إذا تميز كيسنجر بشيء، بوصفه اساسا “عراب” السياسة الخارجية الامريكية، فإنه بلا شك استباق وتوجيه السياسات من موقعه البعيد عن السلطة التنفيذية، وعلى اساس منهجية ميكيافيلية تجعله يقفز من الصين الشيوعية-الماوية الى المملكة الوهابية. 

ففي الوقت الذي دفع فيه في السنوات الاخيرة الى تعديل الموقف من روسيا، وهو ما جعله متمايزا عن موقف ادارة اوباما التي كانت علاقتها المتوترة بالجانب الروسي، وجعل التحالف معها على قاعدة هزم داعش، فإنه اثر دحر الاخيرة (او ما يبدو انه دحر لها) يعيد مراجعة احداثياته لتصويبها نحو خصم جديد، “امبراطوية الشر الايرانية”. 

اذ كتب كيسنجر مقالا في موقع Cap X يوم 7 اوت بعنوان: “الفوضى والنظام في عالم متغير”. أسس للمقال بثلاثة افكار منهجية اساسية: “إذا كان الغرب ينخرط في كفاح العالم دون مفهوم جغرافي استراتيجي، فسوف تسود الفوضى”، و”نحن في مثل هذا المنعطف المحفوف، ليس لدينا خيار سوى إعادة تعريف الأطلسي”، و”في الشرق الأوسط المعاصر، عدو عدوك قد يكون أيضا عدوك”. 

لكن الفكرة الاساسية للمقال والتي اختطفتها عدد من وسائل الاعلام كانت، مثلما كتبت نيوزيوك من خلال جاك موور مراسلها في الشرق الاوسط: “كيسينغر يحذر ترومب: دور داعش هو إبقاء إيران تحت المراقبة، ويجب أن لا نترك لطهران المجال لملء الفراغ” 

يبدأ كيسنجر مقاله بالاشادة باحد اهم رموز اليمين المتصلب في الغرب “اللايدي تاتشر” حيث يقول: “كانت سيدة تاتشر واحدة من أهم قادة عصرنا، حاسمة، فوارة، شجاعة، كانت مكرسة لتشكيل المستقبل بدلا من اتباع توصيات مجموعات التركيز.” وهي مقدمة لتبرير ما يعتبره “خيارات شجاعة” لا يجب ان تلتلفت لانتقادات “خبراء” الغرف المغلقة.  

تحدث كيسنجر في مقاله الذي يبدو انه سيكون مرجعيا لفترة قادمة عن اهم الملفات: روسيا، والصين، الشرق الاوسط، والحلف الاطلسي. سنركز هنا فقط على ملف منطقتنا. 

ينطلق من وصف النظام المنهار: “النظام القائم على ويستفاليا الذي ظهر في الشرق الأوسط في نهاية الحرب العالمية الأولى أصبح الآن في حالة من الغموض. وقد توقفت أربع ولايات في المنطقة عن العمل كدول سيادية. أصبحت سوريا والعراق وليبيا واليمن مجالات معارك للفصائل التي تسعى لفرض حكمها.” 

وهنا يمر الى الاهم وبالتحديد ثنائية “داعش-ايران”: “حرب العالم الخارجي مع داعش يمكن أن تكون بمثابة التوضيح للغموض. معظم القوى غير داعش- بما في ذلك إيران الشيعية والدول السنية الرائدة – توافق على ضرورة تدميرها.

 ولكن أي كيان يفترض أن يرث أراضيها؟ ائتلاف من السنة؟ أم مجال نفوذ تهيمن عليه إيران؟ الجواب بعيد المنال لأن روسيا ودول الناتو تدعم الفصائل المتعارضة.

 إذا كانت أراضي داعش  تحتلها قوات الحرس الثوري الإيراني أو القوات الشيعية التي تدربها وتوجهها، فإن النتيجة يمكن أن تكون حزاما إقليميا يصل من طهران إلى بيروت، مما يمكن أن يمثل ظهور إمبراطورية راديكالية إيرانية.” 

المعطى الاخر تغير وضع تركيا في المنظار الغربي التقليدي: “لقد تعقد حساب التفاضل الغربي بسبب التحول الناشئ لتركيا، التي كانت ذات تأثير معتدل رئيسي، من دولة علمانية إلى صيغة إسلامية إيديولوجية. إن دعم تركيا للقضية السنية يؤثر في وقت واحد على أوروبا من خلال سيطرتها على تدفق المهاجرين من الشرق الأوسط وإحباط واشنطن من حركة النفط وغيرها من السلع عبر حدودها الجنوبية، جنبا إلى جنب مع جهودها الرامية إلى إضعاف الحكم الذاتي للأكراد، ومعظم الفصائل التي دعمها الغرب حتى الآن.”

وهنا يقف الغرب امام معادلة معقدة: “عليه ان يقرر ما هي النتيجة التي تتوافق مع النظام العالمي الناشئ وكيف يحدده. لا يمكن أن تلتزم خيارات على أساس التجمعات الدينية في دول هي نفسها منقسمة. ويجب أن يستهدف دعم الاستقرار وضد أي جماعة تشكل تهديدا للاستقرار. وينبغي أن يشمل الحساب على المدى الطويل وان لا تكون مدفوعة بتكتيكات اللحظة.”

ويختم الجزء الخاص بالشرق الاوسط بما يلي: “وإذا استمر الغرب في العمل دون خطة جغرافية استراتيجية، فستنمو الفوضى. إذا انسحبت الدول الغربية من حيث المفهوم أو في الواقع – كما كان الوضع على مدى العقد الماضي – فان القوى الكبرى مثل الصين والهند، التي لا تستطيع تحمل الفوضى على طول حدودها أو الاضطرابات داخلها، ستدخل تدريجيا في مكان الغرب رقفة روسيا. وسيتم الإطاحة بنمط السياسة العالمية في القرون الأخيرة.”

في المحصلة حسب كيسنجر في الشرق الاوسط يكمن حجز زاوية انهيار نظام الهيمنة الغربية الذي ترجع اصوله لقرون طويلة (منذ بدء تراكم الثروة الراسمالي في القرن السادس عشر). وعليه يقترح اعادة تعريف الحلف الاطلسي بشكل جوهري للدفاع عن النظام الغربي طويل الامد. 

يختم كيسنجر بمقولة لتاتشر تعكس تركز هواه الاطلسي: “”ما الذي يجب عمله؟ وأعتقد أن المطلوب الآن هو مبادرة أطلسية جديدة ومبتكرة. ويجب أن يكون الغرض منها إعادة تعريف الأطلسي في ضوء التحديات التي أصفها. هناك لحظات نادرة عندما يكون التاريخ مفتوحا وتغير مسارها من خلال وسائل مثل هذه. قد نكون في مثل هذه اللحظة الآن”. 

هل يعني ذلك صفقة كبرى تدمج الحلفاء السنة في سياق غربي-اطلنطي جديد والقبول بدولة ذات اسس سنية ليست بعيدة عن داعش؟ سنحتاج لبعض الوقت لنستكمل فك شيفرة كيسنجر الجديدة. 

 

عربي21