تحتاج الثقافة العربية اليوم إلى سؤال بل أسئلة فكرية جريئة ومعاصرة يمكنها الخروج بالمجتمعات العربية من دوامة الجهل والعنف، وخلق وعي فردي وجماعي يمكنه أن يحدث تغييرا على أرض الواقع.

راحلون وإصدارات

شهد هذا العام رحيل عدد من الوجوه الفكرية البارزة في العالم العربي، والتي طالما قامت بدور أصيل في تعزيز الحياة الفكرية وتحريك الركود في الفكر العربي، سواء من خلال ما ترجمته من مؤلفات الفكر الغربي أو ببحوثها في التراث العربي. نذكر من رموز الفكر العربي الراحلين هذا العام المفكر السوري جورج طرابيشي الذي خلّف عددا كبيرا من المؤلفات الفكرية الساطعة في سماء الفكر العربي ومنها “نقد نقد العقل العربي”، وغيره من المؤلفات والترجمات.

كما غادرنا المفكر والفيلسوف المصري علي مبروك في عقده السادس، وهو الذي أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات في علم الكلام والفلسفة الإسلامية منها “أفكار مؤثمة- من اللاهوتي إلى الإنساني”، و”لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا”.

خسارة أخرى مني بها الفكر العربي بوفاة المفكر السوري مطاع صفدي الذي رحل بعد حياة إبداعية وفكرية حافلة، شأنه شأن المفكر الجزائري مالك شبل الذي أفاد الثقافة العربية والإسلامية بعدد من المؤلفات البارزة منها “الإسلام والعقل”، ليكون آخر الراحلين منذ أيام المفكر السوري العقلاني صادق جلال العظم.

قامات فكرية ظلّت لعقود تحاول إنارة العقول بما أوتيت من معرفة وشجاعة، بينما تعود إلى السطح المواجهات بين الفكر والسلطة السياسية والاجتماعية والدينية، التي تحاول كبح تحرره.

ومازالت تلك التهم المتعلقة بازدراء الأديان تُطارِد كل مُفكر أو مثقف في العالم العربي، ففي العام الماضي رُفعت دعوى قضائية بتهمة “ازدراء الأديان” ضد الكاتب والباحث المصري سيد القمني إثر ندوة له هاجم فيها الأزهر، وهي نفس التهمة التي وُجهت للكاتبة المصرية فاطمة ناعوت بعد انتقادها للطقس الديني المتعلق بذبح الأضحية في عيد الأضحى، فضلا عن الكاتب إسلام البحيري الذي صدر عفو رئاسي عنه في نوفمبر الماضي والذي كان قد قضى عدة شهور في السجن بسبب اتهام له بالتشكيك في بعض كتب التراث الإسلامي.

ومن ناحية أخرى، فإن هناك إصدارات فكرية متنوعة هذا العام، رغم أن جل ما تم إنتاجه خلال العام، والذي تمكن من حصد عدد من الجوائز البارزة، كان مرتكزا في مجال الترجمة للعلوم الإنسانية والفلسفة على اللغات الإنكليزية والفرنسية وغيرها، إلا أن دور النشر كان لها اهتمام بإصدار عدد من الكتب المعرفية والفكرية فضلا عن الترجمات البارزة.

ففي هذا العام، صدر كتاب بعنوان “المدارس الفكرية الإسلامية من الخوارج إلى الإخوان المسلمين” للكاتب المصري محمد سليم العوا عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، والذي يتعرض فيه لمدارس الفكر الإسلامي بداية من الخوارج مرورا بالشيعة والمعتزلة والسلفية والصوفية وغيرهم.

وفي سلسلة الفلسفة، الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، كان هناك عدد من المطبوعات الهامة ومنها “أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط” لأستاذ فلسفة الدين محمد عثمان الخشت، والذي يسعى من خلاله لإعادة قراءة المذهب الديكارتي، وكتاب “مقاربات فلسفية في تشريح العقل عند العرب ” للمفكر العراقي عبدالأمير الأعسم والذي يحمل مشروعا فكريا لتشريح العقل العربي، فيما صدر للباحث عصام ستاتي “اللغة المصرية الحالية” والذي يتناول فيه صلتنا الحالية باللغة القديمة.

تبعية وتقليد

يرى الأكاديمي غيضان السيد علي، مدرس الفلسفة الحديثة والفكر العربي، أن الفكر العربي المعاصر مازال يقبع في فلك التبعية والتقليد، ولا يمكننا القول إنه استطاع أن يقدم أوراق اعتماده في دنيا الفكر والفلسفة التي تسيطر عليهما اليوم الفلسفة الغربية بفلاسفتها ومفكريها الذين يغمرنا إبداعهم الفكري والفلسفي يوما بعد يوم، ونحن نلهث وراءهم، مدى حجم الهوة الكبيرة التي تفصل بيننا وبينهم، ولكننا لا يمكننا أن ننكر دور المحاولات الفردية التي قدمها العديد من المفكرين في المشرق أو المغرب العربي، كما يقول السيد علي، لكنه يستدرك أن هذه المحاولات تبقي في النهاية محاولات فردية ولم تتخذ بعد طابع المدارس الفكرية، فما إن يموت المفكر في بلداننا العربية حتى يموت فكره.

ويتابع ضيفنا “رغم ذلك وفي تصوري، فإن الحلم بإمكانية تقديم العرب لفلسفة تعبر عن الذات العربية والهم العربي لا بد أن يظل موجودا باستمرار في ذهن كل مفكر ومتفلسف عربي. هذا الحلم الذي تبلور قديما مع الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعلى طول القرن العشرين، في مصر مع أحمد لطفي السيد وعباس محمود العقاد وزكي نجيب محمود ونصر حامد أبوزيد وحسن حنفي، وفي المغرب مع كل من محمد عابد الجابري وعبدالله العروي وغيرهم من المشارقة والمغاربة الكثير من الأسماء الفكرية المؤسسة.

سؤال قديم

يلفت غيضان السيد علي إلى أنه حتى اليوم لم يبلور سؤال فكري ثقافي عربي جامع سوى ذلك التساؤل الذي بدأ مع عصر النهضة العربية الأولى منتصف القرن التاسع عشر حول الأصالة والمعاصرة والوافد والموروث، وإن كان يؤكد أنه سؤال زائف وإشكالية عبثية لا معنى لها.

ويضيف “في الحقيقة إن الأعوام القليلة الماضية قد شهدت طفرات فكرية تزعمها في مصر حسن حنفي، حيث توالت في الصدور أجزاء مشروعه الفكري الكبير حول التراث والتجديد وكذلك كتابات طه عبدالرحمن في المغرب العربي والتي كان آخرها كتابه ‘من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر’ كما يبقى ‘معجم الأديان العالمية’ لمحمد عثمان الخشت، والذي صدر في جزأين أفضل ما صدر في مجال الفلسفة على العموم وفلسفة الدين خاصة في العالم العربي هذا العام”.

يعتقد مدرس الفلسفة المعاصرة حمدي الشريف أن جُل دراسات الفكر العربي في الوقت الراهن لا تزال أسيرة إشكالية التراث والمعاصرة، ولم تخرج من أسرها، رغم تغير الظروف والأحوال التي خرجت من رحمها هذه الإشكالية منذ أكثر من قرنين من الزمان. ورغم أهمية هذه الإشكالية، فإن ما حدث في معالجاتها طوال أكثر من قرنين هو الانقسام الحاد بين ثلاثة تيارات: تيار سلفي يرفض كل منتجات الحداثة الغربية وينغلق على التراث جملة وتفصيلا دون مراعاة للحظة التاريخية التي نعيش فيها، والتيار الثاني هو التيار التغريبي الذي يرفض التراث جملة وتفصيلا دون مراعاة أيضا من جانبه للحظة التاريخية التي نعيش فيها، محاولا فرض أيديولوجيات غربية نشأت في سياق محدد وفي ظروف معينة على الواقع العربي والإسلامي. وتيار ثالث حاول الجمع بين التراث والمعاصرة، ولكن كان الغالب على فكر هذا التيار هو التلفيق الذي يصل في أحيان كثيرة إلى حد التناقضات الصارخة كما في مشروع حسن حنفي.

ويتابع الشريف “لماذا تخلَّف العرب والمسلمون، ولماذا تقدَّم غيرهم؟ رغم تغيُّر الظروف وتبدل الأحوال التي طُرح فيها هذا السؤال، إلا أننا لا نزال ندور في نفس الإجابة التقليدية، إما الاكتفاء بالتراث وحده، أو رفضه كليا، أو محاولة التوفيق بين التراث ومستجدات الحداثة الغربية. ثمة استثناء مهم من ذلك، وهو ذلك التيار الذي حاول دراسة التراث، والقرآن خصوصا، دراسة نقدية. هذا التيار الذي يمثله نصر أبوزيد وعلي مبروك يمتد إلى الشيخ أمين الخولي وتلميذه محمد أحمد خلف الله. ولكن لأسباب عديدة، ظل هذا التيار محاصرا في الثقافة العربية ومتهَما في أعين رجال الدين المحافظين، لكن بعد الثورات العربية بدأ تلاميذ هذه المدرسة يخرجون إلى النور ويعلنون أفكارهم في المؤتمرات والندوات العامة والخاصة. كذلك لا يمكننا هنا تجاهل محاولات المفكرين العرب المستنيرين، من أمثال جورج طرابيشي، وفؤاد زكريا، ومحمود أمين العالم، ومحمود إسماعيل، وتلاميذهم في الوقت الحالي”.

ويلفت ضيفنا إلى أن المدرسة العقلانية في الفكر العربي التي أسس لها الشيخ محمد عبده والشيخ أمين الخولي لا تزال موجودة بقوة، نذكر هنا كتابات الدكتور أحمد سالم أستاذ الفكر العربي بجامعة طنطا الذي يحاول في كتاباته الراهنة الإسهام في السؤال الفكري المركزي حول التجديد.

ويقول أستاذ الفلسفة علي عبدالحفيظ “كنت قد عرضت لمقارنة ما بين المقاربات العربية للتراث والمقاربات الغربية لبعض القضايا المشابهة (مثل قضية الذاكرة، ببعديها الجماعي والحضاري) وقد لاحظت أنّ الفكر العربي فضلا عن أنّه لم يطلع بشكل جدّي على ما أنتجه المفكرون الغربيون في نقاط التماس الدقيقة التي يلتقي فيها الأخيرون مع الفكر العربي، فإنّ الفريقين لم يكونا بعيدين عن بعضهما بهذا القدر الشاسع في بدايات وأواسط القرن العشرين، لكنّ طريقة المفكرين العرب في تناول موضوعات الدراسة المقابلة لذات الموضوعات التي درسها زملاؤهم الغربيون وانقطاعهم عن التعاون مع هؤلاء الزملاء قد أفقدا دراساتهم أبعادا علمية ونفسيّة عميقة، ومنعنا نحن التالون لهم من موازاة الحركة الفكرية الغربية، وأصبح البون شاسعا بالصورة التي لا تحتاج لتوضيح”.

ويضيف عبدالحفيظ “إن من بعض أهم دراسات التراث عندنا كانت دراسات عميد الأدب العربي طه حسين الذي كان زميل دراسة في مدرسة الأستاذ دوركهايم للمفكر الفرنسي الشهيد موريس هالبفاكس الذي أبدع نظريّة الذاكرة الحضاريّة، وحيث أبدع طه حسين كتابا مميزا عن نقد التراث الشعري العربي وروايته ‘الشعر الجاهلي‘ فإنّ هالبفاكس كان قدّم تحليلات واضحة خاصة في كتابه الأخير الذي ربما أدّى إلى استشهاده على يد القوات النازية أثناء احتلالها لباريس، حيث فضح تدخلات وتحكمات السلطات السياسيّة وربيبتها الدينية في إثبات روايات تاريخية معينة ودعمها بقوّة هذه المؤسسات”.

 إخفاق الثورة

أمّا عن سؤال هل يمكننا القول إن الثقافة العربية أنتجت وبلورت مع العام الماضي سؤالا فكريا ثقافيا عربيا جامعا؟، فإنّ ما قدمه أستاذ الفلسفة من مقارنة يشي أيضا بالإجابة إذ طالما أنّنا بعيدون عن مقاربات أكاديمية وعلمية منظمة ومتصلة مع الدراسات الأكاديمية العالمية إذ إنّ حائط العلوم العالمي واحد وغير متعدد، فإنّ سؤالا جديّا يمثل قضيّة أكاديمية جديّة لن ينطرح. تقول أستاذة الفلسفة سامية سلام “قد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن الفكر العربي المعاصر أصبح غير قادر على خلق فكر تنويري، فأزمة الفكر العربي المعاصر، هي أزمة ليست مؤقتة لكنها مرتبطة بالمتغيرات السياسية المحلية والعالمية الراهنة وهي تواكب الاضطرابات السياسية وتؤثر على الإبداع والتفكير”.

وترى سلام أن ثورات الربيع العربي أخفقت في قيادة مسيرة تحديث وتطوير الفكر العربي، وأخفقت في إحداث تغيير جذري في أنظمة الحكم، وتغيير النظام الاجتماعي وتحقيق نقلة نوعية في جذور العلاقات بين الطبقات، وإلغاء سيطرة الأثرياء والطبقات العليا، وتكريس سيطرة الطبقات المقهورة الواقعة تحتها وإحلال نظم جديدة تقوم على العدالة الاجتماعية.

وتتابع “نحن الآن نعيش مرحلة تخبط الفكر العربي وجموده بعد أن كاد ينطلق إلى آفاق التطور والإبداع الحقيقي، نتيجة تردي الحالة السياسية وانتشار الطائفية، وإخفاق الثورات، وعدم القدرة على التغيير. فبعد الثورات برزت الاتجاهات المختلفة والاستقطابات المتباينة والطائفية وهيمنت المنهجيات الأصولية السلفية الدينية، بمضامينها واتجاهاتها المختلفة، التي تشغل بال وتفكير المثقفين العرب النهضويين الذين يشهدون ويعاصرون انهيار وتبدد حلم تأسيس وبناء مجتمع مدني تعددي ديمقراطي متنور، ومن هنا فإن المعنى السياسي للثورة الذي يشمل التغيير السياسي والاقتصادي وما يرافقه من تغيير اجتماعي وثقافي، وتغيير المفاهيم الراكدة منذ سنوات، ولفت انتباه المجتمع إلى الطبقات الكادحة، والوقوف ضد التمييز بكل أنواعه بكل أسف أخفق، وأخفق معه كل تطور فكري منشود”.