هناك توجه دولي يقضي بإبقاء رأس النظام السوري بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا، بذريعة عدم توفر البدائل القادرة على إدارة مؤسسات الدولة وضبط القوى المختلفة، مع الأخذ بالاعتبار أن كفته في ميدان القتال أصبحت أكثر رجحانا من كفة خصومه، وعليه، فإن الواقعية الساسية تستدعي القبول بهذا الخيار.

أكثر من ذلك، يذهب المروجون لهذا الخيار بأن بشار الأسد هو الضامن لأمن ومستقبل الأقليات في منطقة تموج بالصراعات الطائفية، وأن التحالفات التي أرساها في سوريا والإقليم ليست موجهة ضد الأكثرية السنية في سوريا، بل هي لحماية الأقليات في المنطقة وطمأنتها على مستقبلها، وعدا هذا وذاك، فإن بشار الأسد لا يهدّد الغرب ولا إسرائيل، وليست له طموحات خارج كرسي السلطة في دمشق.

لكن هذا التوجه، وما يحتويه من مزاعم، تفنده وقائع مضادة كثيرة، كما تقف  دونه عقبات موضوعية كثيرة: 

أولا: فيما يتعلق بالأبنية المؤسسية والهياكل الإدارية، التي يسعى المروجون إلى إثبات أن الأسد يمتاز عن الأخرين بحيازتها، فقد أثبتت الوقائع أن هذه المنظومة غارقة في الفساد إلى أبعد حدود وغير قادرة على إدارة البلاد، وما هو حاصل في المناطق التي تخضع لسلطة النظام أن الإدارات أصبحت مهمتها محصورة في منح المرتبات للعاملين فيها فقط، لإثبات ان هناك دولة ومؤسسات عاملة، ولضمان بقاء هذه الكتلة مؤيدة للنظام وضمان الاستفادة من صوتها في أي انتخابات قادمة.

أما على مستوى الفعالية والإنجاز والخدمات، فالسائد في هذه المناطق ” كل واحد يدبر حالو”، لا أحد يلحظ وجود الدولة ومؤسساتها إلا على حواجز النظام وفي حملات الاعتقال والاعتداء على المواطنين، أو من خلال الضرائب التي يتم فرضها على أصحاب الورش والمحلات، أو من خلال الأتاوات التي يفرضها شبيحة النظام وعسكره على المزارعين ومربي المواشي.

وهذه المواصفات كافية بحد ذاتها لإسقاط الشرعية على نظام الأسد، حتى لو لم تقم ثورة ضده ولم يرتكب كل ذلك الكم من الجرائم، ذلك ان العقد بين السلطة والمجتمع يتأسس على تقديم الخدمات والحماية للشعب مقابل الرضاء عن ممارسة الطرف الأخر السلطة، وأي إخلال بالبنود من جهة السلطة يستتبع فك العلاقة واستبدال الحاكم بأخر.

في المقابل، تشكّلت في المناطق المحرّرة على مدار السنوات الخمس السابقة تجارب إدارية حققت إنجازات مهمة، رغم انعدام الموارد وقلة الإمكانيات، في حلب ودرعا والغوطة الشرقية، ومئات الأحياء والقرى، كانت هناك إدارة تعمل بمنطق إدارة الأزمات والكوارث وفي ظل ظروف كارثية، أطقم طبية كاملة، ومثلها لتأمين الخدمات وتسيير الشؤون الاجتماعية وتقديم الخدمات الإعلامية، وجميع هذه الكوادر مدربة وخبيرة، كما أن السلطة وإن كانت بيد الفصائل العسكرية، إلا أن مجتمعا مدنيا حقيقيا راح يعمل إلى جانب سلطة الفصائل، وأصبح شريكا في القرار، دون أن ينفي ذلك حصول بعض الأخطاء.

ثانيا: فيما يتعلق بالسلطة والنظام، لا يخفى على أحد أن أجهزة سلطة الأسد، الأمنية والعسكرية، لا ترتبط بالنظام إلا لجهة كونها متورطة بالجريمة والفساد بدرجة كبيرة، وأغلبها أصبح يعمل بشكل قطاعي، وخاصة لجهة تحصيل التمويل والموارد، كما أن بعضها صار أقرب لصورة فرق المرتزقة التي تحركها المكاسب المادية، إذ على سبيل المثال فإن قوات صقور الصحراء التي يقودها العقيد محمد جابر تقوم بحماية المنشأت النفطية مقابل حصة تحصل عليها من النفط، كما أن المليشيات التي يقودها سهيل الحسن الملقب بـ”النمر” تعتمد على الخوّات التي تفرضها على مناطق سيطرتها وتجارة الممنوعات.

ولا شك أن هذه المنظومة لن تكون كفؤة لإدارة الدولة السورية في المرحلة الانتقالية، من الحرب إلى السلام، كما أنها مرشحة لدخول صراعات طاحنة بينها يؤجلها الآن إحساسها بوجود تهديد مشترك ضدها.

في المقابل، ليست الصورة على شاكلة ما يجري تصويره داخل المعارضتين السياسية والعسكرية، ذلك أن الثورات وحركات التحرر غالبا ما تكون عبارة عن اجتماع لتيارات وقوى متعدّدة، كما أن هذه الأطراف قابلة للهيكلة ضمن أطر محدّدة، وهو ما يبدو أن المعارضة مقبلة عليه في المرحلة القادمة.
وفيما خصّ حماية الأقليات، فالثورة لم تقم ضد الأقليات ولم تحصل تجاوزات بحقها من قبل الثوار، وقد رفضت الثورة تسمية الأحداث في سوريا بـ”الحرب الأهلية”، كما ان أي تسوية في سوريا ستنطوي على ضمانات وتؤسس لميثاق يضمن حقوق الجميع بالتساوي، وبالأصل هذا مطلب الثورة قبل ان يكون مطلبا لأحد.

أما عن كون أن الأسد لا يسبب أضرارا للخارج، فهذه ليست منّة، وهذا مبدأ تلتزم فيه جميع الأنظمة السياسية في العالم، ليس لأن أخلاقها تفرض عليها ذلك، بل لأن توازنات القوى ومصالحها تفرض حصول ذلك، إلا إذا كانت الأطراف الخارجية تعتقد أن داعش أو القاعدة هي من سيحكم سوريا.
هذا في الجوانب التقنية، التي تشكّل الذريعة الأساسية للأطراف التي تطالب ببقاء الأسد، أما على مستوى السياسة، فلن تستطيع كل نظريات الواقعية تجميل مجرم حرب ارتكب كل أنواع الجرائم ضد شعب البلد الذي يحكمه، واستأجر القتلة من الخارج، واستدعى قوى خارجية لتساهم في قتل الشعب السوري بعد أن رهن ثروات سوريا وباع أرضها؛ فقط ليبقى على كرسي الحكم.

ليس من الواقعية بمكان قبول شخصية “سياسية” اتهمت شعب البلد بالخيانة؛ لأنه اعترض على سياسات تتنافى مع القيم البشرية، فضلا عن الفساد والمحسوبية وتغوّل الأجهزة الأمنية، حتى لو أن الأسد استطاع البقاء على كرسي السلطة بمساعدة روسيا وإيران وأحزاب ومليشيات إرهابية خارجية، فهذا مبرّر غير كاف لبقائه في السلطة، ويستحيل تصوّر أن يقبل السوريون بهذا الأمر بعد أن مات الولد وتدمّرت البلد.

عربي21