مقالات وآراء

عن بنية الدولة المصرية في سورة يوسف

بازار الكايي
أثارني منشور الباحث محمد إلهامي حول بنية الدولة المصرية التي وجدها في سورة يوسف، فقمتُ بمقارنة بين فرعون موسى وفرعون مصر الحالي، ثم أجّلت مقالي، بعد أن وجدت عناصر أخرى في قصة يوسف عليه السلام، غير وسامة السيسي وجاذبيته، التي شهد بها القاضي والمجرم، وتستحق الإشارة اليها.

ملخص لمنشور محمد إلهامي يُظهر جينات الدولة المصرية العريقة، وبنيتها الساخرة، وكم فيها من المضحكات، كما وجدها المتنبي أيضاً في أيامه، ولكنْ ضحكٌ كالبكاء، فيذكر أن أول ما يلفت النظر في سورة يوسف هو قِدَم نظام الدولة في مصر وعراقته، وقصة يوسف هي أقدم ما يُروى في القرآن عن الأحوال في مصر. الأمور معقدة ولها نظام وترتيب.. وإن كانت درجات هذا النظام عوجاء.

يقول إلهامي: إن المجتمعات البسيطة تتعامل بالقتل مباشرة، بالقطع، بالنفي.. هذه العقوبات لا تحتاج مجهوداً ولا وقتاً، ولا بناءً، ولا حراسة، ولا إشرافاً على إطعام أو سقي المساجين! الدولة التي تعاقب بالسجن دولة قوية، ومكان الحبس معروف للجميع، والجميع يعرف ويستسلم، أو يعرف ويعجز. 

السيسي بنى ثلاثة عشر سجناً جديداً بعد ذبح سيناء ورابعة، والكفتة… المصري حنّط الأموات، ويريد تحنيط الأحياء.

ويذكر المنشور وجود (نظام) قضائي شامخ من أيام زمان، وفكرة النظام لا علاقة لها بالعدل، أساس الملك في مصر هو النظام، والنظام هو القدرة على إدارة الأمر. فمثلاً، هناك فترة بين الاتهام والعقوبة.. فامرأة العزيز اتهمت يوسف، وثبت في دائرة ضيقة أنه بريء، لكن الخبر تسرب من القصر إلى نساء الأثرياء، فتهامسن به، هنا تعرضت سمعة الدولة للخطر، ففتحت قضية في هذا الموضوع! هناك فترة بين الاتهام وبين العقوبة، والتي نسميها حالياً الحبس الإداري، هي الفترة التي جاءت فيها امرأة العزيز بالنساء، وأخرجت عليهن يوسف.. وقالت بوضوح (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين).

يُفهم من هذه العبارة أنه حرّ ما زال في بيت سيده، وأن القضية في فترة التحقيق، ولم تصدر العقوبة بعد.. كما يفهم منها أنها تملك التدخل في نتيجة القضاء.

وهذا النظام القضائي يظهر كذلك في قصة يوسف مع صاحبيه في السجن، الطهارة ما تزال جريمة، كانت وما تزال جريمة في مصر.  هذا النظام القضائي مرهون برغبة الملوك الفردية، وليس بالمؤسسة.. فكما دخل يوسف السجن في تهمة ظالمة برغبة الكبار، خرج منها في لحظة برغبة الملك.  

ويذكر النظام الإداري الذي يظهر في العديد من المشاهد، منها أن أصحاب البضائع لا يسلّمون بضائعهم، ويستلمون المقابل لها بتبادل مباشر، لا، بل يسلمونها في مكان، ويستلمون مقابلها في مكان آخر، ويتسلمونها مغلقة، فإن الثقة متوفرة في هذه البضائع، والفترة بين التسليم والتسلم لا يعرفون فيها شيئاً، ولا يراقبون فيها شيئاً.

ذلك ما حدث مع إخوة يوسف، جاءوا ببضاعتهم فأخذت منهم، ثم أخذوا مقابلها مغلقة، ولم يكتشفوا أن بضاعتهم ردّتْ إليهم إلا حين عادوا إلى الشام. ظلت البضائع التي تسلموها مغلقة مأمونة محفوظة حتى فتحوها في بلادهم.. هناك ثقة بما قد خُتِم بختم الدولة.

كان يوسف يملك أن يقول لفتيانه (اجعلوا بضاعتهم في رحالهم)، فيضعها الفتيان دون أن يكون لأحدهم أن يكتشف هذا.

ويظهر كذلك في اقتراح يوسف لحل مشكلة المجاعة، فالدولة التي تستطيع الحفاظ على تخزين الحبوب والغلال، وعلى إبقاء بعضها إلى سبعة أعوام هي دولة ذات نظام عتيد.. وذلك في أزمنة قديمة ليست فيها القدرة الحالية التي تمتلكها الدول من أنظمة وأساليب المراقبة والمتابعة.

ويظهر في قوله (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم). إن مهمة إدارة الخزانة المصرية، مهمة كبرى تحتاج إلى كفاءة وموهبة وعلم (عليم)، فوق حاجتها إلى الأمانة (حفيظ). والدرس العملي الذي نستقيده من هذا، أن أي إصلاح (خصوصاً في مصر) لا يمكن أن يكون دون (السيطرة) على هذه (الدولة). هذه الدولة العريقة الموغلة في القدم، والتي صبغت حياة الناس فيها بحيث لم تعد في البلاد عصبيات يمكنها مواجهة السلطة، كما هو الحال في عموم البلاد الأخرى. انتهى كلام محمد إلهامي بعد تعليقات وحذوفات بسيطة.

