في حياتنا اليومية يميل بعض العامة في تفسير الظواهر و تناول الأفكار و الأحداث إلى التفسيرات السهلة الميسرة و التماس الإجابات المبسطة عن الأسئلة المعقدة، كما نجد هناك ميلاً و شغفاً واسعاً لديهم في تفنيد الدعاوى التي لا تتناسب مع رغباتهم بنسف مصدرها، نتيجة العجز عن تحليلها و نقدها نقداً علمياً، و بالعكس نجد هناك حماساً أعمى من البعض الآخر خلف الدعاوى التي تتوافق مع رغباتهم، و اندفاعاً في تقديس مصادرها، للعجز عن تقديم الحجج و البراهين التي تدعمها و تثبت قيمتها أو العجز عن الرد عن مخالفيها و منتقديها.

  و سبب هذا الشغف و الميل إلى تبسيط القضايا هو العجز الفكري و الفقر المعرفي الذي يحول دون تناول الحجة إيراد البراهين بشكل بحثي علمي منطقي.

  فالتوصيف و التفسير و التنبؤ يحتاج إلى التحليل و الدراسة و التأصيل للظاهرة، للوصول إلى الإجابات الدقيقة و الأكثر احتمالاً.

 وللإنسان ولع متأصل بمعرفة مصدر الحجة، وقلما يولي الناس ثقتهم بآراء جاءت من مصدر يمقتونه، بغض النظر عن المزايا الفعلية لهذه الآراء.

 يطلق على هذا الأسلوب في علم المغالطات بمغالطة المنشأ Genetic Fallacy و من الأمثلة المتداولة على هذه المغالطة، السعي الدؤوب لدى البعض لإثبات الأصول الفاسدة لعالم أو مفكر أو سياسي أو شخصية عامة لنسف أفكاره أو أفعاله أو أقواله أو إنتاجه العلمي أو المعرفي، و بالعكس يمكن أن يجهد البعض في إثبات نقاء سلالة أو عرق أو قبيلة أو أصول شخص لكي يثبتوا صواب فكره أو عمله أو قوله.

 و كأن فساد المصدر بالضرورة يعني فساد العمل أو القول أو الفكر، أو أن نقاء المصدر يعني نقاء الأثر و العمل. إن الثقة بمصدر الفكرة لا يعطيها حصانة عن النقد و البحث، و بالعكس فساد مصدرها لا يعني رفضها و نبذها و رميها بعيداً دون قبولها أو تمحيصها. 


“في النظريات العلمية لا يعنينا مصدر النظرية بل يعنينا منطق الاختبار، فهل يمكن أن نرفض النظرية النسبية لأن أينشتاين من أصول ألمانية أو أنه صاحب ديانة مختلفة؟!”

 و نسف المصدر أو تعزيزه لا يقتضي بالضرورة نسف الفكرة أو تعزيزها، كما نجد أن هناك ميلاً لدى البعض للتمسك بأضغاث الأمثلة التي تؤيد فرضياتهم و غض الطرف عن تلال الأمثلة التي تفندها، و لكن الخلاف الفكري لا يعني أن نرفض الفكرة لمجرد الخلاف مع أفكار صاحبها أو توجهاته أو معتقداته .

 يقول عادل مصطفى في كتابه المغالطات المنطقية : (المغالطة المنشئية ضرب من البخل الذهني فالبحث و التقصي لمعرفة التبرير المنطقي لاعتقاد ما قد يكون مرهقاً و يتطلب وقتاً سخياً، و نحن قلما نسخو بالطاقة الذهنية عندما تتوافر لدينا خيارات أقل كلفة. لذلك تجدنا نهتم بمصدر الاعتقاد و ليس بالدليل عليه.)

 و في النظريات العلمية لا يعنينا مصدر النظرية بل يعنينا منطق الاختبار، فهل يمكن أن نرفض النظرية النسبية لأن أينشتاين من أصول ألمانية أو أنه صاحب ديانة مختلفة؟! وهل ندافع عن الرأي الرافض لنظرية دوران الأرض، لمجرد أن شيخاً أو مفتياً أو شخصاً نحترمه تبناه؟!.

 و للخروج من هذه المغالطة يجب فصل المصدر عن الفكرة بحيث يتم دراسة الفكرة بشكل مستقل عن مصدرها و بالاستناد إلى الدليل الذي قامت عليه و البرهان الذي يدعمها:

  • إن قوة الفكرة لا تكمن في الأصل الذي ينميها و لكن في المنطق الذي يزكيها
  • و صواب الفكرة لا يحددها مصدرها الذي أتت منه بل الدليل الذي تستند إليه

و مؤخراً بات البعض يجد طريق الشهرة أو زيادة عدد المعجبين أو الانتشار عبر وسائل التواصل عن طريق مهاجمة المشاهير من المفكرين أو العلماء أو الشخصيات العامة، أو عن طريق التشكيك الفوضوي، بالمعتقدات و المسلمات و النظريات، الذي لا يقوم على تقديم الأدلة و البراهين المنطقية ، بل يكون أساسه مهاجمة الشخص و أصوله أو لونه أو معتقده أو شكله أو عائلته أو …الخ دون أن يتناول أو يفند أو يناقش فكره أو عمله أو إنتاجه أو أقواله لينبري البعض في الرد عليه و يقف مزهواً بأنه شخص استطاع أن يثير جدالاً و يحصد مزيداً من المشاركات و الإعجابات.

 يقول لك فلان ماسوني، و فلان من أصل (مجوسي، صفوي..)، فلان من جماعة كذا… هكذا هو حال الجاهل عندما يعجز عن مناقشة الفكرة نفسها، يلجأ لأن يشكك بشخص صاحب الفكرة .

  و كما القول المأثور ( العظماء يناقشون الأفكار، و العاديون يناقشون الأشياء، أما الصغار فيناقشون الأشخاص).

وعندما تكون معرفة هذا الإنسان متدنية، أو تكون حصيلته المعرفية ضحلة، يلجأ هنا لمناقشة شخصية صاحب الفكرة، يعجز عقله عن إيراد الأدلة الفكرية المحكمة، و يترك جهله يطلق الأحكام التي لا يستند إليها المنطق في تفنيد الحجج، و إيراد البراهين.

أحد هؤلاء يرهق نفسه و يجاهد بمنشورات متكررة ليفند أصل المفكر عبدالرحمن الكواكبي، و يعيد و يكرر بأن أصوله صفوية شيعية مجوسية….الخ.

 و لو أن لديه حصيلة معرفية دنيا أو قدرة على الطرح المنطقي، لما طرح الموضوع بهذه الطريقة، فهو ربما لا يعلم أن النقاش العلمي لا يتم بهذه الطريقة، و نفس هذا الشخص نجده يستخدم الفيس بوك و الكمبيوتر و الموبايل و المنتجات التقنية التي قامت كلها على معارف و علوم أصحابها من ديانات مختلفة أو ملحدين وغيرهم، فلماذا يبيح لنفسه أن يستخدم معارف هؤلاء، و يرفض أفكار الكواكبي و يحذر منه بسبب أصوله كما يدعي، تحت دعوى الغيرة على الدين و التحذير من أعداءه؟!.

  إن مهاجمة مفكر شهد له بعض معاصريه فضلاً عن مخالفيه و أقرانه بأنه صاحب مدرسة فريدة في عصره عن الاستبداد و تشخيص أسبابه و طرق الخلاص منه، لا يمكن أن نعزيه إلا لمستفيد من الاستبداد أو مأجور لدى مستبد أو أداة من أدواته، أو ربما يريد أن يخدع العامة بأن يجعل الاستبداد و الرضا به و الركون له أصلاً من أصول العقيدة، لتبريد أفعال المستبدين و فسادهم؟ و رغم أن لدى الكواكبي ما يؤخذ منه و ما يرد عليه، و أن ما جاء به الكواكبي ليس فوق النقد و البحث، إلا أن فكرة نسف كل ما جاء به بسبب أصوله هي فكرة مشوهة، لا تصدر إلا عن جهل.

  و يمكنك أن تستدل على جهل و فساد حجة أمثال هؤلاء بسهولة؛ فعدا عن وقوعهم في مغالطة المنشأ، ستجد أنهم من عامة الناس، ممن ليس لديهم مقالة محكمة، أو مؤلف مشهور، أو حتى بحث علمي رصين، و ربما قرأ كتاباً هنا أو مقالاً هناك و بات يحسب نفسه أنه قادر على تفنيد نظريات العلم و المعرفة، كما أنهم يميلون إلى تبني فكرة المؤامرة، و الاحتكام إلى الجهل، و التخلص من عبء البرهان و إلقائه على عاتق الخصم.

  سوف يرحل مثل هؤلاء، و لن يسمع أحد بهم يوماً، و لن ينالوا أكثر مما قدموه من قمامة الأفكار، و سوف يبقى مفكر مثل الكواكبي حياً في أذهان الناس يتناولون فكره بالبحث و النقد و التفنيد، بينما هؤلاء فحتى الحثالات لن يكتبوا عنهم يوماً أو يناقشوا ما كتبوه لأن جهلهم سوف يدفن معهم، دون أن يتركوا أي معرفة تستفيد منها الإنسانية، و هذا هو الفرق بين المفكر و الجاهل.

  الحشرة قد تلسع جواداً أصيلاً، و لكنها تبقى حشرة، و يبقى الجواد أصيلاً.

 

إياد بشير