مرآة العالم

أصل الرواية ونشأتها (4)

على الرغم من الجدل الواسع حول إرجاع أصول
الرواية إلى الأشكال التعبيريّة القديمة من ملحمةٍ وأساطيرَ وحكايات المغامرات
والحوارات والأخبار التاريخيّة، إلّا أنّ الرواية (roman) في تسميتها الرسميّة لم تظهر إلّا في
العصر الوسيط؛ ليس للإشارة إلى نوع المادة أو جنسها، أو إلى طبيعة محتواها، ولكن
للتعبير عن المستوى اللسانيّ والطبيعة اللغويّة لمادة الحكاية المرويّة فيها. ذلك
أنّ اللسان الرومانيّ هو المستوى العاميّ المبتذل، واللغة الدارجة بين عوامّ
الناس، مقابل اللاتينيّة التي تُعدّ اللسان الرسميّ الذي كُتِبت به الأعمال
الكلاسيكيّة القديمة. وهي في تلك الحقبة كانت شكلا تعبيريّا منظوما، يدور بين
الناس البسطاء والعاديين، ولا يعتمد على النبلاء والإقطاعيين والأبطال. الرواية
كانت تتميّز عن الأشكال القديمة في الموضوع والمحتوى، وفي المستوى اللغوي، لكنّها
لم تمتلك هُويّتها المستقلة باعتبارها جنسا أدبيّا، ولكن في تلك المرحلة من
التاريخ، أخذت أسس اللغة النثريّة بالظهور والاستقلال عن المنظوم، وتتمركز في الجوهر
حول المستويات الدنيا من الأحداث والأشخاص.  

وفي الوقت الذي كان وصف الحكايات في الروايات
في القرنين السابع عشر والثامن عشر يقوم على أنّها حكايات غراميّة ومسليّة، لغتها
نثريّة فيها صنعة منظّمة، كان جزء مهمّ من الجدل حول محتواها ومواضيعها يتّصل
بالبعد الأخلاقيّ ومقدار الفائدة التي يمكن أن تعود على جمهورها. هذا من ناحية،
ومن ناحية أخرى كان جزءٌ آخرُ من الجدل يدور حول واقعيّة أحداث الرواية مقابل
الخيال فيها، إلى أن أخذ أفقُها الواقعيّ ينمو بشكل متزايد بالإضافة إلى هيمنة
تركيزها على الفرد ومشاعره ومنظوره بدلا من الأفكار والقيم الجمعيّة العامّة.

ومن أوصاف محللي هذا الشكل الجديد في ذلك الوقت
قول دانييال هوي: “هذه التي يسمّونها عن حقٍ رواياتٍ هي قصصٌ وهميّة لمغامرات
غراميّة، تُكتب في نثر لا يخلو من صنعة، إمتاعا وإفادةً للقرّاء. وقولي قصصٌ
وهميّةٌ تمييزٌ لها عن القصص الحقيقيّة؛ وأضَفْتُ ’لمغامرات غراميّة‘ لأنّ على
الغرام أن يكون الموضوع الأهمّ. وينبغي أن تكون مكتوبة نثرا موافقةً لعادة هذا
العصر؛ وينبغي أن يكون في كتابتها صنعةٌ وأن تخضع لبضع قواعد، وإلا كانت ركاما
مضطربا بلا نظامٍ ولا جمالٍ”. (الأجناس الأدبية، إيف ستالوني).

وهنا تتركّز صفات الجنس الجديد الشكليّة
والموضوعيّة التي ستبرز وفقَها أُطرُ هذا الجنس المحددة له عن الأجناس الأخرى.
ولعلّ في وصفه بالنثرية إعلان استقلاله عن كلّ ما تقدّمه من الأجناس الكتابيّة
التي تقوم على الشعر، حتى في ما يتعلّق بالمرحلة التي كانت تُسمّى فيها الحكاية
الشعريّة رواية (roman). ستكون هذه الصفات مُقبلة على تغيير كبير، نظرا
لطبيعة الرواية القابلة للتطوّر والتبدّل، فهي كما يصفها باختين فنٌ في صيرورة
دائمة؛ لذلك سيكون هناك روايةٌ أحداثُها خاليّة بشكل كبير، ورواية واقعيّةٌ أو
تاريخيّةٌ، تدور حول حقبة أو حدث أو شخصيّة معيّنة.

 

اقرأ أيضا: أصل الرواية ونشأتها (3)

اقرأ أيضا: أصل الرواية ونشأتها (2)

اقرأ أيضا: أصل الرواية ونشأتها (1)

 وينبغي هنا
التنبيه على أنّ صفة التخييل في الرواية تميّز بين الرواية الواقعيّة أو
التاريخيّة من ناحية، والكتابات التسجيليّة أو التاريخيّة أو الأعمال الصحافيّة من
ناحية أخرى. وتبرز صفة الواقعيّة ليس فقط من باب التعبير عن الواقع وإنّما أيضا
باعتبار أنّها تعرض أحداثا منطقيّة يتقبّلها العقلُ في المقام الأوّل حتى لو كانت
الأحداثُ نفسُها غير واقعيّة أو حقيقيّة، فالأحداث تنمو بطريقة سببيّة، وتحاول أن
تظهر متماسكةً وكأنّها حقيقيّة تماما، وهذا يعرف بمحاولة الإيهام بالواقعيّة. وفي
الروايات التي تكون أحداثها ذاتَ طبيعة سحريّة أو غير منطقيّة، ستجعل الرواية
الناجحة من هذا النوع سؤال المنطقيّة غير مطروح أساسا، وستجعل القارئ يتقبّل
أحداثها في ذلك السياق السحريّ، وهذا المستوى الدقيق والصعب من الأحداث يُعدّ
خطرا، فيمكن أن تسقط الرواية في السخف إن لم تتمكّن من الحفاظ على الخيط الفاصل
بين الشكل المتماسك والعشوائيّ.

وبينما بقيت مسألة أسس الجنس الروائيّ سؤالا
فاعلا ومهمّا في العصر الكلاسيكيّ، تحوّل الاهتمام إلى متابعة تطوّراته اللاحقة،
وتحديد العوامل المؤثّرة فيه، وذلك انطلاقا من قدرة الرواية على التغيّر وإعادة
التشكّل من جديد، وهي ذات فاعليّة عالية في توظيف الأجناس الأدبيّة الأخرى داخلها،
بما في ذلك الأجناس القديمة، دون أن تفقد الرواية صفات النوع الذي تنتمي إليه. هذه
المرونة وحالة الصيرورة من الأسباب الجوهريّة التي جعلت الرواية الفنّ المهيمن في
العصر الحديث، مهما اختلفت المراحل والمرجعيّات.

انطلاقا من التحوّلات العديدة في تاريخ
الرواية، يصف المؤرخ مارتن روبير الراوية في عصر هيمنتها على الفنون الأخرى بأنّها
ذاتُ قدرةٍ فائقةٍ على المغامرة والتحوّل من مستوى العاميّة والوضاعة إلى السمو
والريادة، فالرواية فنٌ “عاميّ ترقّى فصار، وسط أجناسٍ قائمةٍ على وجه الدهر
أزاحها شيئا فشيئا… كان في مرتبة جنسٍ قاصرٍ منبوذٍ فصار قوّةً لا نظيرَ لها على
الأرجح، وها هو اليوم يهيمن وحدَه، أو يكاد، على الحياة الأدبيّة”.

وبسبب طبيعة الصيرورة والتحوّلات المستمرّة
لفنّ الرواية، تبقى الرواية عصيّة على المعايير الوصفيّة الدقيقة وعلى التعريف
الشامل، ولذلك سيكون المنظّرُ الأدبيُّ مضطرّا لوصف الرواية في حقبة معيّنة ومن
نوعٍ معيّن، فهي دائما في طورٍ جديدٍ كما كانت في أصلها لحظة انقطاعٍ عن الفنون
الأخرى.

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة