلى إسطبلات، وبرأيي أن الخنازير والحيوانات أشرف من هؤلاء الغزاة، وقد دُمّر أكثر المساجد، أما المؤرخون، فيذكرون الجوع، وقد رأيناه منذ سنوات يفتك بالمسلمين، ولم نفعل شيئا، أكل الناس القطط والجرذان والأعشاب والحيوانات النافقة، والغرب يندد ويشجب، ويضحك في سره، فالحروب الصليبية تتم بأيد أهلية من تحت، ونيران صليبة من فوق.

الغرب متقدم في القتل، وأكثر خداعا، ويقتل برقة عن بعد، حتى إنه يأنف من التعذيب، فيرسل المتهمين مثل ماهر عرار إلى سوريا لانتزاع الاعترافات، المسلمون يدفعون الثمن دما وأرضا وعقيدة.

قُسم الفلم الوثائقي إلى أربعة أجزاء هي: الصدمة، والصحوة، ثم الوحدة، ثم التطهير، ونحن في مرحلة الصدمة التي طالت كثيرا.

الصدمة طويلة هذه المرة، الإعلام ينقل كل شيء، وليس كما في السابق، ولكن العجز أكبر هذه المرة. وأقسم أن صلاح الدين كان رؤوفا رحيما بالمحتلين الصليبين بعد أن دحرهم، أكثر من رحمة الصليبين الغزاة مع أهل حلب الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق..

المقارنة ظالمة.

عربي21
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *