بات مشهد الأطفال السوريين العاملين في الأسواق وورشات الخياطة والمهن اليدوية خلال أوقات الدوام الرسمي في المدارس أمراً اعتيادياً في المدن التركية.
إنهم أطفال سوريون فروا مع عائلاتهم هرباً من قصف طائرات النظام السوري ليستبدلوا أقلامهم وألعابهم المحببة بالعمل على الآلات وماكينات الخياطة وأمام عجلات السيارات يدفعهم إلى ذلك العوز وسد متطلبات المعيشة التي تلاحقهم وتلاحق عائلاتهم.
لم يكن صغر سنه “10 أعوام” عائقاً أمام تعلمه مهنة “النجارة” في ورشة صغيرة في مدينة كركخان الحدودية مع تركيا فهي إحدى سبل العيش التي لجأ إليها سامر محمد من حي شرقي حلب ليبدأ مشواره مع جملة من التحديات التي خلفتها الحرب في سوريا وفتحت الأبواب مشرعة أمام مأساة لا تعرف نهايتها.
يقول سامر لـ مرآة سوريا :”أنهكتنا الحرب يا أخي , قهرتنا , سلبت مني أغلى إنسان على قلبي هي أمي التي ولدتني , وأمي الثانية سوريا” ثم يجهش بالبكاء ويواسي نفسه متوجهاً بالشكر إلى الله على كل حال:”الحمد لله , إرادة الله أن نخوض تحديات أكبر من عمرنا , ولو اني فقدت أمي إلا أن الله عوضني بوجود أبي , بينما الكثير من رفاقي الذين أعرفهم يعيشون في دار الأيتام لا أب ولا أم , ولا حتى أخوة”.
واختار سامر العمل في مهنة النجارة “لمساعدة والده الذي يعمل منذ الصباح وحتى المساء في إنشاءات البناء” معتبراً أن هذا العمل “فخر له ولوالده وحالة لطبيعية لطفل في عمره رغم أنه بتعلمه مبادئ النجارة اضطر لترك مقاعد الدراسة وتخلف عن متابعة التحصيل الدراسي” أسوة ببقية أقاربه وأصدقائه ممن في نفس عمره الذين التحقوا بمراكز التعليم السوري المؤقتة يتعلمون القراءة والكتابة والحساب.
وعن الصعوبات التي واجهت سامر في بداية عمله أكد أنه ” عانى بداية الأمر من مشكلة اللغة حيث اعتمد على لغة الإشارة في التعامل مع رب العمل ما جعل عمله مقتصراً على قضاء الحاجيات البسيطة التي تحتاجها الورشة, إلى أن تأقلم مع زملائه في الورشة وجميعهم أكبر منه سناً”.
وقال سامر :”أصبحت أتقن بعض الأشغال المتعلقة بالنجارة قياساً على عمري وصرت مساعداً مهماً كما يصفني المسؤول عن الورشة” معرباً عن أمله بأن يسود “الأمن والأمان وتعود الحياة لطبيعتها في بلده سوريا” , وأن يتعلم المهنة جيداً “ليكون نجاراً محترفاً يساهم في إعادة وترميم بيته الذي أفسدته براميل وصواريخ الأسد” على حد تعبيره.
بينما يحاول توفيق الخالد “13 عاماً” التكيف مع الظروف الجديدة لأسرته الفقيرة المؤلفة من أم وثلاثة إخوة هو أكبرهم إضافة إلى أب مقعد بفعل قنابل النظام السوري على قريته النائية في جبل الزاوية بريف إدلب ملقياً اللوم على والديه لعدم متابعة دراسته الابتدائية في مركز التعليم السوري المؤقت في اسكندرون.
ويوضح الخالد في حديثه لـ مرآة سوريا أنه مع بداية لجوئه إلى الأراضي التركية افتتحت مدارس ابتدائية لتعليم المنهاج السوري إلا أن والده أصر على عدم تسجيله فيها بحجة أن تلك المدارس غير معترف عليها في تركيا ولكي يساعد أمه في تأمين متطلبات واحتياجات المنزل متأملاً بالعودة إلى سوريا والالتحاق بمدارسها بعد فترة غير طويلة كما كان يردد دائماً وتوافقه الرأي أمه غير الراضية عن إقامتهم في تركيا لعدة أسباب أبرزها حاجز اللغة والتعليم وفقاً لما قاله توفيق.
يخرج توفيق من منزله في السابعة من صباح كل يوم إلى مغسل للسيارات في المدينة حيث يقوم بأعمال الغسيل ورش السيارات بالماء والمنظفات ومسحها وتنشيفها وكذلك يساعد الأوسطة في أعمال تشحيم وتزييت السيارات حتى السابعة مساء لقاء أجر أسبوعي 125 ليرة تركية لا تسد أجور المنزل وفواتير الكهرباء والمياه ما دفع والدته للعمل في الطبخ والجلي والتنظيف بأحد المطاعم الكبيرة من أجل الحصول على المال الذي يساعدهم على العيش ويبعدهم عن العوز والحاجة إلى الناس.
ويظل حال الطفل توفيق على الرغم من إعاقة والده ورعايته لشؤون البيت بالتعاون مع والدته أفضل من حال الطفل مصطفى محمد علي 12 عاماً، الذي حرمته الغربة من ممارسة طفولته كباقي الأطفال وأرغمته ظروف اللجوء والمعيشة الصعبة على رفقة والده إلى إحدى الكافيتيريات في مدينة أنطاكيا حيث يعمل الأب في التنظيف وتوضيب الطاولات والكراسي مقابل أجر أسبوعي قيمته 150 ليرة تركية بينما مصطفى يقدم الطلبات “شاي-قهوة-نسكافه-عصائر” إلى الزبائن ويمسح الطاولات من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساء مقابل 100 ليرة تركية أسبوعياً أي أن دخلهما الشهري يبلغ 1000 ليرة تركية.
ولدى معرفته بأننا نعد تقريراً صحفياً عن الظروف القاسية التي أجبرت الأطفال السوريين على العمل في تركيا رفض والد مصطفى الحديث معنا في موضوع عمل ابنه وطلب منه تقديم كأس من الشاي ضيافة لنا وانصرف الأب إلى أعماله فانتهزنا الفرصة لدقائق معدودة مع مصطفى الذي عبر عن حزنه لعدم إكمال دراسته قائلاً:”كنت من المتفوقين في سوريا , كان أبي يعمل ويقدم لنا كل شيء , كل شيء كان متوفراً في منزلنا , هنا لا أسمع إلا غلاء المصروف وفواتير الكهرباء والمياه وأجرة المنزل , أبي دائماً يقول: لسنا في سوريا , اليوم فهمت مقصده , سوريا تختلف عن تركيا , المعيشة في سوريا أفضل , هكذا يقول أبي”.
وأضاف مصطفى في حديثه الخاطف لـ مرآة سوريا :”الدوام في المدرسة لا يقل عن أربع ساعات يومياً , لا أستطيع التوفيق بين المدرسة والعمل , مساعدة والدي في مصروف المنزل تأخذ كامل يومي” قال هذه الكلمات وحمل كأس الشاي الفارغ ثم فر هارباً كي لا يلمحه والده وصاحب الكافيتيريا يتحدث إلى الصحافة.
أما تجربة علا قدور “14 عاماً” مختلفة تماماً فهي تمارس هوايتها المحببة في تعلم مهنة الخياطة في أحد مراكز التدريب بمدينة اسطنبول أيام العطل وفي أوقات فراغها بعد أن تنهي واجباتها المدرسية.
والتحقت بتلك الدورة حباً بتعلم الخياطة كونها ضرورية في حياتها لكن اهتمامها أيضاً بدراستها أكثر أهمية ما يجعل ممارسة مهنة الخياطة مقتصراً على أيام محددة كما قالت علا.
وتعلق بشرى جاسم “11 عاماً” الشديد بالمدرسة دفعها إلى توزيع وقتها بما يتوافق مع الدراسة وأوقات خروجها مع والدتها إلى الأسواق الشعبية في مدينة أورفا جنوبي شرق تركيا حيث تسكنان مع جدتها الطاعنة في السن في بيت ريفي قديم في إحدى ضواحي المدينة وتقول:”مهما ازدادت الظروف سوءاً لا أتخيل نفسي بدون مدرسة , حاولت أمي أن تبعدني عن المدرسة بحجة المصروف الكبير الذي تضطر لتأمينه شهرياً , ما دفعني لمساعدتها في بيع الجوارب والإكسسوارات النسائية أيام الأحد والثلاثاء الجمعة في البازارات المقامة في تلك الأيام” .
وتضيف بشرى جاسم قائلة:”أركز في باقي الأيام على بذل جهد أكبر في دراستي وتعويض ما فاتني من دروس بسبب العمل في الأسواق , وقد استطعت التوفيق بين الدراسة والعمل , وهذا فخر لي ولوالدتي التي تلبي جميع احتياجاتنا”.
وتأسف بشرى في حديثها لـ مرآة سوريا لأحوال الأطفال السوريين الذين “يبيعون المحارم والسكاكر في الشوارع وأمام المدارس ويتخلفون عن المدارس نتيجة الأوضاع المأساوية التي يعيشها آباؤهم وأمهاتهم”.
وتعتقد بشرى بأن الكثير من الأطفال السوريين لا يتابعون تحصيلهم الدراسي في تركيا باعتبارهم يعملون لساعات طويلة ولا يتاح لهم التوفيق بين العمل والدراسة.
ويرى القائمون على دورات مهنية وتدريبية للأطفال أن الهدف الأساسي منها تشجيعهم على التعلم وحب العمل وتعويدهم على الكثير من السلوكيات الصحيحة التي تقوم شخصيتهم إضافة إلى اكتسابهم الالتزام وقوة التحمل والصبر على التحديات التي تواجههم في بلد اللجوء.

ويرجع رئيس جمعية النهضة العلمية المهتمة بشؤون اللاجئين السوريين عامر النمر سبب عمالة الأطفال إلى “المؤسسات الرسمية والأهلية والطبقة السورية المثقفة ومنظمات المجتمع المدني التي كان من المفترض توظيف جل اهتمامها على قضية عمالة الأطفال في ظل ظروف الحرب الراهنة”.
وقال النمر في حديثه لـ مرآة سوريا:”إن تلك المنظمات لم تقم بدورها المجتمعي وواجبها المفترض كمنظمة مجتمعية هادفة لخدمة الأطفال السوريين ونشر التوعية اللازمة في قضية تشغيلهم واستغلالهم في سوق العمل إلا ما ندر” محملاً تلك المنظمات وهيئات المجتمع المدني “الجزء الأكبر في مسألة ترك الكثير من الأطفال السوريين عرضة للاستغلال والتخلف عن المدارس أسوة ببقية زملائهم”.
واعتبر النمر أن “العامل الأساس هو غياب الوعي المجتمعي لدى السوريين بسبب ندرة مؤسسات المجتمع المدني في سوريا قبل الثورة وهذا ما أثر سلباً على تأسيس الكثير من الجمعيات بعد 2011 التي لم تنتج ما هو مطلوب منها مصحوباً بانعدام الخبرة الكافية للقائمين عليها”.
ورأى رئيس جمعية النهضة العلمية السورية أن تلك الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني “أصبحت أغلبها عبارة عن مكان يعمل به موظفون يتقاضون مرتباتهم الشهرية ومكاناً لجمع التبرعات مع تركيزها على الجانب الإغاثي” مبيناً أن “هنالك ما يقارب 700 جمعية أنشاها سوريون في تركيا أغلبها إغاثية وأقلها الجمعيات الحقوقية والتعليمية والتثقيفية”.
ودعا رئيس جمعية النهضة العلمية إلى “العمل على مساعدة وزارة التربية التركية لتقييد الأطفال السوريين في المدارس لأنهم أبناؤنا وعلينا الاهتمام بتعليمهم وتوعيتهم”.
أما ومن وجهة نظر المرشدة الاجتماعية عبير رحمي فإن “السبب الرئيسي في تفشي تلك الظاهرة يكمن في قانون الحماية المؤقتة الذي يخضع له جميع السوريين على الأراضي التركية والذي منح السوريين الحق في البقاء على أراضيها إلا أنه لم يسمح لهم بالحصول على حقوقهم كلاجئين بل كل ما يقدم لهم على أساس لاجئين ضيوف ويعاملون بهذه الصفة”.
ويعتمد السوريون في تأمين مستلزمات معيشتهم على عملهم الخاص وبجهودهم الشخصية واستثماراتهم الصغيرة ويواجهون التحديات الكبيرة في سبيل المعيشة والبقاء على الأراضي التركية في أمن وأمان رغم تحملهم الكبير لصعوبات اللغة والاندماج مع المجتمع التركي الرافض بالأصل اندماجهم بحسب ما أوضحت رحمي.
وتعتبر القوانين المحلية للدول ملزمة بقرارات منظمة اليونسكو التي حددت سن العمل لبعض أعمال القاصرين بـ 14 سنة ومنعت العمل الليلي للقاصرين على الإطلاق.
ويعد عمل الأطفال تحت السن القانوني مخالف للقانون في جميع أنحاء العالم كما هو الحال في تركيا ويعاقب على تشغيل الأطفال كل من ولي أمر الطفل وصاحب العمل بعقوبة السجن ويغرّم صاحب العمل إلا أن فئة الأطفال أصبحت مستهدفة من قبل أصحاب العمل وذوي النفوس الجشعة ورؤساء الورشات الزراعية والمهنية لقلة الأجور التي ترضى بها بسبب العوز وبعضهم يراها فرصة للابتعاد عن أجواء المدارس وملاحقة الأهل لهم بل إن فئة من الأهل تزج أولادها في تلك الورشات طمعاً بمورد مالي ولو كان زهيداً بسبب الظروف القاسية التي يعيشها السوريون في بلاد اللجوء.
يذكر أن العدد الإجمالي للاجئين في تركيا تجاوز 3.6 مليون ما يقابل 4,61% من عدد سكانها بينما وصلت أعداد السوريين اللاجئين إلى 6 ملايين 80% منهم يقيمون في دول مجاورة لسوريا حيث تستضيف تركيا 3,2 مليون سوري ما يشكل 52% من مجموع أعداد اللاجئين السوريين حول العالم بحسب آخر إحصائية لمركز البحوث المتعلقة بالهجرة والسياسة في جامعة “حجة تبة” الحكومية في أنقرة التي أشارت إلى أن أعداد الأطفال السوريين تحت سن الرابعة في تركيا أكثر من 400 ألف طفل في حين يوجد ولادة 220 ألف طفل سوري في تركيا على الأقل.