بعد صعود الملك سلمان إلى الحكم، عدّ الكثيرون هذا الصعود بداية التأسيس للمملكة العربية السعودية الرابعة، باعتبار أن سياسات الملك الجديد سوف تشكّل قطيعة مع سياسات سلفه، لا سيما وأن ديوان الملك السابق عمل على منع سلمان من الوصول للعرش، بيد أنّ الوقت لم يسعفه – أي الديوان السابق – في ذلك. بكلمة أخرى، كان يُفترض أن يكون ثمة عامل شخصي يدفع نحو تلك القطيعة، وهو الثأر للنفس بالقطيعة مع السياسات السابقة، لا بإقصاء الفريق القديم فحسب.

تفاءل إسلاميون بهذه القراءة. قيل إنّ العداء للإخوان المسلمين ليس أولوية لدى الحكم الجديد.. تداول الكثيرون الحديث عن تحالف ثلاثي سعودي قطري تركي، وشنّ الحكم الجديد الحرب على اليمن، وبدت السعودية مبادِرة بنفسها هذه المرّة متخلية عن طبعها المحافظ في سياساتها الخارجية، ثم ظهر خلاف بين الحكم الجديد وعبد الفتاح السيسي، رفع من مستوى التفاؤل، لدى المستبشرين بـ”المملكة العربية السعودية الرابعة”، والذين بعضهم الآن في سجون الحكم الجديد!

بيد أنّه في الأثناء كانت ثمة تفاصيل تشير إلى أن القطيعة مع السياسات السابقة مستبعدة، وأن التحوّل سيكون في منحى آخر. كان من الممكن إدراك ذلك بملاحظة كيفية إدارة الحرب على اليمن، ونمط الاعتقالات والإجراءات داخل البلد، والصراع المكتوم على ولاية العهد، وتنامي العلاقة مع الإمارات.

 

 

كان واضحا أن النفوذ الأمريكي في السعودية لا يمكن تجاوزه أبدا، وأن منتهى ما يمكن المناورة فيه مع أمريكا؛ اللعب على تعدد مراكز النفوذ والقوى فيها

 

وفي الأساس ثمة مرتكزات لفهم أي دولة، أو هيئة ثقيلة من حجم الدول والجماعات الكبرى، يَعسر أن تتغير بتغير القيادة فيها، لا سيما إن كانت قادمة من داخل النظام نفسه. كان واضحا أن النفوذ الأمريكي في السعودية لا يمكن تجاوزه أبدا، وأن منتهى ما يمكن المناورة فيه مع أمريكا؛ اللعب على تعدد مراكز النفوذ والقوى فيها، وهو أمر قد يعني في لحظة ما الاستناد إلى قوى فيها هي الأكثر عداء لأمتنا، والأكثر انحيازا للكيان الصهيوني.

سرعان ما تبين أنها ستكون دولة جديدة، ولكن ليست مملكة سعودية رابعة. وبصرف النظر عن التسمية الرسمية، فإنها ستكون مملكة سلمانية، ينسل ملوكها من صلب أبناء سلمان وأحفاده، وربما من أبناء محمد ولي العهد الحالي في حال كُتب لمحاولاته اللحوحة والجريئة والعجولة النجاح. وبمجرد أن صُعّد محمد، القادم من المجهول السياسي، ليكون ولي العهد، وظهور ممارساته لإضعاف ابن عمّه ولي العهد السابق، أحد رجالات الدولة المعروفين، كانت الرؤية تشير إلى أن التحول سيكون بخلق عائلة حاكمة جديدة، وإن كانت منسلّة من آل سعود.

 

 

تبين أنها ستكون دولة جديدة، ولكن ليست مملكة سعودية رابعة. وبصرف النظر عن التسمية الرسمية، فإنها ستكون مملكة سلمانية

 

ثمة تحوّلات صحيح، ولكنها داخلية، تعيد صياغة موقع الدين في الدولة، وتقصي العائلة الحاكمة الكبيرة لصالح عائلة الحكم الصغيرة السلمانية، بالإضافة لما يرافق ذلك من تغييرات اقتصادية. أما في السياسات الخارجية، فقد اختلفت في منسوبها لا في اتجاهها. فقد ضاعفت من سرعتها وكثافتها بما يجعلها أكثر مبادرة وأقل محافظة، ولكن في اتجاهات الحكم السعودي التاريخية.

ظلّت العلاقة مع أمريكا مرتكز السياسات السعودية الداخلية والخارجية، وإن كانت هذه المرّة بالتحالف مع مجموعة ترامب، الرئيس وزوج ابنته، في ظلّ انقسام أميركي مؤسسي، وظلّت إيران العدوّ الأول في التعريف السعودي، وظلّت القضية الفلسطينية بوابة التشبيك ودفع الأثمان للقوى النافذة في الولايات المتحدة، وبهذا استعيدت العلاقة مع عبد الفتاح السيسي، وترسّخ التحالف، مع محمد بن زايد الحاكم الفعلي للإمارات، وحوصرت قطر، وأخذ ذلك كلّه يتبلور في تحالف جديد مع بنيامين نتنياهو، بالاستناد إلى جدار ترامب، الهشّ في الحقيقة، ولكنها العجلة والرغبة العارمة في استثمار وجوده!

كلّ هذا بُني على لحظة التصوّر الأولى بأن ثمة فرصة لإزاحة ابن العم من ولاية العهد والصعود للمُلك. لكن ذلك كلّه يحتاج إلى موافقة أمريكية، والبوابة كانت تبدأ من أبو ظبي. من هنا أخذت أفكار جديدة تُصَبّ في رأس الشاب الطموح العجول؛ على الأغلب لم يكن له سابق معرفة أو عهد بها، سواء تلك الفكرة حول الدين وتياراته في بلده، أو حول السياسات الخارجية، ورؤية العالم. فحتى قليل من السنوات كان في هامش الحكم والمعرفة، لا يعرفه أحد، ولا يدري هو بشيء.. إنّه الملك المطلق الذي جاء به إلى هذه المكانة فحسب.. ابن الملك المدلل.. الذي وجد أن إزاحة ابن عمه سوف تستدعي إزاحة العائلة كلّها والتأسيس لأسرة جديدة!

الآن، الصورة الخارجية هكذا.. التسريع الشديد للسياسات الخارجية السعودية، ودفعها صوب أقصى ما يمكن أن تصل إليه، والإسفار الكاشف عن حقائق العلاقات السعودية الخارجية وتوجهاتها الحقيقية بما لا يدع مجالا للتغطية والمناورة الدعائية، بل والتخلّي الكامل عن ورقة التوت في ذلك. ثم وفي الأثناء، حرب عدمية في اليمن، وحصار لا تُعرف مآلاته لقطر، وفتنة جديدة تُخلّق في لبنان، ورفع لوتيرة الصراع مع إيران، وتوثيق للتحالفات السرّية مع “إسرائيل”، وسعي للصعود بها إلى العلن، واعتماد على حكم انتهازي ضعيف في مصر، ولكنه مرغوب إسرائيليا، والاعتماد في ذلك كلّه على عائلة ترامب التي يعصف بها انقسام شديد داخل المؤسسة الأمريكية.

أما الصورة الداخلية، فقد جرى توصيف جانب منها، وبقي أن نشير إلى أزمة السعودية المالية الطاحنة، التي ربما بعض أسباب حصار قطر تعود إليها، وربما بعض أسباب احتجاز الأمراء ورجال الأعمال تعود إليها أيضا. لكن الطموح الجارف، وجنون العظمة، والافتقار للتأني، وحجم العداءات، والمغامرات، والأموال المطلوبة للرشاوى، والفساد الذي لم يزل قائما رغم دعايات الحرب عليه، وسوء الإدارة، لن يجعل من الاستيلاء على أموال أثرياء البلد، سبيلا لحلّ جذري لتلك الأزمة، وإن أفاد نسبيّا في تزييت حركة الإدارة والمغامرات!

 

 

تشتبك التحولات الداخلية، بما في ذلك الإزاحة القاسية للأسرة الكبيرة، بالسياسات الخارجية المشتعلة

كما هو واضح، تشتبك التحولات الداخلية، بما في ذلك الإزاحة القاسية للأسرة الكبيرة، بالسياسات الخارجية المشتعلة، في قطر واليمن ولبنان وفلسطين، ومع إيران، وفي التحالف مع نتنياهو، وابن زايد بطبيعة الحال، فهل السيطرة على هذا التكثيف الهائل ممكنة بما يمنع انفجاره؟!

السعودية كانت في طليعة دول الثورة المضادة، وأكثرها إنفاقا عليها زمن الملك عبد الله، وهي اليوم لم تزل في قلب دول الثورة المضادة، في نفس اتجاه الملك السابق، وإن أسرع وبانكشاف أعلى، وهي اليوم محور التحولات الداخلية والاشتباكات الخارجية في زمن سائل وبالارتكاز على متغيرات لا على ثوابت، أي بالارتكاز على ترامب ونتنياهو.

 

 

فاحتمالات الانفجار قائمة، بما يمكن أن يكون موجة التغيير الثانية في عالم العرب، من بعد موجة الثورات العربية وبفاعلية دول الثورة المضادة

 

وذلك كله في بؤرة واسعة تمتد من ليبيا على الأقل إلى لبنان وفلسطين، وتطال إيران وتركيا، وتشتعل في القلب مع قطر واليمن وداخل البلد. ومن ثم فاحتمالات الانفجار قائمة، بما يمكن أن يكون موجة التغيير الثانية في عالم العرب، من بعد موجة الثورات العربية وبفاعلية دول الثورة المضادة، وعلى خلاف ما تشتهي، بالرغم من الصورة المضللة الراهنة التي تظهرها في موقع القوّة والسيطرة.

عربي21