الوضع في سوريا غير مريح ومثير للقلق. صحيح أن الجيش السوري يتقدم ويحقق إنجازات ميدانية مهمة، ويندر أن يفشل في حسم المواجهات مع داعش ومن ناصرها، لكن غيره يحقق إنجازات ميدانية أيضا، والخشية أن ذلك يتم على حساب الوحدة الوطنية لسوريا الصغرى. 

الجيش الأمريكي بالتعاون مع عملاء عرب يحقق إنجازات في منطقة مثلث الحدود الاستعمارية بين العراق والأردن وسوريا، وقوات سوريا الديمقراطية تحقق تقدما في منطقة الرقة، بينما تسيطر وحدات الحماية الكردية على مساحات شمال شرق سوريا أو منطقة الجزيرة. 

والقوات التركية ومن حالفها تسيطر على جرابلس والباب، والإعلام يتحدث عن نوايا تركية للزحف على مناطق مارع وعفرين وإدلب وجسر الشغور. 

كما أن الأمريكيين يقيمون قواعد عسكرية في الشمال السوري، خاصة في منطقة الرميلان شرق القامشلي، وفي المبروكة غرب القامشلي، وفي قرية خراب عشق بالقرب من عين عيسى، وفي منطقة التنف جنوبا. 

وهناك مطارات تقدم خدمات للطيران الحربي والسمتي الأمريكي. 

ولا يخفى علينا أن البريطانيين والفرنساويين يتواجدون على الأرض السورية بصفات عدة، منها الصفة الاستشارية والصفة التدريبية، والصفة الاحتلالية المستترة.

قوى عديدة عربية وغير عربية تلعب على الساحة السورية، وكل قوة لها مصالحها وتبحث عن سبل تحقيقها وكلها قوى دعمت الإرهاب، وما زالت تدعم حتى الآن. 

لا يوجد قوة بريئة دخلت الأراضي السورية من أجل حماية الوطن السوري فقط وإرساء السلام والأمن للشعب السوري. 

كل قوة دخلت من أجل تحقيق مصالح لها أو مصالح أسيادها، وفي السعي نحو إحلال السلام، توجه كل دولة المحادثات والترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية بالطريقة التي تحقق لها مصالحها. 

ومن المعروف أن القوى عندما تجلس إلى طاولة الحوار تدرك أن معادلة الحصول على كل شيء غير واردة، ولا بد أن تتنازل كل قوة عن جزء ترغب به لصالح تنازل القوى الأخرى لها عن أشياء ترغب بها. 

أي أن سياسة حك الظهر المتبادل واردة باستمرار ما يعني أن احتمالات التوصل إلى صفقات بين دولتين أو عدة دول وارد جدا، وعلينا أن نبقى متنبهين يقظين حتى لا نؤخذ على حين غرة.

بداية، هل نحن مطمئنون إلى عدم إمكانية اتفاق روسي أمريكي على صفقة معينة في سوريا؟ 

لا نحن لسنا مطمئنين والدليل على ذلك أن روسيا تعهدت بحماية الأجواء السورية عندما أتت بصواريخها المضادة للطائرات. 

لكن يبقى الطيران الأمريكي ومعه الطيران الإسرائيلي يعربدان في السماء السورية ويقصفان الجيش السوري. 

كيف تم هذا؟ مفهوم أنه لا روسيا ولا أمريكا تبحثان عن صدام عسكري، لكن يبدو أن الطرفين متفقان على أن لا حرمة للأجواء السورية، وأن موافقة الحكومة السورية على انتهاك الأجواء السورية ليست فرضا. 

فهل يقصف الطيران الأمريكي بموافقة روسية وسورية؟ نحن نسمع تصريحات وإدانات كلما اعتدى الطيران الحربي الأمريكي والإسرائيلي على الجيش السوري، لكن هذه الإدانات لا قيمة لها أمام الواقع الميداني. 

ولنا تجربة روسية تركية. 

روسيا سمحت لتركيا بالدخول إلى الأراضي السورية، وهناك يقين بأن صفقة قد تمت بين روسيا وتركيا بعد محادثات الصلح التي عُقدت عقب إسقاط الطائرة الروسية من قبل الأتراك.

وهل نحن مطمئنون إلى موقف الكرد؟ ما الذي سيمنع الكرد بعد سيطرتهم على أجزاء واسعة من الشمال السوري من البقاء هناك مطالبين بإقامة الفيدرالية ومدعومين من قبل الولايات المتحدة؟ 

القوات الكردية تساهم الآن في الحرب على داعش، لكن من المحتمل أن تنقل الحرب ضد الجيش السوري مستقبلا، بخاصة أن أمريكا معنية بإضعاف الجيش السوري باستمرار، وذلك لشل قدرته على مواجهة ما يتم التخطيط له في منطقة الجولان.

إسرائيل لها مصلحة كبيرة في إقامة منطقة عازلة ثانية في محيط مرتفعات الجولان، والولايات المتحدة لا يمكن أن تخلي قواعدها وتسحب جنودها ما لم تطمئن إلى الوضع الأمني الإسرائيلي، وهذا لن يتأتى إلا على حساب وحدة الأراضي السورية. 

وتركيا تبحث عن منطقة عازلة في مواجهة الكرد، وليس من السهل إجبارها على الانسحاب من الأراضي السورية إلإ إذا وظفت أمريكا قدراتها العسكرية تهديدا أو ميدانيا ضد تركيا. 

لكن الاحتمال الأكبر أن تعمل أمريكا على ترضية تركيا بسبب دعمها للأكراد، وذلك بصفقة تنال من وحدة الأراضي السورية. 

وهناك الجانب الأردني المعني بخلو منطقة الجولان من المقاومة العربية لكي لا تتمدد نحوه مستقبلا، وهو مستعد للتعاون مع الصهاينة ضد حزب الله والفصائل الفلسطينية التي من المتوقع أن تشارك في ترتيبات عسكرية جديدة في الجولان. 

وثبت مع الزمن أن لا الأردن ولا تركيا أهل للثقة. فالطرفان لا يملكان أمرهما تماما، والسيد الأمريكي يملك الكثير من أوراق الضغط على هاتين الدولتين. 

فهل ستجاري أمريكا متطلبات تركيا والأردن، أم تفضل الاتفاق مع الروس لتجنيب أطراف سوريا الشمالية والجنوبية والشمالية الشرقية خطر الشرذمة؟ 

حتى الآن أمريكا تراوغ وتستمر في دعم الإرهاب، ولا تلتزم بما يتم التوصل إليه مع الروس. والروس ليسوا صارمين في مواجهة الاعتداءات الأمريكية، وهم يراعون مصالح أمريكا وتدخلها في الشأن السوري على الرغم من أن الحكومة السورية لم تطلب عونا أمريكيا. 

روسيا ليست معنية بصدام مع أمريكا، وهذا عين الحكمة لأن الصدام قد يؤدي إلى أضرار هائلة تلحق بالعالم ككل، لكنها في ذات الوقت لا تعمل ما يكفي لتحمل أمريكا مسؤولية أي صدام قد يحدث، ولا تزود القيادة العسكرية السورية بما يلزم للدفاع عن نفسها في مواجهة الطيران الأمريكي والإسرائيلي. 

فهل تتهاون روسيا بشأن أطراف سوريا وتضغط على الحكومة السورية للقبول بترتيبات عسكرية وأمنية شبيهة  بتلك التي تمت عام 1974 في الجولان؟ 

الخشية من الشرذمة قائمة وحقيقية، ومن المطلوب البحث في الوسائل والأساليب التي يمكن أن تتبناها الحكومة السورية للإحاطة بأضرار متوقعة ومحاصرتها.

وعلينا أن ننتبه إلى أن السياسة الأمريكية في سوريا تلخصت في تدمير سوريا ما أمكن، ولهذا عملت دائماً على إطالة أمد الحرب. كانت سوريا بصحة جيدة قبل الأحداث، وقدمت مختلف أنواع الدعم للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وكانت الأحداث فرصة أمام إسرائيل وأمريكا لإعادة سوريا خمسين أو ستين سنة إلى الوراء، فلا تقوى بعد ذلك على دعم المقاومة. 

شرذمة الأطراف السورية سيبقي الحرب مشتعلة ويبقي الدمار مستمرا. وقبل الحدث، مطلوب من المقاومة أن تقوم بتلك الخطوات الاستباقية التي تحمي جنوب سوريا من الخطرين الصهيوني والأردني.

عربي21