شهدت الساحة الفكرية العربية الحديثة الكثير من السجالات والمعارك الفكرية الطاحنة، في نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين طغى بقوة نقاش مسألة الهوية والقومية العربية من خلال التيارات والجمعيات السياسية والفكرية والثقافية التي بدأت تدعو للانفصال عن الخلافة العثمانية وطرحت مشروع قومي عربي في مواجهتها، ومنذ منتصف القرن أثيرت بقوة مسألة التأصيل والتوثيق التاريخي للتراث العربي القديم ومن خلال كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي الذي أثار موجة عاصفة من الردود والانتقادات والكثير من الكتب للرد عليه حيث انتشرت المخاوف من امتداد الموجة نحو التشكيك بالقرآن الكريم والسنة النبوية وطرق النقل والرواية والحفظ لهما، مع الهدوء والاستقرار النسبي الذي بدأت تعيشه البلاد العربية والإسلامية بدأت تظهر قراءات حديثة للتاريخ الإسلامي والدعوة تنقيته من الشوائب بهدف إعادة إحياء ماضي الأمة المجيد وبات ذلك يعرف بالصحوة الإسلامية في مقابل دعوات حكومية لإعادة كتابة التاريخ بما يتوافق مع توجهات ومصالح الإيديولوجيات الحاكمة، بدأت تبرز جماعات وحركات إسلامية تتبنى الإسلام السياسي وتعمل لإعادة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية كما تدعو لإعادة إحياء دولة الخلافة من جديد ومن أهمها حركة الإخوان المسلمين وتفرعاتها الكثيرة وحزب التحرير الإسلامي وبدأ تأثير تلك الحركات يظهر بشكل فاعل منذ منتصف القرن الماضي، وبدأت تنتشر تيارات الإسلام السياسي السلفي التي تدعو للعودة لعصر الإسلام الذهبي الأول أي عصر النبي الكريم والخلفاء الراشدين واعتبار ذلك هو الأساس والمرشد للعيش والتعايش مع العصر الحديث وهنا بدأ يظهر الإسلام الجهادي الذي يعمل لتحقيق أجندته بالقوة، وبطبيعة الحال حصل الصدام العنيف والمتوقع بين تلك الحركات والأنظمة الحاكمة مما دفع تلك الحركات للمواجهة بمزيد من التشدد أولا ومن ثم توجه بعضها نحو التطرف والإرهاب.


رغم أن الحركة الوهابية تقف في طليعة الإسلام السلفي، إلا أنها كانت متبناة ضمن مشروع دولة آل سعود للحكم وهو يستمد شرعيته من خلال التمسك بالسلفية الوهابية ودعم رموزها ومشايخها والحفاظ عليهم ما حول الوهابية في النهاية لمذهب فقهي متشدد بعد استنفاذ أغراضه السياسية، ولكن الوهابية أوجدت أرضية خصبة في المجتمع السعودي لتقبل حركات الإسلام السياسي والسلفي والجهادي منه على وجه الخصوص وهو ما سيقوم الغرب باستغلاله على الوجه الأكمل فيما بعد.


تسود الأوساط السياسية والثقافية نظرية تتهم الغرب بصناعة حركات الإسلام السياسي حتى المتطرفة والمتشددة منها، مع أن تلك الحركات تعتبر الغرب العدو الأول لها وهو المسؤول المباشر عن وصول الأمة لهذه الحال من خلال حقب الاستعمار والاستغلال للبلاد العربية والإسلامية، كما أن تلك الحركات تعادي قيم الغرب ومعتقداته حتى الديمقراطية منها لدى بعض الحركات.


لم يجد الغرب أفضل من حركات الإسلام الجهادي لمواجهة السوفييت في أفغانستان فعمد إلى دعم المجاهدين من مختلف الدول ومدهم بالأسلحة الحديثة ومن هنا نشأ تنظيم قاعدة الجهاد، ومع هزيمة السوفييت نشب العداء بين القاعدة والغرب وانتهى ذلك بالاحتلال الأمريكي لأفغانستان في 2001 ومن ثم احتلال العراق في 2003 بحجة أسلحة الدمار الشامل وملاحقة تنظيم القاعدة ولا يزال وضع البلدين كارثياً حتى هذه الأيام.


بسقوط الاتحاد السوفييتي ومن خلال مراكز الأبحاث الغربية وبحثها عن عدو جديد ظهر الإسلام السني في الواجهة ومنذ ذلك الوقت بدأت عمليات الضخ الإعلامي لتحقيق ذلك الهدف عبر عمليات الشيطنة والتشويه المتعمد وبكافة الوسائل المتاحة ومن بينها دفع منظمات إسلامية متطرفة متشددة للظهور تعطي مصداقية للغرب في معاداته للإسلام عبر قيامها بأعمال إرهابية تغطي على جرائم الغرب والحكام العرب ضد الشعوب العربية لا بل وتجعلهم أكثر تسامحاً أمامها.


من حركات الإسلام السياسي إلى السلفية الجهادية إلى القاعدة وصولا لتنظيم الدولة في نهاية المطاف فإنه قد تم إجهاض مشروع الصحوة الإسلامية لسنوات قادمة ومن خلاله تم تدمير المشاريع الوطنية والقومية العربية وباتت مشاريع التقسيم هي المطروحة والممكنة في الأفق وحتى السياسيين باتوا مقتنعين بها الأن بعد سنوات طويلة من تصريح كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق حولها والذي كان محل استغراب واستنكار شديد وقتها.


لا يمكن تبرئة الغرب عن تهمة التآمر ضد مصالح شعوبنا ومصائرها ولكن ذلك لا يعطينا صك براءة ويعفينا من تحمل المسؤولية، فنحن لم نستطع تقديم مشروع وطني أو قومي يستطيع الحياة، لايزال سؤال الهوية مطروحاً حتى الأن بدون إجابات شافية ولا يزال تاريخنا غامضاً يلقي بثقله علينا ولا نستطيع فهمه بالشكل الصحيح.


كانت الثورات العربية فرصة تاريخية نادرة لتخلص الشعوب من الأنظمة الحاكمة المستبدة والشروع بتقديم مشاريع وطنية تنموية حقيقية، لكن المشهد تعقد بعد بروز تنظيمات إسلامية متشددة ومتطرفة واستلامها دفة قيادة الحراك العسكري ضد النظام في سورية ما أعاد للنظام بعض مشروعيته المفقودة وجعل من الصعب على المدى المنظور على الأقل نجاح الثورات العربية.


يجعل البعض من إلغاء حركات الإسلام السياسي شرطاً أساسياً ولازماً ضمن أي مشروع وطني مستقبلي، بينما لا يقدمون مقابل ذلك أي مشروع يمكن أن يحظى بقبول ورضا كافة المكونات والحساسيات المجتمعية والقومية، أما حركات الإسلام السياسي نفسها فهي تحتاج لمراجعة شاملة كي تستطيع إعادة إنتاج مشروع مقبول وهي عندما سنحت لها الفرصة لم تنجح في الامتحان بل كانت السبب في الفشل، وفي ظل عدم اهتمام أو قدرة الأنظمة الحاكمة على تقديم أي مشروع وطني حقيقي، ومع سعي الغرب والشرق لتحقيق مصالحه ومطامعه في بلادنا وجعلها مركزاً لتصفية الحسابات دون اعتبار لما يصيبنا من كوارث، مع ذلك كله وفي ظل عدم وجود مشروع حقيقي يستطيع تلبية مطالب الشعوب العربية فإن الصورة تبدو قاتمة في هذه الأيام…بانتظار ولادة طبيعية والتخلص من تاريخ طويل حافل بالمرارة.