مرآة العالم

ادوارد سعيد: كيف يراه وائل حلاق

استكمالاً لمشروعه في كتابه الجدلي “الدولة المستحيلة” يواصل وائل حلاق في كتابه الجديد “قصور الاستشراق” تركيزه الشديد في نقد الحداثة وتصوراتها، والحفر في عمق وعينا كذوات معاصرة.

 

إنه يقول وبكل وضوح وصراحة بأن الهوية الحداثية مفروضة علينا شئنا أم أبينا. ويتساءل من فرض الكولونيالية علينا ومن أين حصلنا على هذه الهوية كأفراد حداثيين؟ ما معنى أن نكون حداثيين؟ بل ما معنى أن تكون حداثيا في العالم الإسلامي؟ ويضيف بأنه قد تم فرض هويات جديدة علينا في العيش والتعلم والفهم والأكل واللبس والتصرف، بل ربما في التفكير والشعور بدون أن تتم استشارتنا.

 

ويتابع حلاق في نقد شديدة ليقول إن مأساة واقعنا الحالي الحقيقة تتمثل في قبولنا لكل ذلك على أنه أمر مفروغ منه من دون أن نعي ما طرأ علينا فعلا، بل لم نعد نفهم هويتنا كأفراد شكلتهم الحداثة.

إنه نقد شديد وصارخ للحداثة وللدولة الحديثة وللعلمانية والليبرالية والرأسمالية، ولهذا كان كانت سهام حلاق مصوبة على كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق”.

 

فوائل حلاق يقدم تشريحا مفصلا لإدوارد سعيد في نقده للاستشراق ويعتبر بأن سعيدا لم يفهم الاستشراق كما ينبغي، وأن دفاعه عن الشرق كان دفاعا يعاني مشاكل بنيوية من أهمها أن إدوارد سعيد تعامل مع الاستشراق على أنه مشروع سياسي، والأمر الأخر أن سعيدا لم يفهم الشرق أو الإسلام كما هو في حقيقته بل فهمه انطلاقا من خلفيته الليبرالية العلمانية. أي أن إدوارد سعيد دافع عن الإسلام – الشرق وهاجم مؤسسات الاستشراق بناءً على قيمه الحداثية التي لا تعتبر أن هناك خلافات جوهرية بين الشرق وقيم الحداثة وتصوراتها.  

في نظر حلاق فإن إدوارد سعيد عندما ينقد الاستشراق فهو ينقده نقدا سطحيا، ولكنه في نفس الوقت غارق حتى أذنيه في تبنيه للقيم الحداثية الغربية ويتبنى تصورها عن نفسها وعن الآخر بشكل غير مباشر.

 

ويذهب حلاق بعيدا بقوله إن إدوارد سعيد من حيث هو يعترض على فكرة الاختلاف بين الشرق والغرب من وجهة نظره كعلماني ليبرالي، لكنه وفي نفس الوقت تمتزج نظرته للتراث وللدين بنظرة استهجان.

 

فسعيد يعتبر الحداثة الغربية وانجازاتها باعتبارها المعيار الحصري لفهم الاخر بل فهم الشرق الذي يدافع عنه.

 

يؤكد وائل حلاق بأن نقد إدوارد سعيد السياسي للاستشراق كان لا بدَّ أن يبدأ بالأسس التي خَلَقَت تصورا معينا للطبيعة والليبرالية والعلمانية، وهذا الذي لم يفعله سعيد وبقيت هذه المفاهيم بعيدة عن التمحيص.

حتى في نقده لذوق سعيد الأدبي والفني والموسيقي يستنتج حلاق بأن إدوارد سعيد متحيز للغرب، فسعيد المعجب بالأعمال الأدبية والتي يقدرها أشد التقدير كأعمال جوزيف كونراد ورديارد كيبلينغ، وليس أعمال لمشرقيين كغسان كنفاني أو عبد الرحمن منيف مثلا. حتى في ذوقه الموسيقي فقد أحب وعزف موسيقى باخ وبيتهوفن، وليست موسيقى محمد عبد الوهاب أو رياض السنباطي أو سيد درويش.

 

ويتهم حلاق سيعيد بأنه لم يعبأ قط باستطلاع إمكانيات التراث الشرقي والإسلامي شديد الثراء والخصب، لأنه نتاج ثقافة دينية لا يحبذها سعيد ولا ينظر لها باعتبارها قيمة إنسانية ذات بال.

وينقل وائل حلاق عن الناقد وليام ميتشل بأن تعريف سعيد للدين بوصفه “متزمتا ومتعصبا ومفتقدا للعقلانية والتسامح ومهووساً بالخرافة والتعميم وبفكرة غياب قدرة الانسان في وجود خطة إلهية لا يمكن سبر أغوارها”.

 

والسبيل الوحيد المقبول والذي يمكن أن يتسامح فيه سعيد مع الدين والإسلام بشكل خاص ولتجنب الاتهام بالاستشراق هو وضع رؤية للإسلام والتاريخ الإسلامي تتسق مع الحداثة، لا سيما في ليبراليتها. 

ينتقد سعيد الاستشراق كوصفه مشروعا سياسيا يتخيل الشرق كجزء معزول عن بقية العالم، ولكنه في نفس الوقت نفى عن الشرق بأن يكون شرقيا مختلفا عن غيره.

 

فسعيد في نظر حلاق وبكلمات مختصرة يقول للغرب بأن الشرق ليس شرقا غير حداثي بل إنه حداثي بشكل كاف، وليس للشرق أية ميزة روحية أو مرجعية مفارقة.

 

وأية محاولة لصبغ الشرق بقيم روحية أو أن الشرق يملك في جوهره إيمانا بقيم متجاوزة للمادية أو غيبية تعتبر في نظر سعيد بأنها محاولة استشراقية لاحتكار الحداثة غربياً.

ينتقد حلاق إدوارد سعيد باعتباره مفكرا حداثيا يؤمن بانتصار القيم الحداثية الليبرالية العلمانية، وبأن هذه القيم لم تجعله يرى الشرق بل أن يذل جهدا لمحاولة فهمه. وليس هذا فحسب فإن إدوارد سعيد لا يدرك حجم الإشكاليات العميقة التي تعاني منها الأفكار الحداثية وحجم الدمار التي الحقته بالإنسان وبيئته.

 

ويتساءل حلاق لماذا تتزايد مشاكلنا الصحية والاجتماعية والمالية والبيئية بصورة مضطردة في الوقت الذي أضحت فيه علومنا وتكنولوجيتنا أكثر تقدما وتفوقا من أي مرحلة تاريخية سابقة.

 

ويسأل حلاق أيضا كيف فاتت كل ذلك الاشكاليات حول الحداثة إدوارد سعيد ولماذا لم يضعها تحت مجهر تحليله الصارم وفكره الخلاق، بل تعامل معها كحتميات تاريخية يجب علينا نحن كشرقيين بأن نؤمن بها ونتبناها.

 

 

كاتب المقالة / سهل بطاينة 


Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة