أخبار سوريامرآة البلد

“إنها سجادتي من الأثاث الذي نُهب”.. ميليشيات الأسد تبيع السوريين مسروقاتهم بعد “التعفيش”

(متابعة – مرآة سوريا) هذه السجادة أنا أعرفها..

نعم إنها سجادتي، إنها الشيء الوحيد الذي وجدته من الأثاث الذي نُهب من منزلي.

أنا الآن مضطر لأن أشتريها!

يُحدث هذا بالفعل في سوريا.

فسوق الشارع في مدينة جرمانا السورية هو جنة الباحثين عن البيعات الرابحة.

فقد يجد المتبضعون بساطاً صوفياً مزخرفاً بحجم 4 أمتار مربعة يدوي الصنع في حلب ويدفعون مقابله أقل من 5 دولارات، بدلاً من 100 أو أكثر. ويمكن شراء الثلاجات، التي سعرها عادةً 400 دولار، بنصف ذلك الثمن.

السلع تسرق الأنظار؛ لأنها بالفعل مسروقة. فهي جزءٌ من أعمال النهب التي صارت اعتياديةً بعد الانتصارات المزعومة للنظام السوري في الحرب السورية المتواصلة منذ 7 سنوات.

إذ يُفرّغ رجال الميليشيات الموالية لنظام الأسد معاقل المعارضة المهزومة من أي شيء لم تدمره الغارات الجوية والمدافع والاشتباكات النارية المدنية، حسبما ورد في تقرير لصحيفة Los Angeles Times الأميركية.

ومن كثرة أعمال النهب اكتسبت كلمة «تعفيش» التي تعني عادةً «تجهيز البيوت بالأثاث» تعريفاً جديداً مرتبطاً بـ»سرقة الأثاث».

فظهرت على مر السنين أسواق مثل سوق جرمانا، إحدى ضواحي العاصمة السورية دمشق، قرب المناطق التي مزقتها الحرب مثل حلب وغوطة ودرعا.

إنه حقهم ولكن أين رقابة النظام!

يقول كثير من السكان والشهود إن الموالين للنظام يتعاملون مع النهب على أنه حقٌ لهم عند الانتصار على قوات المعارضة، وإن رئيس النظام السوري بشار الأسد وحلفاءه يسمحون له بالاستمرار دون رقابة، حسب الصحيفة الأميركية.

وأبلغت مصادر محلية وفق ناشطين عن أن القوات النظامية في الأسابيع الماضية «قد نهبت معظم منازل الريف الشرقي والجنوب شرقي والغربي في درعا، حيث يسرقون الأجهزة المنزلية والأثاث والبطاطين والسيارات والمواشي».

وداعش يصادر بيوت المسيحيين والشيعة

واتخذ مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المسلح طريقاً أكثر بيروقراطية، مبنياً على فهم متطرف للفقه الإسلامي.

بعد السيطرة على إحدى المدن يمشِّط المقاتلون الأحياء والمدن بحثاً منازل أو شركات مملوكة لمسيحيين أو مسلمين شيعيين؛ إذ يعتبر الجهاديون الآخرين مُرتدِّين يجب قتلهم. ويكتبون على المبنى «ملك الدولة الإسلامية.

بعد ذلك يقول أعضاء التنظيم ببيع هذه العقارات أو الشركات أو يؤجرونها إلى أفراد الشعب المسلمين السنِّيين الواقعين تحت قبضتهم.

لكن الفصائل شبه العسكرية المعاونة لقوات الأسد هي التي جعلت النهب تجارةً رائجةً إلى هذا الحد، ولا تزال قيمتها الإجمالية مجهولةً.

لكن الميليشيات الموالية للأسد وصلت بالأمر لمستوى جديد

الميليشيات شبه العسكرية المعاونة لقوات الأسد هي التي جعلت النهب تجارةً رائجةً إلى هذا الحد، ولا تزال قيمتها الإجمالية مجهولةً.

فعقب استيلائهم على المناطق التابعة للمعارضين، يقيم رجال الميليشيات الموالية للأسد حفلةً من «التعفيش»: غسالات وثلاجات وأطباق القمر الصناعي، وأثاث غرف معيشة كاملة، حتى أطقم المائدة غير المتوافقة تظهر في الأسواق ومنها سوق جرمانا.

ومع اصطياد النظام معاقل المعارضة واحداً تلو الآخر في العامين الماضيين، جلبت الهجمات الجديدة مزيداً من الإمدادات من السلع كي تُباع. فالثلاجة في سوق جرمانا قد جاءت من حملة النظام في أبريل/نيسان الماضي ضد وكر المعارضة السابق في غوطة، والبساط من آخر هجوم على درعا.

والنهب يشمل المناطق الموالية للنظام.. رجال النمر يقيدون الحراس

ولم تستعصِ كذلك المناطق التي تخضع لسيطرة النظام على النهب. فقد أبلغت وسائل الإعلام المحلية عن أن في الراموسة، إحدى الأحياء الموالية على أطراف حلب، قيَّد مقاتلو قوات النمر، إحدى وحدات إدارة استخبارات القوات الجوية، الحُرَّاس وأفرغوا مصانعهم.

وبوجودهم في مقدمة معظم الهجمات النظامية، قوات النمر هم أول من ينالون الغنائم.

وقال أحد الناشطين، وقد رفض ذكر اسمه ككثير ممَّن أجرينا معهم مقابلات في هذه القصة لأجل دواعٍ أمنية: «يوكلون الواجبات إلى مجموعات مختلفة. فتأخذ مجموعةٌ ما الثلاجات، وتأخذ الأخرى مكيفات الهواء، وتتعامل الثالثة مع الأثاث. ولا أحد يتطاول على سلع الآخر».

وأبلغت وسائل الإعلام المحلية، سواء الموالية للنظام أو المعارضة، عن إكراه الميليشيات شبه العسكرية لعشراتٍ من العمَّال على نزع الأسلاك والكابلات الكهربية من الأحياء المُدمَّرة. وحين ينتهون تأتي جماعات شبه عسكرية أدنى في المستوى لتجمع الفتات.

وقد شرح أحد التجار في مقابلةٍ أُجريت الشهر الجاري، يوليو/تموز، حسب تقرير الصحيفة الأميركية أن هناك عدة خيارات للباعة الراغبين في دخول هذه التجارة.

فيدفع البعض مبلغاً ثابتاً مقابل حمولات الشاحنات بأكملها في الخفاء، ويبيعون أيما يحصلون عليه. ويبرم آخرون اتفاقاتٍ مع ما يقرب من «درزينة» من جنود الميليشيات الذين يعملون تحت زعامة قائدٍ لهم للحصول على غنائمهم أو نهب منطقةٍ بعينها.

الأمر ليس به مبالغة.. السوريون يضطرون لشراء بعض ما سُرق من بيوتهم

ومن أُفرِغت بيوتهم يذهبون إلى السوق لأجل محاولة شراء ما فقدوه مرةً أخرى.

وقال أبوأحمد، وهو قرويٌّ من بلدة صيدا الجنوبية، إنه غادر بيته هذا الشهر للهرب من آخر هجوم نظامي على صيدا. وبعد أسبوع، عاد ووجد بيتاً منهوباً عن بكرة أبيه.

وقال في محادثة على فيسبوك: «أخذ المقاتلون الأبواب والثلاجة والمُجَمِّد والأفران والمولدات، وحتى الأسلاك.. لم يتركوا شيئاً، وكان الجيش  الحكومي يشاهدهم أثناء فعل ذلك».

فاتجه صوب مدينة السويداء على القرب منه كي يستعيد ما أمكنه، لكن كل ما وجده من بيته كان بساطاً واحداً.

وجاء على لسان أبوأحمد: «أخبرني التاجر بأن ذلك هو كل ما بقي من الشاحنة.. لقد بِيع كل شيء خلال يومين».

ولا أحد يحتج فثمن الكلام باهظ

وقال أحد الناشطين، وهو يدير مجموعة على فيسبوك مقرّها في السويداء، إن الأسواق هي سر معلن. ويهدف هذا الناشط إلى فضح البائعين ومحاولة إقناع السلطات بردعهم.

وأوضح الناشط في محادثة على فيسبوك: «لا حاجة لأن يريك أحدٌ مكانهم. إنهم على أطراف الشوارع، يبيعون السلع دون أية فواتير أو توثيق».

ومع أن وسائل الإعلام الموالية للنظام قد أبلغت عن النهب، يقول الناشط إن السلطات «مشلولة الحركة»، ولم تتعدَّ في رد فعلها إصدار إنذارات قضائية بالكاد تُنَفَّذ ضد جنود الميليشيات أو بائعي الأسواق. وهناك تخوُّف أيضاً من القصاص من أي أحدٍ يحتجُّ بصوتٍ عالٍ.

فلقد تم إبعاد مذيع بقناة لبنانية مؤيدة للنظام لأنه تناول هذه القضية

لقد مُنع رضا الباشا، مذيع في قناة الميادين اللبنانية المناصرة للنظام، من العمل في الصحافة في سوريا بعد تغطية «التعفيش» في مقالٍ انتشر على نطاقٍ واسعٍ في مطلع 2017.

في المقال أشار إلى أن جماعةً شبه عسكرية تُدعى «لواء القدس»، بالإضافة إلى «صقور الصحراء»، الذين كانوا فيما مضى أكبر ميليشيا خاصة في سوريا، قد حظروا نقل الأدوية إلى داخل حلب إلى أن يبيعوا العقاقير التي نهبوها من مستودعات المعارضين.

وقال الباشا إن كلا الفصيلتين تعمل تحت مظلة الفرقة الرابعة الخاصة في الجيش، التي يرأسها ماهر الشقيق الأصغر للأسد. ويقول كثير من السوريين إن هذه الوحدة مشتبه بها منذ وقتٍ طويل في الابتزاز عند نقاط التفتيش وكذلك «التعفيش».

شقيق الأسد بنفسه هو الذي حظر ظهوره

وقال الباشا في وقتٍ لاحقٍ في سلسلة من المنشورات على فيسبوك إن تقريره أثار حفيظة قادة الفرقة الرابعة، وإن ماهر الأسد هو من أمر بحظره، حسبما نقلت عنه الصحيفة الأميركية.

وقال مصدر، لموقع «عربي 21» إلى أنّ قرار إيقاف «الباشا» عن العمل، هو انتصار للميلشيات الموالية للنظام في حلب، من أبناء العشائر، وميليشيات الساحل (منطقة ذات غالبية علوية)، على الميلشيات الإيرانية التي تدعم «الباشا»، مشيرا إلى أن قرار إيقافه عن العمل لن يطول، كونه من رواد جامعة الخميني في إيران، إذ أنه حاصل على الشهادة في الصيدلة منها.
وآنذاك، دشن موالون للنظام السوري عبر مواقع التواصل الاجتماعي وسم «#متضامن_مع_رضا_الباشا»، للتضامن مع الإعلامي الموقوف عن العمل، وللمطالبة بالعودة عن القرار.

والأمر وصل إلى أن السوريين صفقوا للروس

عناصر الأسد

وقد نتج عن «التعفيش» كذلك توتر مع روسيا، الحليفة الأولى لبشار، التي وزَّعت قوات الشرطة العسكرية الخاصة بها كضامنٍ على اتفاقات الاستسلام بين النظام والمعارضين.

في مايو/أيار الماضي 2018، ظهر فيديو لثلاثة من أفراد الجيش الروسي يلقون القبض على ثلاثة من مقاتلي النظام عندما حاولوا مغادرة ببيلا، إحدى الضواحي القريبة من دمشق، ومعهم شاحنتان مليئتان بالأثاث. وانفجر المتفرجون الملتفون حولهم في التصفيق حين أجبر الروس الناهبين بالرقاد على الأرض.

لكن وفقاً لأيمن تميمي، الخبير في الفصائل السورية، في محادثة عبر فيسبوك جرت هذا الشهر، فإن هذا ليس أكثر من تواصلٍ لموجة الفساد السابقة للحرب.

إذ يقول ً: «هناك فرص للأشخاص الجدد بأن يصبحوا وسطاء لكنهم لا يزالون جزءاً من النظام ذاته. هذا أحد ملامح سوريا في عهد الأسد: تتم التنازلات في المستويات الأدنى لكن رأس النظام يبقى كما هو».

والبعض يرى التعفيش مكافأة عادلة

مع أن كثيراً من السوريين قد احتجوا ضد «التعفيش»، يراه كثيرون آخرون مكافأةً عادلةً للجنود الذين اقتُصَّ من قيمة رواتبهم الزهيدة بالفعل بسبب هبوط سعر الجنيه السوري وارتفاع الأسعار.

وهو يوفِّر كذلك سبيلاً للانتقام. إذ فقد سكان الأحياء المناصرة للحكومة، بالذات في الأيام الأولى من الحرب، بيوتهم وأعمالهم، أو اختطفهم المعارضون.

ومع ضعف المعارضة الآن، يعتبرون النهب ثأراً للأضرار التي تعرضوا لها.

ولكن الأمر يحوي بُعداً طائفياً.. واسم السوق يظهر ذلك

ومن المحتم أن هناك عنصراً طائفياً. فأسواق «التعفيش» الناشئة في المدن المختلطة دينياً مثل حمص يُطلق عليها «سوق السنة». ويكشف الاسم عن حقيقة تأبى الحكومة الشيعية الاعتراف بها: أنها تقاتل ضد معارضةٍ بأكملها من السنة، وأن معاركهم قد دمَّرت في معظمها وأخلت مناطق سنية.

لكن لم يعنِ ذلك الكثير لدى أبي أحمد، الرجل الذي نُهب بيت. إذ فقد الأمل في استعادة ممتلكاته وكان يفكِّر في الرحيل من سوريا.

وقال: «لم يبقَ لي شيء هنا».

والسجادة، الشيء الوحيد المتبقي من بيته القديم؟ لم يشترها مجدداً.

المصدر
عربي بوست
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *