السياق الزمني ومجموع الأحداث التي ترافق الأزمة الخليجية الحالية تساهم بشكل كبير في فهم طبيعة هذا الحدث الأهم في تاريخ الخليج العربي. فليست قرصنة وكالة الأنباء القطرية وفرض الحصار على الدولة برا وبحرا وجوا وقطع العلاقات الدبلوماسية معها إلا المشهد الأخير من تسلل سياقي يمتد إلى حدود منتصف التسعينات ووصول أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى السلطة وانطلاق قناة الجزيرة الاخبارية.

مثلت السياسة القطرية وخاصة منها السياسة الخارجية خروجا صريحا عن النسق المألوف في السياسة الخارجية الخليجية خاصة والذي يتميز بمبدأ الانكفاء نحو الداخل مستفيدا منذ نشأة الدولة الاقليمية في منتصف القرن الماضي من وفرة الموارد الطبيعية وخاصة منها النفطية. من جهة أخرى حاولت قطر جاهدة الموازنة بين  موقفين  يقعان على طرفي نقيض: المحافظة على جرأة الخطاب السياسي ومناقضة الخطاب الاستبدادي العربي من ناحية والحرص على العلاقات العربية الرسمية مع نفس النظام الاستبدادي التي تناقض خطابه. 

ويمكن أجمال أهم الأحداث التي تشكل السياق العربي لحصار قطر ولأزمة الخليج العربي في ثلاثة مستويات أساسية نفصل بينها هنا لأسباب منهجية فقط وهي انحسار الموجة الأولى للثورات العربية ثم انتصار الانقلابات وفوز الثورات المضادة وأخيرا انكفاء الحريات الفردية والجماعية. 

أما انحسار الموجة الأولى للثورات العربية فيتجلى أساسا في فشل النخب السياسية العربية وعجزها عن استيعاب شروط اللحظة التاريخية الفارقة التي وفرتها ثورات الشعوب خارج نسق شعارات الأحزاب السياسية بمختلف مدارسها. حيث لم تنجح المدارس اليسارية والقومية واللبرالية رغم وحدة مصيرها أمام النظام الاستبدادي العربي في تجاوز الخلافات البينية والفوراق الايديولوجية من أجل تفكيك منظومة الاستبداد وبناء واقع سياسي جديد مؤسس على الحرية بشكل يسمح لها بالتعايش وفرض واقع التنوع. 

إن فشل تجربة الاخوان المسلمين في مصر وعدم قدرتهم على السيطرة على الدولة وأجهزتها وفهم التوازنات التي تحكم آلة الحكم في مصر وفي الجوار الاقليمي المباشر يمثل شاهدا على أن الممارسة السياسية لأحزاب المعارضة العربية لم تتمكن من بلوغ النضج الذي يسمح لها بالقطع مع بنية الإستبداد وممارساته. 

فبقطع النظر عن القراءات التي تصرّ على أن التجربة المصرية قد أجهضت خارجيا فإنه لا يمكن إنكار الفشل الذي مني به الأداء السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وذلك على ثلاثة مستويات أساسية: أولا غياب القدرة على تجميع الأطياف السياسية الأخرى وثانيا إغفال القدرة الهائلة للدولة العسكرية داخل أجهزة الدولة نفسها وأخيرا الفشل الكبير في تحييد الفواعل الخارجية عربية ودوليا. 

أمام هذا الفشل الذريع للقوى المحسوبة على الثورات العربية حققت قوى الثورة المضادة نجاحات كبيرة تمثلت في قدرتها السريعة على استعادة المجال الذي كانت تغطيه قبل الثورة وإن بمظهر مخالف. وليس الانقلاب العسكري باعتباره الوجه الأكثر جلاء لفعل الثورة المضادة إلا أحد عناوين هذا النجاح.

فالمشهد المصري اليوم هو المشهد الأكثر تعبيرا عن قدرة الدولة العميقة في منظومة الاستبداد على امتصاص الانفجار الثوري الكبير الذي دشنته الساحات التونسية. 

أما سوريا فهي الأخرى شاهد حي على توحش الدولة الاستبدادية وقدرتها على إنهاء الدولة والشعب في حال تحركت الشروط القادرة على ضرب منظومة الاستبداد ممثلة في النظام السياسي القائم. 

وفي ليبيا تحولت الدولة إلى صراع مرير بين الثورة المضادة ممثلة في عودة المنوال العسكري على طريقة القذافي ممولا بشكل شبه كامل من طرف الدول الخليجية الداعمة للانقلابات وبين القوى الثورية المنهكة من سنوات المواجهة المسلحة مع فلول النظام القديم وأذرعه الإرهابية. 

أما المستوى الثالث الذي يتجلى في عودة التضيق على الممارسات السياسية وعلى حرية التعبير والحركة فقد تجلى ظاهرا في مستويات كثيرة أهمها.  مظاهر السلوك الاستبدادي العربي من ملاحقات أمنية واعتقالات عشوائية وانتشار التعذيب وعودة الأساليب القمعية القديمة التي فجرت الموجة الثورية الأولى. يتجلى ذلك أيضا في التضييق على الإعلام وخاصة على الرأي الآخر وليس التضييق على قناة الجزيرة ومحاربة صحفييها وصولا إلى المطالبة بإغلاقها جملة وتفصيلا إلا العنوان الأبرز لهذا الخنق والحصار.

إن عنوان الوضع العربي اليوم هو محاولة العودة قسريا إلى مرحلة ما قبل الربيع بكل الخصائص التي تحملها هذه المرحلة بما فيها شروط الانفجار نفسها.

إذن ليس حصار قطر في  النهاية إلا الحلقة الأخيرة في المشروع العربي الذي يحاول تجديد جلده الاستبدادي من أجل الاستمرار في السلطة ولو تطلب ذلك التطبيع العلني مع ألد أعداء الشعوب ممثلا في الكيان الصهيوني نفسه. 

عربي21