مرآة العالم

الأشعري.. نقطة تحول في الفكر الإسلامي

مع أبي الحسن الأشعري،
حدث تحول هام في الفكر الإسلامي على صعيدين:

الأول، اعتراف أهل
السنة بعلم الكلام كعلم من علوم الدين، بعدما كان هذا العلم مع المعتزلة منبوذا
لديهم.

والثاني، أن أغلبية
المسلمين أصبحت تدين بالأشعرية على صعيد أصول الدين، أو ما يسمى جليل الكلام.

وإن كانت الأشعرية قد
شقت طريقها من رحم المعتزلة مع أبي الحسن الأشعري، فإنها وصلت إلى مرحلة الاكتمال
مع حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي.

هو أبو الحسن علي بن
إسماعيل بن إسحق بن سالم بن إسماعيل بن عبدالله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى
الأشعري 874 ـ 936م.

الانقلاب على المعتزلة

قال ابن عساكر في
كتابه “التبيين”، إن أبا الحسن الأشعري كان معتزليا وأنه أقام على مذهب
الإعتزال أربعين سنة، وفجأة غاب عن الناس خمسة عشر يوما ثم خرج إلى الجامع في
البصرة، وصعد المنبر بعد صلاة الجمعة، فقال:

معـاشر النـاس إنما
تغيبت عنكم هذه المـرة لأنــي نظـرت
فتكــافأت عنـدي الأدلـــة ولـــم
يترجـح عنـدي شــيء، فـاستهديت الله
فهـدانـي إلى اعتقاد مـا أودعته فــي كتبي
هذه، وانخلعت من جميع مـا كنت اعتقده كمــا أنخلع من ثوبي هذا.

وبالإضافة إلى ابن
عساكر، تحدث الكثيرون عن مغادرة الأشعري لمذهب الاعتزال، ومنهم: ابن خلكان في
“وفيات الأعيان”، الحافظ الذهبي في “العلو للعلي الغفار”، ابن
كثير في “البداية والنهاية”، ابن فرحون المالكي في “الديباج
المذهب”، المرتضى في “شرح الإحياء”.

ويتساءل عبد الرحمن
بدوي، هل خروج الأشعري من مذهب الاعتزال جعله تابعا لأهل السنة؟ أو وقف موقفا وسطا
بين أهل السنة من جهة والمعتزلة من جهة ثانية؟

إلى الرأي الثاني يذهب
محمد عابد الجابري، معتمدا في ذلك على نص لابن خلدون يقول فيه:

توسط الأشعري بين
الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفـات
المعنوية وقصر التنزيه على مــا قصره عليـه السلف
وشهـدت له الأدلـة المخصصة لعمـومه،
فأثبت الصفات بطريق النقل والعقل، ورد علـى
المبتدعة في ذلك كله.

ويعلن الأشعري مغادرة
مذهب الاعتزال والعودة إلى صفوف أهل السنة، ولكن لا ليكون مجرد تابع، بل ليعمل على
شق طريق جديدة تقيد العقل بالنقل وتشرح
النقل بالعقل.

ويتابع الجابري،
فيقول: تبنى الأشعري مواقف أهل السنة بزعامة ابن حنبل وانتصر لها ضدا على خصومه
المعتزلة، ولكنه كان من حيث المنهج أقرب إلى المعتزلة بسبب صياغته لعقائد أهل السنة صياغة عقلية.

ويذهب إلى ذلك أيضا
أحمد محمود صبحي، في أن منهج الأشعري يتحدد بعاملين اثنين:

ـ إعطاء قيمة مطلقة
للعقل لا يؤدي إلى نصرة الدين، إنه استبدال العقل بالعقيدة.

ـ أنه لا بد من
الإيمان أن في الدين أحكاما توقيفية، لا يكون بدونها الإيمان.

صفات الله

يقول الأشعري إن الله
لا يشبهه شيء، ولا يشبه شيئا، لأنه لو أشبهها لكان حكمه في الحدث حكمها، ولو
أشبهها لم يخل أن يشبهها من كل الجهات أو من بعضها، ولو أشبهها بعضا أو كلا، لكان
محدثا، ويستحيل أن يكون المحدث لم يزل قديما.

أثبت الأشعري كما
المعتزلة العلم والقدرة والحياة، كصفات للذات الإلهية، لكنه أكد أن صفات الله
قائمة بذاته، أي أنها ليس هي ذاته ولا غيره، فلا يتصور أن يكون الله حيا بغير حياة
أو عالما بغير علم أو قادرا بغير قدرة.

يحاول الأشعري تفنيد
رأي المعتزلة القائل بأن الصفات هي عين الذات، دون أن يتبنى الموقف المسيحي بأن
الصفات مغايرة للذات، خشية من الوقوع في التثليث.

يقول إن الصفات قائمة
في الذات الإلهية لا هي هو ولا هي غيره، فقد أخذ الأشعري على المعتزلة أنهم عطلوا
الصفات من جهة، وأنهم رادفو مفاهيمها من جهة ثانية، فقولهم إن الله عالم وعلمه
ذاته، وقادر وقدرته ذاته، فإنما يلزم عنه أن يكون مفهوم الصفتين هاتين واحد، وإلا
أمكن الله أن يعلم بقادريته، ويقدر بعالميته.

ويذكر الأشعري في كتابه
الإبانة عن أصول الديانة:

ويقـال لهم: إذا كــان
الله مريدا أفلـه إرادة؟ فإن قـالوا: لا، قيل
لهم: فــإذا أثبتم مريدا لا إرادة له، فأثبتوا
قائلا لا قول له، وإن أثبتـوا الإرادة فقيل لهم:
فإذا كـان المريد لا يكـون مريــدا إلا بالإرادة
فمــا أنكـرتم أن لا يكــون العــالم عالما إلا
بالعلم، وإن يكـون لله علم كمـا أثبتم له إرادة.