يربط الفيلسوف الألماني فيتفوجل الطغيان بالأنهار، والطغيان المصري يختلف عن الطغيان المفاجئ في الشام، ويمكن تذكر. 

أن إخوة يوسف عبرانيون، لجؤوا إلى الحيلة للمكر بأبيهم وأخيهم، وكانوا بارعين في التمثيل “وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ”، وكانوا يستخدمون الأكسسوارات، والأدلة الجنائية “وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ” ولا نعرف هل كان دم طير أم كاتشاب؟ ويقول المفسرون إن يعقوب عليه السلام لاحظ أن القميص سالم من النهش، فسكت و”قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا”. 

وأن  نبيل عمرو وزير الخارجية المصري السابق، قال مرة، إن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة هي علاقة زواج طويل ومستمر وليست علاقة نزوة على الفراش ليوم واحد. ويظن كثيرون مثلي أنها تتنقل بين أكثر من فراش أحدهما عبري وليس له عقيدة يوسف عليه السلام ولا تقواه. 

وفي كل الأفلام التي يختلقها جهاز ماسبيرو لصنع القمصان والكاتشاب عن الإخوان، قصص مثل قصة القميص. ومن الغريب أن يوسف عليه السلام احتال على إخوته حيلة بيضاء، هي حيلة دسِّ صواع الملك في رحالهم، واتهمهم بالإرهاب، عفواً بالسرقة، واحدة بواحدة، {كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ}، وقال الفقهاء بجواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه من العظة والصلاح، واستخراج الحقوق.  

وقد احتال السيسي، الذي كان بارعاً في التمثيل والبكاء في كل الأوقات، في الصباح والعشاء، صاحب جملة” يا ريت كنت أنا” بحيلة عجيبة للإيقاع بالثورة عندما ابتدع استمارة تمرد، أو ابتدعوها له، فلا هو بالانتخاب، ولا هو بالاستفتاء، استمارات بالشارع، والحسّابة لا تحسب، وكان المرحوم أحمد فؤاد نجم قد انتخب 16 مرة.

وهناك ملاحظة قالها جمال حمدان، وتظهر في سورة يوسف، وهي: إن مصر كانت دوماً قادرة على تمصير الغرباء، كما فعلت في تاريخها، فمعظم الذين حكموها غرباء، ويقال: إنه لم يحكمها مصريون، حتى ظهر جمال عبد الناصر، وتلاه حسني مبارك والسادات، فقد حكمها البطالمة، وهم أغارقة، والهكسوس، والمماليك، والأيوبيون. أما السيسي، فثمة شائعات كثيره تزعم أنه عبري من قوم يوسف عليه السلام، وشتان طبعاً، سوى اشتراكهما في شطر الحسن، لكنه وإن كان قوياً بالدعم الخارجي والعسكر، فهو في الأمانة مثل الهرّ في الأفراح. شكله مصري، لكن سلوكه عبري. والعبرية ليست بالدم، وإنما بحب الرز وعبادته.

وكما باع السيارةُ يوسف بدراهم معدودة، فقد باع السيسي الجزيرتين وسيناء بدراهم معدودة، وهو فيها من الزاهدين. وقرأت دراسة مثيرة لوجدي غنيم، يدلل على عبرية السيسي ويبرهن عليها، من خلال لسانه، فهو يقول لربه حضرتك، سيادتك،  من فضلك … وهي عبارات توراتية.

القميص له أثر شفائي في قصة يوسف عليه السلام، وما تزال البدلة العسكرية تخلب لب المصريين، وكان ساسة مصر الكبار أمثال حمدين صباحي وأبو الفتوح، يخرجون على التلفزيون عند الحديث عن ترشح السيسي، فيقولون: يخلع البدلة العسكرية. يا سادة يا كرام، العسكرية ليست بدلة، إنها جزمة، والجزمة ليست في القدم، بل في الرأس، فالعسكري لا يصلح للحكم، ولا نعرف كم ستسمر السنوات العجاف في ظل السيسي الذي ينوي التمديد، والترشح لولاية جديدة. وكان السيسي قد وعد بستة أشهر، ثم بسنتين تصير فيها مصر قد الدنيا، فصارت قد جهنم الحمراء.

أما إيفاء الكيل في مصر السيسية، فنجده في صندوق تحيا مصر، تضع فيه 100 جنيه، ثم تعود بعد الفوائد ستين جنيهاً، بعد تعليم الجنيه السباحة، والرماية، ولا نعرف كم سيصير قدره ومقداره بعد تعليمه ركوب الخيل؟ وغني عن القول ذكر أسباب انقلاب العسكر، وقد يكون آخرها هو الحب الذي فاز به السيسي، وسارت بجمال السيسي الركبان، وقد أوتي شطر الحسن، أما مرسي ووزراؤه الخمسة، ومنهم باسم عودة، فقد كانوا أمناء، لكنهم طمعوا في الإمارة، أو أسرعوا في قطف الثمرة، كما يقول الشعراوي، وقد جاء في الحديث:

إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامةً يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة. قال الداودي: نعم المرضعة، أي في الدنيا، وبئست الفاطمة، أي بعد الموت، لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني، فيكون في ذلك هلاكه.

ويمكن أن نتذكر البشير في قصة يوسف، “فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ” ، فقد جاءنا البشير هذه المرة مع الانقلاب من الإمارات ببشرة خير، فلم نرَ من الخير شيئاً مذكوراً.

كان الهامي جاداً، أما أنا، فقد تشابه عليّ البقر والحمير وأيضا.

عربي21
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *