مع إعلان وقف إطلاق النار، سارع الكثير من المعارضين والناشطين والمقاتلين والمدنيين للترحيب بشدة واعتبار الحدث مفصلياً على مسار الأحداث في سورية.
تم الإعداد لوقف إطلاق النار بجهود ورعاية روسية تركية مباشرة، وهو يعبر عن مدى تطور العلاقات بين البلدين بعدما وصلت لمرحلة العداء والقطيعة إثر قيام الدفاعات الجوية التركية بإسقاط طائرة روسية في المنطقة الحدودية مع سورية، ولا شك أن تطورات هائلة حدثت خلال فترة قصيرة أدت لتحول العلاقات بين البلدين باتجاه التطبيع أولاً ومن ثم باتجاه تعزيز التحالف والتعاون وصولاً لاتفاقات خاصة بينهما حول الملف السوري.

جاء التدخل العسكري الروسي قوياً وعنيفاً واستطاع بالفعل تحقيق نتائج حاسمة لصالح النظام وخاصة في معركة حلب الأخيرة مما جعل الروس هم أصحاب القرار الفعلي في البلاد وبات الأسد مجرد واجهة لتسيير الأمور لا أكثر، وفي الساحة الدولية باتت روسيا هي القوة الوحيدة التي تستطيع فرض شروطها على الساحة السورية. 

أتى التدخل التركي العسكري المباشر في سورية متأخراً جداً، وجاء بعد تدخل مباشر لإيران والميليشيات المتحالفة معها وبعد التدخل الروسي، ولم يكن دخول القوات التركية للمناطق السورية الحدودية ممكناً إلا بعد موافقة معلنة من الروس على ذلك ضمن اشتراطات خاصة تم وضعها لتقييد حركة القوات التركية وضبط إيقاعها.  

كان للانقلاب الفاشل في تركيا دور رئيسي في تغيير تحالفات تركيا واستراتيجيتها حيال الملف السوري، وكان للموقف الغربي السلبي وغير القوي في مساندة تركيا إبان الانقلاب دور رئيسي في اندفاعها نحو التعاون مع روسيا بشكل أوثق وصل لحالة من التنسيق الاستراتيجي، و كانت سياسات أوباما الحمقاء في سورية سبباً في استبعاد أمريكا عن لعب أي دور ومؤثر في الملف السوري بانتظار الإدارة الأمريكية الجديدة لمعرفة اتجاه التحالفات والتفاهمات القادمة. 


“باستقراء حالات مماثلة للحالة السورية كالعراق وأفغانستان ولبنان لا تبدو الأمور وكأنها تسير باتجاه سلس نحوو اتفاق وقف اطلاق للنار يكون البداية باتجاه حل سياسي، فلا يزال السوريون غائبون ومغيبون عن المشهد الميداني والسياسي”

لعبت روسيا على عامل الزمن واستعجلت حسم معركة حلب ومن ثم إعلان وقف إطلاق النار والتحضير للعملية السياسية وكل ذلك قبل استلام إدارة ترامب لمهامها بعد أقل من شهر، وبالتالي فإن تثبيت ما قامت به روسيا مرهون بموافقة إدارة ترامب وهو أمر غير معروف حتى الأن. 

يرتبط اتفاق وقف إطلاق النار بتحقيق مصالح قومية لروسيا وتركيا بالدرجة الأولى، ويفترض من خلال أن تكون روسيا قد حققت مصالح النظام وإيران من خلال الاتفاق ويظهر ذلك من خلال إعلانهما الموافقة على وقف إطلاق النار، كما أن تركيا يفترض أن تكون قد أخذت بالحسبان عدم التفريط بالثورة السورية وأهدافها وضمانها لاستمرار وقف إطلاق النار وقد وافقت فصائل الجيش الحر على وقف إطلاق النار بضمانة تركية خالصة. 

هناك مخاطر أساسية تهدد اتفاق وقف إطلاق النار واستمراره :
_ لم يلحظ الاتفاق كيف يمكن ضمان مصالح دول أخرى مؤثرة من خلال الملف السوري، فليست تركيا وروسيا هما كل من يتحكم بالملف وخاصة مع اقتراب تسلم الإدارة ألأمريكية الجديدة لمهامها. 

_ يمكن لتركيا أن تسيطر وتضغط على الكثير من الكتائب للالتزام بوقف إطلاق النار لكن هناك العديد من الكتائب التي لها أجندة ودعم خارج نطاق تركيا، كما أن هناك العديد من الكتائب غير مشمولة بالاتفاق وهذا يعني إمكانية العودة للعمل العسكري في ظل وجود ذرائع تسمح بذلك. 

_ ماذا ستحقق إيران من مصلحة من خلال الاتفاق ومن ثم الانطلاق نحو الحل السياسي فيما بعد ؟ وهل تستطيع إرجاع ميليشياتها من سورية ؟ وكيف ستكون نتائج ذلك على الساحة الداخلية في إيران. 

_ صحيح أن قوات النظام باتت ضعيفة ومنهكة ولكن وقف إطلاق النار الفعلي سيسمح بعودة الاحتجاجات السلمية بقوة ضد النظام من جديد في عودة للمربع الأول ومن ثم فإن الدخول في أي عملية تسوية سياسية سيكون ضد مصلحة النظام في نهاية المطاف، ومن مصلحة مراكز القوى في النظام تعطيل أي اتفاق يؤدي لتقويض نفوذها وتعرضها للمساءلة والمحاكمة فيما بعد. 

باستقراء حالات مماثلة للحالة السورية كالعراق وأفغانستان ولبنان لا تبدو الأمور وكأنها تسير باتجاه سلس نحو اتفاق وقف اطلاق للنار يكون البداية باتجاه حل سياسي، فلا يزال السوريون غائبون ومغيبون عن المشهد الميداني والسياسي، ومن السذاجة توقع أن الدول التي ساهمت في استمرار مقتلة وتهجير السوريين لسنوات هي نفسها من ستقوم بالرحمة بهم والسهر على مصالحهم، وللأسف هناك الكثيرون سارعوا لتصديق ذلك … ربما لرغبتهم في التعلق بقشة … أو لأسباب أخرى..

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “مرآة سوريا”