ألم يبقَ بعد ست سنوات من الثورة ضد نظام الأسد في ميدان الثورة سوى أسامة أبو زيد ليقدم نفسه كمستشار قانوني للجيش الحر؟، ومن خلال صفته تلك يقوم بالمشاركة في مفاوضات بين تركيا وروسيا حول اتفاق لوقف إطلاق النار ومن ثم التوقيع عليه ممثلاً لفصائل المعارضة المسلحة.

كعادتنا في المسائل الحساسة نقوم بتحويل مسار النقاش والنقد نحو الشخصنة، فبدلاً من دراسة الاتفاق وإبداء ملاحظات حوله وملابسات إنجازه وتوقيعه وكشف الأخطاء التي رافقت عملية التفاوض برمتها ولماذا وكيف حصلنا على هذه النتائج الكارثية من الاتفاق، بدأت الأقلام تتجه صوب شخصية أبو زيد نفسه والبحث عن سيرته الذاتية، فالبعض من باب الدفاع عنه يورد له سيرة ذاتية ثورية نضالية مهنية ناصعة بينما أخرون تناولوه بشكل مغاير تماماً و بدؤوا كيل الاتهامات المختلفة له والمتعلقة بأصله وفصله وحقيقة عمله الثوري وصولاً لوضعه في خانة العمالة للنظام لدى البعض.


من حق الجميع الاطلاع ومعرفة سيرة حياة أبو زيد وهو الذي يفاوض باسمهم في أدق مراحل الثورة السورية، وليس من المعقول أن يقوم بذلك شخص مجهول للبعض بينما يقوم آخرون بالبحث عنه في غوغل لإثبات حسن سيرته وسلوكه وشهادته العلمية وخبرته.


في الموضوع الشخصي المتعلق بأبو زيد من المهم التحدث عن دراسته العلمية وخبرته العملية، وهي في أحسن الأحوال لا تتعدى دراسته للحقوق في جامعة دمشق، سواء في التعليم العادي أو المفتوح وسواء تخرج أو درس عامين فقط، فمجرد دراسة الحقوق لا تعطي صاحبها أي قيمة مضافة تجعله مستشاراً قانونياً للجيش الحر.


كما أن ما قيل عن إتباع أبو زيد لدورة تدريبية في القانون الدولي لدى منظمة اسمها جنيفا كول ومن ثم قيامه بتدريب مقاتلي الجيش الحر على القانون الدولي الإنساني وتعريفهم بقوانين الحرب وحماية المدنيين، كل ذلك لا يشفع له بشيء، فمثل تلك الدورات ليست في علم التفاوض ولا أصوله وهي بروتوكولية أكثر منها عملية وتقوم بها بعض المنظمات لأهداف وأجندات سياسية لتطبيع المقاتلين وتحويلهم نحو العمل المدني لا العسكري. 


كانت بعض وسائل الإعلام تقدم أبو زيد مستشاراً قانونياً للجيش الحر وكان ذلك يفرض تساؤلات ملحة بدون إجابات شافية، هل هناك كيان حقيقي أو هل بقي شيء بالفعل يمكن إطلاق اسم الجيش الحر عليه؟ ولو افترضنا وجود هذا الكيان فما هي بنيته الإدارية والهيكلية؟ ومن يرأسه ؟ ومن ثم من قام بتعيين أبو زيد ناطقاً باسمه ومستشاراً قانونياً له؟.


ستفشل محاولات البحث عن إجابات للتساؤلات السابقة، وتظهر نتائج صادمة بادعاء أبو زيد تمثيلاً وموقعاً لم يقم أحد بوضعه فيه ويجب البحث عمن يقف وراء تعويم شخصية أبو زيد وإظهارها لاستخدامها في الوقت المناسب، وبكل الأحوال فإن انتحال أبو زيد لصفة كاذبة يجعله موضع الشك ويعرضه للمساءلة والمحاكمة أمام المحاكم الثورية.


بالعودة لنقاش مضمون اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان أبو زيد مفاوضاً وموقعاً عليه نطرح التساؤلات التالية :


1- من هي الفصائل المشمولة بالاتفاق؟ 

  أعلن أبو زيد والأتراك أن الاتفاق يشمل كل الفصائل على الأرض ما عدا النصرة وداعش أو بالأحرى الفصائل التي وضعها مجلس الأمن على قائمة الإرهاب، وأعلنت روسيا عن تسلمها وثائق وخرائط تفصيلية من الجانب التركي تظهر فيها اماكن تواجد الفصائل بدقة تامة، ورغم ذلك فإن النظام وميليشياته بقي يملك الحق في تصنيف الفصائل خارج نطاق ما تم الإعلان عنه،

ويشكل خرقه للهدنة في وادي بردى تحدياً خطيراً للاتفاق ومع ذلك لم تظهر أية آليات للتصدي لهذا الخرق ومنع تكراره في مناطق أخرى. 


2- ما هي المناطق التي يطبق فيها الاتفاق:

 يفترض أن يشمل الاتفاق كما تم الإعلان جميع الأراضي السورية ما عدا مناطق وجود مقاتلي تنظيمات النصرة وداعش، لكن فصائل الجنوب أعلنت عدم علمها بالاتفاق أو توقيعها عليه، وكذلك أعلنت قوات سورية الديمقراطية، وتلك القوات تحتل مساحات واسعة من الأراضي ومع ذلك فإنها ستكون بمنأى عن خرق وقف إطلاق النار في الجنوب بضمانة غرفة الموك وفي الشمال بضمانة أمريكية، ويبدو أن الاتفاق تم وضعه من أجل حلب فقط بعد سقوطها لأن الهدف التالي للنظام هو إدلب التي كان قد حشر جميع المقاتلين المهجرين قسرياً من مدنهم فيها.


3- لماذا ظهرت نسختان مختلفتان من الاتفاق؟

وأين هي النسخة التي تم التفاوض والاتفاق عليها؟ وهل من المعقول أن تغيب أبسط قواعد التفاوض عن ذهن المستشار العظيم وهي تبادل وثائق التوقيع على الاتفاق؟ وفي حال عدم تبادل الوثائق يمكن القول بعدم وجود اتفاق بل تفاهمات بين تركيا وروسيا تم حشر أبو زيد فيها كشاهد زور لا أكثر.


4- أين هي الضمانات لمنع خرق وقف إطلاق النار؟

 وما هي العقوبات في حال حصل ذلك؟ وفي حال عدم وجود مثل تلك الضمانات والعقوبات فأي قيمة يمكن أن يحملها مثل هكذا اتفاق؟


5- لماذا تم وضع إطلاق عملية التفاوض السياسي في الأستانة بين المعارضة والنظام ضمن شروط وقف إطلاق النار؟

ومعروف أن هدف الأستانة هو نزع المرجعيات الدولية التي تنص على عملية انتقال سياسي تنتهي برحيل النظام ولذلك يتم الدعوة للأستانة بمرجعيات جديدة وضعها الروس والأتراك تنص على البدء بعملية تفاوضية جديدة دون أي شروط ومرجعيات مسبقة وفي هذا مقتلة عظيمة للثورة السورية وهو ما ظل يحلم به النظام دون أن يحصل عليه ويأتي اتفاق وقف إطلاق النار ليقدم ذلك له كهدية مجانية.


6- لماذا لم يتم ذكر مقاتلي الفصائل الطائفية الشيعية أو التحدث عن مصيرهم والمطالبة بإخراجهم من البلاد أو تصنيفهم كجماعات إرهابية أو خارجة عن القانون؟

 يبدو أنه تم تجنب ذلك لتمرير الاتفاق كيفما اتفق ولإبعاد أية عراقيل تؤخر انجازه، فالأتراك والروس مستعجلون لفعل ذلك قبل مجيء إدارة ترامب واستلامها للبيت الأبيض، ويظهر أن مستشار الجيش الحر كان ضحية أجندة الروس والأتراك ولم تكن الأجندة الوطنية الخالصة من يسيره.


من خلال النتائج الكارثية المخفية أو الظاهرة لاتفاق وقف إطلاق النار، من حق الجميع ربما هذه المرة على الأقل أن يبحثوا عن سيرة حياة أبو زيد وتاريخه الشخصي، فما جرى باسمه وعلى يديه هو أخطر وأشنع فعل تم القيام به ضد الثورة السورية منذ انطلاقتها … ما قمت به لن يمر بسهولة…يا أبو زيد … يا معترماوي … الإدلبي…الداراني…يا معتر …. ويا ريتك يا أبو زيد ما غزيت!.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "مرآة سوريا"