تتمتع الجبهة الجنوبية في سوريا بأهمية استثنائية لدى أطراف الصراع المحلي والإقليمي والدولي نظرا لموقعها الجغرافي، وأهميتها الاستراتيجية، وهي تلخص مسار تطورات الأزمة السورية وتحولاتها من حركة احتجاجية محلية سلمية إلى حركات مسلحة ضد النظام سرعان ما انقلبت إلى نزاع إقليمي لتدخل في أتون صراع دولي. 

ويبدو أن الجبهة الأكثر نشاطا مع بداية الثورة السورية منتصف آذار/ مارس 2011 تحولت إلى الجبهة الأشد تعقيدا منذ تشكيل غرفة التنسيق المشترك لأصدقاء سوريا صيف 2013، لتصبح الجبهة الأكثر خمولا وجمودا منذ منتصف 2015. 

ثم أخذت مسارات ملتبسة عقب التطورات العميقة التي طرأت على الأزمة السورية منذ التدخل الروسي في أيلول/ سبتمبر 2015، والتفاهمات الأمريكية الروسية إبان إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وتبدل ديناميكيات المقاربة التركية وتفاهماتها مع روسيا.

خلقت الديناميات الجديدة وقائع جديدة، حيث حققت خلالها قوات الحكومة السورية تقدما كبيرا على مدى أكثر من 18 شهرا، توجت في كانون الأول/ ديسمبر 2016 باستعادة جيب المعارضة الرئيس في حلب. 

ودشنت هدن عسكرية استثمرها النظام في عمليات السيطرة التي ترتكز على تكتيكات العزل والقضم، وقادت إلى تعاظم الدور الروسي الذي استثمر دوره الحاسم بالدعوة إلى عقد اجتماع أستانة الأول في عاصمة جمهورية كازاخستان، في كانون الثاني/ يناير 2017، لتثبيت وقف إطلاق النار. 

وشهدت الجولة الرابعة من مفاوضات أستانة في أيار/ مايو الماضي التأكيد على وقف إطلاق النار، والاتفاق على إقامة أربع مناطق لخفض التصعيد داخل حيز التنفيذ في 6 أيار/ مايو. 

وبانتظار أن تقوم الدول الضامنة (روسيا وتركيا وإيران) بتشكيل فريق عمل مشترك لتحديد المناطق المشمولة بخفض التصعيد في 22 أيار/ مايو موعدا نهائيا لاستكمال تعريف خرائط مناطق خفض التصعيد، واتخاذ جميع التدابير اللازمة لمواصلة القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام، وغيرهما من الأفراد والمجموعات والمنظمات التابعة لهما، في داخل مناطق خفض التصعيد. 

وبهذا، فإن تاريخ كانون الثاني/ يناير 2017، يمثل لحظة تاريخية فارقة دشنت تخلي الدول الغربية والعربية ممن أطلقت على نفسها “مجموعة أصدقاء سوريا” عن المعارضة السورية، وتركتها لمواجهة مصيرها المحتوم بالفناء. 

وبهذا، فإن الحالة السورية تعيد إنتاج الحالة العراقية، حيث تختفي فصائل المعارضة المسلحة الوطنية عقب مرورها بمسار “الصحوات”، ولا يبقى سوى الحالة الجهادية العالمية.

مصائر المعارضة السورية الموصوفة بالاعتدال باتت كارثية، عقب وصول ترامب إلى رئاسة البيت الأبيض، ومقاربته الجديدة بالاقتصار على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، ونهاية الحديث عن رحيل الأسد. 

ففي ظل غياب رؤية شمولية لحل الأزمة السورية، استثمرت المجموعات المتحدرة من تنظيم “القاعدة” الديناميكيات الجديدة بالتحول لإعادة التموضع، وإعادة نسج روابطها المحلية، وبناء تحالفاتها. 

فجبهة فتح الشام -جبهة النصرة سابقا- عملت على توسيع نفوذها، وهاجمت مع حلفائها فصائل الجيش الحر في الجبهة الشمالية والجبهة الجنوبية، وأعلنت ضم فصائل جهادية بارزة في الشمال السوري، من خلال عملية اندماج  كبرى، أسفرت عن تشكيل جديد أطلق عليه اسم “هيئة تحرير الشام” في 28 كانون ثاني/ يناير 2017.  

وتضم هذا التشكيل “جبهة فتح الشام” و”حركة نورالدين زنكي” و”لواء الحق” و”جبهة أنصار الدين” و”جيش السنة”. 

وعملت في الجبهة الجنوبية على تأسيس “غرفة البنيان المرصوص” مع عدد من فصائل الجبهة الجنوبية، وأطلقت معركة “الموت ولا المذلة” لإخراج قوات النظام من حيّ المنشية.

لا تخفي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في إطار “غرفة العمليات المشتركة” في عمان قلقها البالغ من التحولات الجارية في الجبهة الأخطر في الجنوب السوري المتاخمة للحدود السورية الأردنية والسورية الإسرائيلية. 

فعلى الرغم من دعم وإسناد مكونات الجيش الحر وممثلهم الأبرز فصائل “الجبهة الجنوبية”، إلا أن ما حدث في المنشية يضفي ظلالا من الشك على قدرة مكونات “الجبهة الجنوبية”، رغم جودة تسليحها، وضخامة عدد أفرادها، الذي يتجاوز (30) ألف مقاتل.
 
تمثل الجبهة الجنوبية إحدى الجبهات الأكثر خطورة، في ظل تبدل ديناميكيات الأزمة السورية، ذلك أن التفاهمات التي نسجت إبان فترة رئاسة أوباما باتت في حكم الملغاة مع رئاسة ترامب. 

فالرئيس الجديد وضع على رأس أولوياته في منطقة الشرق الأوسط مواجهة تحديات التهديد الذي يشكله الإرهاب السلفي الجهادي، ومساعي إيران لخلق “هلال شيعي”، يضم المنطقة بأسرها، والحد من تنامي الدور الروسي المتصاعد وقد شكل  تجدد الحديث عن “المناطق الآمنة” إحدى المسائل الكاشفة عن حجم الخلاف في تصورات التعامل مع المسألة السورية.

لا تقتصر المخاوف في الجبهة الجنوبية من تنامي نفوذ الجماعات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، وتنظيم القاعدة، حيث ترتكز المجهودات على أولوية مجابهة جيش خالد بن الوليد المرتبط في تنظيم الدولة الإسلامية في ريف درعا الغربي والحيلولة دون انضمام أفراد فصائل الجبهة الجنوبية إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة فتح الشام. 

بل تتنامى المخاوف من المليشيات الشيعية المرتبطة بإيران، ففي حال شعور النظام السوري بتراخي الدعم عن الجبهة الجنوبية، سيغريه الأمر بالاندفاع سريعا ليفرض سيطرته مرة ثانية على معبر نصيب مع الأردن لاستئناف حركة التجارة التي كانت متواصلة إلى أن سيطرت مجموعات المعارضة على هذه النقطة في نيسان/ إبريل 2015.

ثمة خشية حقيقية من تكرار ما حدث سابقا، عندما دفعت قوات التحالف الذي يضم إيران والنظام السوري و”حزب الله” في 11 شباط/ فبراير 2015، إلى شن هجوم عسكري واسع ضد فصائل المعارضة المسلحة في جنوب سوريا بالقرب من الحدود مع إسرائيل والأردن، الذي شارك فيه حوالي (5) آلاف مقاتل. 

عندما استهدف الهجوم محافظتي درعا على الحدود مع الأردن والقنيطرة على الحدود مع هضبة الجولان التي تسيطر عليها إسرائيل. 

وشارك في العمليات القتالية عناصر من الجيش الإيراني، وفي مقدمتهم الجنرال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” الجناح الخارجي لـ “الحرس الثوري”،  الأمر الذي استدعى حينها تحركا سريعا لغرفة العمليات المشتركة، بدعم وإسناد فصائل الجبهة الجنوبية، التي تمكنت من استعادة السيطرة على مناطق عدة كانت قد خسرتها بداية المعارك. 

لكنها سرعان ما تمكنت من تحرير مناطق جديدة، وسيطرت على بصرى الشام في 25 آذار/ مارس 2015، ثم اندفعت باتجاه تحرير مناطق أخرى.  

ومن أهم هذه المناطق، معبر نصيب الذي سيطرت عليه مجموعة من الفصائل، وفي مقدمتها “جبهة النصرة” في 1 نيسان/ إبريل 2015.

خطر المليشيات الشيعية لا يقل عن خطر الجماعات الجهادية، بحسب المقاربة الأمريكية الجديدة، ومجموعة أصدقاء سوريا، ذلك أن المليشيات الشيعية تشكل ائتلافا متطورا على الأرض، قام بتعزيز النفوذ الإيراني في سوريا بشكل لم يسبق له أن حصل. 

وهم يقومون ببناء قوة كبيرة على الأرض، ستبقى بعد فترة طويلة من الحرب هناك، وستمارس تأثيرا عسكريا وأيديولوجيا قويا على سوريا، لصالح إيران. 

وهي مليشيات مسندة يصعب ضبطها على خلاف الجماعات الجهادية التي يمكن دفعها لإجراء تكيفات، كما حدث مع النصرة في كانون الأول/ ديسمبر 2015، عندما غادر معظم مقاتليها الأجانب إلى المناطق الشمالية والوسطى.
   
وكشفت معركة “الموت ولا المذلة”، التي دشنتها  غرفة عملية “البنيان المرصوص”، عن إمكانية تبدل الأولويات لفصائل الجبهة الجنوبية، وتغير التحالفات. 

وبرهنت مرة أخرى عن قدرة النسخة القاعدية على إعادة نسج روابط مع الحركات المحلية، وبناء تحالفات. 

إذ شاركت هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام وفصائل عدة من الجيش الحر،  غرفة العمليات للسيطرة على حي المنشية في درعا البلد، لمنع النظام من السيطرة على معبر درعا الحدود. 

الأمر الذي استثمره جيش خالد بن الوليد التابع لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي تشكل من اندماج لواء شهداء اليرموك وحركة المثنى الإسلامية و‌جيش الجهاد وفصائل صغيرة أخرى في 21 أيار/ مايو 2016 في توسيع نفوذه على حساب فصائل الجيش الحر. 

وعلى الرغم من انسحابه لاحقا، إلا أن الديناميات الجديدة كشفت عن هشاشة الوضعية وإمكانية تبدلها.

رغم أن فصائل الجيش الحر بدأت سلسلة من العمليات لطرد تنظيم الدولة الإسلامية تمثلت بثلاث معارك تخوضها فصائل عدة من المعارضة السورية ضد تنظيم الدولة باسم “سرجنا الجياد” في البادية السورية، والثانية باسم “صد البغاة” في القلمون الشرقي، والثالثة باسم “قادمون يا قلمون”، التي حققت فيها قوات المعارضة تقدما كبيرا، وانتزعت مناطق ومساحات واسعة من التنظيم، في سياق فك الحصار عن القلمون الشرقي، تمهيدا لفك الحصار عن الغوطة الشرقية غربا ثم السيطرة على البوكمال ودير الزور شرقا، إلا أن تنظيم الدولة لم يقاوم. 

وعمد إلى تنفيذ انسحابات تكتيكية، وأعاد التموضع، حيث لم تنشأ معارك حقيقية، حيث قام التنظيم بسحب مقاتليه الأجانب باتجاه الرقة، ودير الزور، بهدف خلق دينامية جديدة تضع فصائل الجيش الحر، في مواجهة قوات النظام السوري وحلفائه، بانتظار ما تسفر عنه الديناميات الجديدة.

على مدى سنوات، تمكن الأردن من خلال علاقاته الجيدة مع فصائل الجبهة الجنوبية، من الحفاظ على ديناميكية صراع منضبطة في درعا، وتبنى مقاربة مرنة في التعامل مع التحولات. 

وأبقى الأبواب مفتوحة في التعامل مع أطراف النزاع كافة، من أجل تهدئة القتال ضد نظام الأسد. 

وعقب التدخل الروسي، نسج تفاهمات مع روسيا، تستند إلى أولوية مواجهة الجماعات الجهادية الراديكالية الموصوفة بالإرهابية، وضبط الجماعات المعتدلة، حيث تم تأسيس مركز مراقبة أردني روسي مشترك في عمّان في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، للتركيز على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وعدم الانخراط في الاشتباكات. 

حيث يقوم الأردن بدور رئيس، من خلال مركز العمليات العسكرية الذي أنشئ من قبل مجموعة “أصدقاء سوريا” عام 2013.

في ظل غياب استراتيجية واضحة لدى أطراف الصراع كافة في سوريا، وتبدل التحالفات والولاءات الدولية والإقليمية، وتغير خرائط فصائل المعارضة المسلحة وتبدل ولاءاتها وأولوياتها، تجري على الأرض عملية إعادة تموضع للفصائل السورية المسلحة كافة.

فهيئة تحرير الشام تعمل على إعادة بناء تحالفاتها، وتنظيم الدولة الإسلامية يعيد التموضع، بانتظار ولادة دينامية جديدة. وفصائل الجيش الحر تترقب ما ستسفر عنه وعود الحل النهائي. 

وإذا كان ثمة شكوك حول أطروحات المنطقة الآمنة، وجدوى موضوعة خفض التوتر، وإمكانية تحققها، فإن من المؤكد أن دينامية الصراع الإقليمي والدولي في الجبهة الجنوبية ستتعاظم مع تنامي النفوذ الإيراني والمليشيات الشيعية العابرة للحدود، إلى جانب الحركات الجهادية المعولمة، وهي تحديات ستبرز بصورة أكثر حدة في المستقبل.

رغم الخلافات بين أطراف الصراع الإقليمي والدولي على سوريا، فإن الجبهة الجنوبية هي الأشد تعقيدا، نظرا لموقعها الاستراتيجي، فالجهادية العالمية تقاطرت إلى الشام في أبرز سردياتها، باعتبار سوريا نقطة انطلاق لتحرير فلسطين عبر الجبهة الجنوبية. 

وإيران وحلفاؤها من المليشيات الشيعية ترتكز في تمددها إلى مقاومة إسرائيل. 

وبهذا تحولت روسيا إلى موقع الوسيط، الذي ينشد إقامة علاقات جيدة مع مختلف الفرقاء، وهي تحرص على تجنب كونها حليفا أو خصما نهائيا لأحد الأطراف. 

لكن جميع الأطراف تدرك أن تحدي الجهادية يمكن التغلب عليه في الجبهة الجنوبية، بينما تحدي إيران وحلفائها يتطلب صفقة، وهي مسألة تتعارض مع المقاربة الأمريكية- الإسرائيلية، الأمر الذي سيجعل الجبهة الجنوبية الأكثر سخونة وتعقيدا في رحلة البحث عن النفوذ والهيمنة والسيطرة في المستقبل.

عربي21