ومع ذلك، فإن الأشعري
لم يجد حلا للإشكال، فقد ترك المشكلة معلقة: صفات الله لا هي هو ولا هي غيره،
قائمة بالذات، وهي الإشكالية التي سيعمل الأشاعرة اللاحقون على حلها.

كلام الله

ورفض الأشعري مقولة
المعتزلة في خلق القرآن، واعتمد في رأيه على رأي الإمام أحمد بن حنبل، فيقول:

إن كل حـي فهو متكلم،
فـإذا كان الله حيا بحيـاة قديمة فهو لا بد
متكلم بكلام قديم، ومـن لا يتصف بالكـلام فهو
متصف بضده، فالله متكلم بكلام
قديم.

ويميز الأشعري بين
نوعين من كلام الله: الكلام النفسي القديم المتعلق بالعلم وهو القائم بذات الله،
والكلام المكون من أحرف وأصوات وهو الحادث.

يشرح أحمد محمود صبحي
ذلك بقوله إن الأشعري لا ينظر إلى الكلام في ذاته، وإنما إلى العلم الذي يشتمل
عليه الخطاب، فسواء أكانت الآيات أمرا أم نهيا أم خبرا أم استخبارا، فذلك كله يرجع
إلى صفة واحدة هي صفة العلم.

وكما أن العلم واحد
وإن تعلق بما هو واجب أو جائز أو مستحيل، كذلك الكلام النفسي يدل على معنى واحد
قائم بالله قديم، وكما أن علمه واحد مع كثرة المعلومات، وقدرته واحدة مع تعدد
المقدرات، وإرادته واحدة قديمة مع حدوث المرادات، وكذلك كلامه فإنه واحد مع تعدد
متعلقاته، أزلي لأن نسبة الأزلية إلى عموم متعلقاتها واحدة.

نظرية الكسب

احتلت مسألة أفعال
الإنسان جزءا رئيسا في فكر الأشعري، وهو وإن خالف المعتزلة قولهم بأن الإنسان حرا،
اعتمادا على مبدأ لا خالق ولا فاعل إلا الله، فإنه كان مضطرا إلى إيجاد حل للمعضلة
القائمة: كيف سيجازى الإنسان على أفعاله إن كانت تعود لله؟.

والحل هو أن الأفعال التي
يفعلها الإنسان يخلقها الله فيه مثلما يخلق فيه القدرة، أما نتائج هذه الافعال
فالإنسان يكسبها.

ولا تأثير للقدرة
الحادثة في الإحداث، لأن جهة الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر
والعرض، فلو أثرت في قضية الحدوث لأثرت في قضية حدوث كل محدث حتى تصلح لإحداث
الألوان والطعوم والروائح.

غير أن الله تعالى
أجرى سنته بأن يخلق عقب القدرة الحادثة أو تحتها ومعها، الفعل الحاصل إذا أراده
العبد وتجرد له.

وينقل أبو الفتح
الشهرستاني رأي الأشعري، فيقول:

 

أجــرى الله سنته بـأن
يخلق عقب القــــدرة الحـــادثة أو تحتها أو
معها، الفعل الحـــاصل إذا أراده العبــــد
وتجــرد لـه، وسمـــى ذلك كسبــا، فيكـون خلقا
من الله إبداعا وإحداثا، وكسبــا مـن العبد حصولا
تحت قدرته.

إنها محاولة توفيقية
بين الاختيار والجبر، فليس الإنسان حرا كاملا ولا محبرا كاملا، ولذلك ميز الأشعري
بين نوعين من الأفعال: الاضطرارية والاختيارية، الأولى تقع من العباد وقد عجزوا عن
ردها، والثانية يقدر عليها العباد غير أنها مسبوقة بإرادة الله.

وبهذه المقدرة الحادثة
يكتسب الإنسان أفعاله، فإذا أراد العبد الفعل وتجرد له (لم يشغل نفسه بفعل سواه)
خلق الله له في هذه اللحظة قدرة على الفعل مكتسبة من العبد ولكن مخلوقة من الله.

وإذا كان الأمر كذلك،
فيتساءل الأشعري لماذا لا نقول إنه لا مكتسب للأفعال على الحقيقة إلا الله وينتهي
الأمر؟

يجيب الأشعري في كتابه
“اللمع”، لا ضرورة لذلك، فمثلا حركة الاضطرار تدل على أن الله هو الفاعل
لها على حقيقتها، لكنها لا تدل على أن المتحرك بها في الحقيقة هو الله.

إن اعتبار فعل الإنسان
الإختياري كسبا لا خلقا، جعل نظرية الأشعري تتعرض لنقد شديد، وقد قال شيخ الإسلام
ابن تيمية إن مسألة الكسب عند الأشاعرة لا حقيقة لها، إذ ما دام العبد ليس بفاعل،
ولا له قدرة مؤثرة في الفعل فالزعم بأنه كاسب، وتسمية فعله كسبا لا حقيقة له؛ لأنه
القائل بذلك لا يستطيع أن يوجد فرقا بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي
أثبته له.

إن تخبط نظرية الأشعري
في الكسب تعود إلى مشكلة في المنهج، فهو يرفض أسبقية العقل على النقل، وفي الوقت
ذاته يحاول استخدام العقل في إثبات عقائد إيمانية معينة.

ونقد النظرية لم يقتصر
على خارج الدائرة الأشعرية، فقد تعرضت النظية لنقد من داخل الأشاعرة أنفسهم، وفي
مقدمتهم الرازي الذي اعتبرها صورة مقنعة من الجبر.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة