أخبار متفرقة

أحزان جيل ثورة يناير.. ماذا حدث لقصص الحب التي بدأت في ميدان التحرير؟ 

لم تكن هبة، التي جاءت من محافظة الدقهلية لتستقر مع شقيقتها، التي تعمل بإحدى المؤسسات السيادية، تعلم أنها على موعد مع حدثين سيُغيران حياتها ويقلبانها رأساً على عقب، الحب وثورة يناير.

كما في الأفلام تماماً، التقت هبة بتامر في أحداث مجلس الشورى، تلاقت عيونهما مع إلقاء قنابل الغاز المسيلة للدموع والخرطوش، هكذا ولدت قصة حبهما، كما ولدت قصص أخرى مشابهة، كُللت بالزواج، بعد حب نشأ على وقع طلقات الرصاص في أحداث كبيرة مرّ بها الوطن.

كُللت قصة حب هبة وتامر بالزواج، وخلال 8 سنوات هي عمر الثورة تغيرت مفاهيم كثيرة بالنسبة لهبة، كيف تغير الوطن وكيف تغيرت علاقتها به كعلاقتها بزوجها «حبيب الثورة» وشريك الميدان تماماً.

ما حدث ويحدث في قصص الحب والزواج بين شركاء الميدان هو صورة مصغرة عن الصورة الكبر التي مرت بها مصر وعاشتها الثورة، فالجميع يتساءل ماذا حدث في مصر خلال 8 سنوات هي عمر الثورة؟ أين ميدان التحرير الآن، هل تغيرت النظرة له، هل تغيرت صورته كمكان؟

نرى معكم في هذا التقرير ميدان التحرير والوطن والحب بمعانيه الشاملة بعيون من ثاروا وهتفوا وأحبوا وتزوجوا وما زالوا يحلمون في وطننا.. هي قصص يرويها أصحابها عن نظرتهم للواقع، وتحليل يحاول المقاربة عما يحدث في مصر الآن.

تجاوزنا الثورة

تعرفت هبة على زوجها في أحداث مجلس الشورى 2013، كانت هي تنتمي حينها للتيار الشعبي والحراك الثوري الدائر آنذاك، والرافض لحكم المجلس العسكري، كادت تقع في قبضة الأمن لولا تامر، الذي أنقذها وقام بتهريبها في أحد الشوارع الجانبية، حينها تبادلا أرقام الهواتف، ليلتقيا فيما بعد في كل الأحداث التالية.

وفي المظاهرات الداعية لإسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي، في 30 يونيو/حزيران 2013، وحتى زواجهما لم يكن ليفرقهما أي اختلاف فكري أو ثقافي، حتى تعصبها الشديد للنادي الأهلي، وتعصبه هو للزمالك، فكان الحب هو المفتاح لكل الأزمات، كما هي الحال في مصر وقت الثورة، لكن مع التغير في العلاقة، والتغير الذي طرأ على المجتمع أيضاً تغيرت الحال، فلم يعد هناك حديث عن المبادئ الثورية التي صاغت علاقتهما.

«إحنا تجاوزنا الثورة» يقولان لـ «عربي بوست»، ويواصلان: «الثورة لم تعد مرتبطة بجيلنا، ربما نكون تحولنا كهؤلاء الذين كنا نتندر عليهم يوماً ما ونسميهم «حزب الكنبة»، فعلنا ما علينا فعله، هناك جيل قادم ربما يستطيع هو التغيير، لا ثورة الآن، في 20 سبتمبر/أيلول، عندما كانت هناك دعوات للنزول إلى ميدان التحرير لم يستطع أي شخص الوصول إلى هناك، الأمر في غاية الصعوبة، نحن لا نريد لأي تغيير أن يحدث، مهما كانت سيئات هذا النظام أين البديل، نريد الاستقرار وفقط، نريد أن نربي أبناءنا، أُحبطنا بما سبق وما زال يحدث حتى الآن، نريد فقط سلاماً نفسياً واستقراراً مادياً».

الحشود في ميدان التحرير وفي الوسط خيام المبيت

ربما يمثل ما قاله تامر وهبة نوعاً من الإحباط الكبير الذي أصاب معظم شباب الثورة، جسّده انتهاء العديد من قصص الحب التي كانت وقت حدوثها من علامات نجاح الثورة، إلا أنها الآن حالة من الإحباط العام، التي جسدها مثلاً انتهاء العلاقة بين عمرو حمزاوي والفنانة بسمة، أو طلاق أحمد دومة ونورهان حفظي، أو حياة علاء عبدالفتاح المُشتتة كما وصفوها، والذي لم يلبث أن خرج من السجن حتى عاد إليه مرة أخرى، وما أثير عن انفصال غير مؤكد بينه وبين زوجته.

«الآن كل شيء أصبح صعباً، نحن بشر، لم يعد يعنينا ما يحدث، لدينا أبناء، لدينا مسؤوليات، لا نريد السجن، ربما مستقبلاً يستطيع أبناؤنا تغيير مستقبلهم الذي حاولنا تغييره وفشلنا».

الأمل لا يموت

لم تنس جهاد يوماً أن الثورة منحتها الحياة، وكانت الحياة بالنسبة لها هي طفلتها الأولى، التي سمّتها «أمل»، فبعد 5 سنوات من الزواج سئِمت الفنانة التشكيلية من اللهث وراء حلم الأمومة، وفي 2011 تحديداً ذهبت مع زوجها إلى الميدان أملاً في التغيير، الذي حملته رياح يناير، شاركا في كل الأحداث منذ اللحظة الأولى، لم تمنعهما أحداث 28 يناير المعروفة بموقعة الجمل من مغادرة الميدان ولو لمرة واحدة، في أحد الأيام أحست هي بهبوط شديد أرجعته للإرهاق الناتج عن ليالي السهر الطويلة، لكن كان الأمل الذي طالما انتظرته وزوجها، والذي جاء مصحوباً بأمل انتظرته مصر أيضاً بعد الإطاحة بنظام مبارك، أخبرتها الطبيبة الميدانية أنها حامل بمولودتها الأولى والوحيدة، لم تسعها الفرحة، لتبدأ الرحلة الأولى، وبعد 9 أشهر من الحمل جاءت ابنتها الأولى والوحيدة، وسمّتها أمل، لتظل أملاً يسري كلما أصابتها لحظات اليأس.

«الأمل موجود، ومادامت هناك أجيال نستطيع أن نغرس فيهم مبادئ وحب الثورة التي عشناها فلن تموت الثورة، ما زلنا نحلم في أبنائنا، ونتوسم فيهم الخير، ومادام الأمل موجوداً فلن تموت الثورة يوماً»، تقول لعربي بوست.

لا تعتقد جهاد أنه يمكن حدوث تغيير حقيقي الآن، في ظل الوضع الراهن، لكنها «تتمسك بالأمل الذي منحته لنا الثورة»، على حد تعبيرها.

راجعين.. حب في المظاهرة

توجهات سياسية لم تكن واضحة المعالم لدى الصحفية نادية مبروك، لكن كان خطها العريض هو القومية العربية، انضمت لحزب العمل المحسوب على التيار الإسلامي مشاركة في كل فعالياته، وإن كانت مقتنعة بالناصرية كفكر ترى فيه تحقيقاً لقضايا عربية شائكة كعروبة فلسطين مثلاً، ووسط إرهاصات كبيرة وتناقضات فكرية عاشتها سبقت الثورة منذ 2005 حتى ظهور حركتي كفاية و6 أبريل، كانت انطلاقتها السياسية وانضمامها فعلياً لحزب الكرامة المصري المعارض، وهناك التقت بوليد، المنتمي أيضاً للتيار الناصري، حينها كانت تبلغ من العمر 18 عاماً، فأعلن لها عن حبه في إحدى مظاهرات حركة كفاية، لكنها رفضت الارتباط قبل سقوط نظام مبارك، حينها اتّهمها البعض بالجنون «نظام إيه اللي هيمشي، كانت النغمة السائدة، ولم يكن أحد يستوعب ما يمكن أن يحدث يوماً»، قالت لنا.

في 6 أبريل/نيسان 2008، تم القبض عليها في إحدى المظاهرات، فيقوم هو بالدفاع عنها، ويتم القبض عليه أيضاً، ويوضعا معاً في «كلبش» واحد، «زمايلنا قالوا دي الكوشة»، هكذا قالا لـ «عربي بوست».

ومرت الأيام من تظاهرات يحضرانها معاً وجذب وشد مع الشرطة وفعاليات شكلت النواة الأولى للثورة، حتى حدثت الثورة، وقبل خطاب التنحي فقدا الأمل حتى إنها قامت بقص شعرها لتتخطى إحباطها، لكن كان للقدر رد فعل آخر، تنحى مبارك، ونجحت الثورة في إسقاط النظام، وكان هناك أمل في تغيير مستقبل مصر، وتغيير مستقبلها هي أيضاً، ليتزوجا في الذكرى السنوية الأولى للثورة.        

أطهر مرحلة في حياتي، لكنني لن أدخل الميدان مجدداً

ومرت الأيام، وبعد 8 سنوات على الثورة، تعتبر نادية أن الميدان هو أطهر مرحلة في حياتها وفي تاريخ مصر، لكنها ما زالت تتحاشى دخوله، فما زالت تتذكر حتى الآن ذلك الشاب الذي سقط ميتاً بين يديها في أحداث محمد محمود، ولا تعرف اسمه ولا تعرف إن كانت أسرته قد علمت بوفاته حتى الآن أم لا.

«إحساس بالعجز يجعلني لا أستطيع المرور من أمام الميدان، خاصة بعد براءة مبارك من تهمة قتل المتظاهرين».

«بعد التنحي يوم 12 فبراير (شباط) لما نزلنا الميدان ننضف كنا مشحونين بالأمل، وسقف طموحاتنا عالي، حالياً للأسف مفيش أمل».

لكنها تقول «نحن شعب لا يستطيع أحد التنبؤ بما يمكن أن يحدث له، في 20 سبتمبر (أيلول) وسط دعوات النزول لإسقاط نظام السيسي كان هناك شباب كُثر، ربما لم يعاصروا ثورة يناير، ربما لم ينجحوا، لكن حب هذا الوطن يفعل الكثير، لا نعلم ما الذي يحدث».

وتضيف: «في 2013 لم يكن أحد يستوعب أن تكون هناك مظاهرات ضد نظام السيسي يوماً ما، لكن هذا ما يحدث الآن».

حتى الاحتفال بالثورة لم يعد موجوداً، فهم يحاولون تحويله لمجرد احتفال بعيد الشرطة، في ذكرى الثورة نحاول الهروب من «خيبتنا» وعدم فطنتنا لما سيحدث معنا مستقبلاً.

مفتشة على القوات المسلحة

خرجت عبير عبدالله من زواج فاشل بأربعة أبناء، أكبرهم وقت الثورة يبلغ من العمر 18 عاماً، وأصغرهم 5 سنوات، عملها التابع للقوات المسلحة جعلها تشاهد بعينها ما وصفته بتجاوزات فجّة في حق الوطن، لكنها لم تكن تستطيع تصحيح أي شيء رغم عملها كمراقبة، إلا أن الثورة جاءتها صدفة لتغير مسار حياتها عاطفياً وسياسياً، فصدفة شاركت في الثورة بعد زيارة لإحدى قريباتها في مستشفى قصر العيني، لتقرر حينها المشاركة وعدم مغادرة الميدان لحين رحيل النظام.

«لم يتحمل زوجي فكرة ثوريتي»، تقول لعربي بوست، وتضيف: «قالي خدي ولادك وأنتِ ماشية، وهو ما حدث بالفعل».

تستطرد: «نجحت الثورة وسقط النظام، وطلبت الطلاق أيضاً، حصلت على حريتي كما حصلت عليها مصر تماماً».

في الذكرى السنوية الأولى، التقت طارق فوزي، حب حياتها كما تصفه، وفي يوم الأرض (مظاهرات احتجاجاً على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية) كان التقارب بينهما أكبر، حيث أصيب طارق بعد اعتداء قوات الأمن عليه، وتم حبسه عدة أيام، لتظل هي بجواره باعتباره رفيقاً للدرب، إلى أن اعترف لها بحبه ورغبته في الارتباط بها.

كان طارق يعمل في إحدى الشركات المحسوبة على الإخوان، وعقب مشاركته في مظاهرات 30 يوليو/تموز 2013، تم فصله تعسفياً لمخالفته قناعات أصحاب الشركة.

كما فُصلت هي أيضاً من العمل في إحدى المؤسسات التابعة للقوات المسلحة، نتيجة لفضحها ما سمّته مخالفات في المؤسسة العسكرية.

«قرّرت أن أغير حياتي، وأن أوافق على الزواج بطارق بعد إلحاحه، وما زلنا حتى الآن نحلم بالتغيير، رغم أنني أبلغ من العمر 49 عاماً، إلا أنني مازلت أحلم»، تقول عبير لعربي بوست.

وتضيف: «ما يحدث في الشارع من حراك هو نتيجة لما حدث في ثورة يناير، وإن حاولوا تشويهها بما يملكونه من أذرع إعلامية ستظل يناير هي «البعبع» الذي يرهبهم.

ثأر شخصي بسبب ما فعله بابني

تستطرد عبير بحزن «لدي ثأر شخصي مع هذا النظام، بعد القبض على ابني وهتك عرضه في أحداث السفارة الإسرائيلية، ومازال يعاني نفسياً حتى الآن، وثأرٌ عام لما آلت إليه حال مصر، من نظام يحكم بالحديد والنار».

أما زوجها طارق فوزي، فيرى أن أي ثوري لا بد أن يكون حذراً هذه الأيام من النزول في الشارع، وأن يجعل ألف عين في رأسه، لأن النظام الغاشم، على حد وصفه، لا يفرق في التعامل، وهو ما تدل عليه حملات الاعتقال الواسعة التي طالت الناشطين، والاختفاء القسري وقتل البعض بدم بارد.

«نحن مشاركون معاً في حب هذا الوطن، وسنظل نطالب بالتغيير مهما طال الزمن، وإن كانوا قد اغتصبوا ميدان التحرير وكسروه كأنثى فقدت عذريتها، إلا أننا يوماً ما سنعود»، قالاه معاً في نهاية حوارهما.

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *