تتعامل الإدارة السعودية الجديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل رئاسة دونالد ترامب، وكأنها تتعامل مع يمَن علي عبدالله صالح، حيث كانت تكفي استمالة الرئيس بمختلف الوسائل لكسب موقف البلد، ومؤسساته المختصرة بشخص الرئيس.

لقد ظنوا أن لقاء مع الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، ودردشة لمدة شرب فنجان نسكافيه، كافية لرسم مستقبل الشرق الأوسط، فنعلن الحرب على هؤلاء، ونعزل أولئك، ونغير الدول ورؤوسها، بما يتوافق مع الرؤية الثاقبة.. للأعراف السياسية في إدارة الأمم.

اتهمت السعودية ومَن معها قطر بإيواء منظمات الإرهاب، وعدت من بينها حركتَي حماس وطالبان اللتَين تعاطت معهما السعودية سابقا، فاضطر المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الجنرال ديفيد بترايوس للتنويه عبر الإعلام بأنه “يتعين على شركاء الولايات المتحدة أن يتذكروا أن استضافة قطر لوفود من حركة المقاومة الإسلامية وحركة طالبان الأفغانية كانت بطلب أمريكي”.

واتهمت السعودية ومن معها قطر بتمويل الإرهاب، وفهِمت من تصريحات ترامب أنه يجاريها في هذا الاتهام حتى آخر المشوار، لكن وما زال المشوار في بدايته، تأتي تصريحات الإدارة الأمريكية التي بات يعبر عنها وزير الخارجية ريكس تليرسون أكثر من رئيسه ترامب، ليس فقط لتنزّه قطر عن تهمة الإرهاب، بل لتعتبر الدوحةَ أول عاصمة تجاوبت مع مخرجات قمة الرياض لمكافحة الإرهاب ووقف تمويله.. 

ولتثبيت الموقف والتوجه الأمريكي وقع تيلرسون مع نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على مذكرة تفاهم أمريكية قطرية للتعاون في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، وتبادل الخبرات وتطوير هذه الآلية.

انبهرت دول الحصار بشخصية ترامب “الرائعة” في معاداة الإعلام الأمريكي، وتفننه في الإساءة له وللعاملين فيه، ففهِم القومُ أنه عصر إقفال الإعلام والعودة إلى حقبة “الدكتيلو”، أي توزيع المعلومة على المواطنين عبر وسائل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي من مكاتب المخابرات، التي تحترم الحكام ولا تقيم حرمة للشعوب. 

فوضعت دول الحصار إقفال قناة الجزيرة مطلبا أساسيا لها، فجاءها الرد عابرا للقارات، مستهجنا طلبا “سوفييتيا” بامتياز، في عصر التغريدة الحرة.

ركزت دول الحصار على بعض رجال الدين الذين تستضيفهم قطر، فطالبت بطردهم ومحاكمتهم بدعوى أنهم ينشرون الفكر المتطرف. 

فسُئل تيلرسون في الكونغرس الأمريكي عن ما وُصف بتصدير “السلفية الوهابية والإرهاب” من السعودية فأجاب: “لقد اتفقنا مع السعوديين على أن ينشروا كتبا دراسية جديدة تدرس في المدارس الموجودة في المساجد حول العالم، تحل محل الكتب الدراسية الموجودة اليوم هناك، التي تبرر للفكر الوهابي المتطرف الذي يبرر العنف، وطالبناهم ليس فقط بنشر الكتب المدرسية الجديدة، لكن بسحب الكتب القديمة حتى نستعيدها، بما في ذلك المعايير التي سنحاسِب عليها”.

أصيبت دول الحصار بالصدمة جراء ازدواجية الإشارات الأمريكية، وما لم يعترف به البعض نطق به الإعلام المصري الموالي للنظام، فشن حملة على واشنطن التي أوفدت وزير خارجيتها للاحتفال بتوقيع اتفاقية لمكافحة تمويل الإرهاب في “عاصمة الإرهاب” الدوحة، “فالأمريكيون لا يؤمن لهم جانب، هكذا كانوا وهكذا سيبقون..”.

يَصدق الإعلام المصري في عدم الثقة بالسياسة الأمريكية، لكن يَصدق أيضا من يعتبر أن النظام العربي المعمِّر ما يزال يثق بالسياسة الأمريكية ويتكل عليها، رغم عقود غدرها المفضوح بالملوك والروساء والأنظمة والتنظيمات. 

فهل يتوقف بعض القادة العرب عن اعتبار الإسهال الفموي لدونالد ترامب مواقف حازمة تحرك الجيوش العظمى للولايات المتحدة، التي لا تتحرك إلا في إطار عملية معقدة، ومخطط لها بدقة من شبكة المؤسسات، لا رغبات الرئاسات؟

عربي21