أخبار متفرقة

الإنترنت للموثوقين فقط.. تفاصيل طريقة القمع الجديدة التي بدأتها الصين وروسيا واقتبستها إيران

فرضت إيران تعتيماً شبه كامل على الإنترنت لمواجهة احتجاجات نشبت بسبب رفع أسعار الغاز، وما فعلته طهران هو جزء من توجه متزايد لجعل الإنترنت أداة للقمع تستخدمها الأنظمة الحاكمة من إثيوبيا وصولاً إلى فنزويلا عبر درجات مختلفة من قطع الإنترنت.

وبالرغم من أنَّ النظام عطَّل الإنترنت منذ الـ17 من نوفمبر/تشرين الثاني، ولا يزال يعمل عند مستوى أقل من 20% من سرعته العادية وفقاً لشركة NetBlocks التي تراقب الأمن السيبراني؛ فشل ذلك في تمكين المسؤولين في طهران من السيطرة على المعلومات المتداولة عن الاضطرابات في إيران، حسب ما ورد في تقرير لصحيفة USA Today الأمريكية.

تسبب ذلك أيضاً في عزل الإيرانيين عن أصدقائهم وعائلاتهم في الخارج، وعزَّز على ما يبدو تصور إدارة ترامب بأنَّ سياستها «القصوى للضغط» على إيران بدأت تؤتي ثمارها بعد أن انسحبت واشنطن من الصفقة النووية مع إيران وأعادت فرض العقوبات عليها، وحَجَب كذلك حقيقة ما يحدث هناك ومن المُلام في دولة شرق أوسطية تتقلب وسط عزلةٍ سياسية واقتصادية على مدار العقود الأربعة منذ ثورة 1979 التي جاءت بالجمهورية الإسلامية.

توجه متزايد لا يقتصر على إيران.. تعرف على قائمة الدول التي تستخدم الإنترنت أداة للقمع 

علَّق مارسين دي كامينسكي، خبير التكنولوجيا وحقوق الإنسان في منظمة Civil Rights Defenders بالسويد، قائلاً إنَّ انقطاع الإنترنت هو جزءٌ من توجُّهٍ متزايد بين الحكومات التي تحاول عزل مواطنيها عن العالم خلال الفترات المحفوفة بالمخاطر. 

وأضاف: «هم يستخدمون ذلك للحد من حرية التعبير أو حرية التجمع، وغالباً ما يقترن ذلك الانقطاع بالانتخابات أو الصراع أو الأشكال المختلفة من الاضطرابات المدنية. 

ويحدث هذا في سياقاتٍ مختلفة عديدة من أوغندا إلى بورما (المعروفة أيضاً باسم ميانمار)».

ففي إثيوبيا مثلاً، تحظر الدولة الإنترنت من حينٍ لآخر منذ محاولة انقلابٍ فاشلة على الحكم. 

في حين تحجب فنزويلا باستمرار مواقع تويتر ويوتيوب وفيسبوك وخدمات أخرى تستلزم الوصول للإنترنت أو بيانات الهاتف؛ وذلك في جزءٍ من محاولة إحباط المعارضة السياسية وتقويض تأثير الاحتجاجات الحاشدة. 

إلى جانب ذلك، أوقفت الهند خدمات الإنترنت عن كشمير لأكثر من ثلاثة أشهر وسط الاضطرابات السياسية التي شهدتها.

ولكن النظام في طهران يواجه الوضع الأسوأ

وتسارعت وتيرة الاحتجاجات في إيران عقب رفع أسعار الغاز بنسبة 50%، في الوقت الذي أسهمت فيه العقوبات التي أعاد الرئيس دونالد ترامب فرضها على طهران في ارتفاعٍ حاد في معدلات التضخم مقابل جمود الرواتب. 

ويتوقع البنك الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 8.7% هذا العام؛ نتيجةً لانخفاض الإيرادات بعد حظر صادرات النفط، وفرض قيودٍ على قطاعات البتروكيماويات والمعادن والتعدين. ويصعب حصول المواطنين على بعض السلع الاستهلاكية والأدوية الأساسية.

من جانبها، قالت هدى كتبي، كاتبة ومنسقة مجتمعية أمريكية من أصل إيراني وتقيم في ولاية شيكاغو، التي نشرت كتاباً عن صناعة الأزياء الإيرانية السرية: «عندما كنت في إيران في شهر مارس/آذار، شاهدت أشخاصاً يصطفون في طوابير لشراء حصص الإعاشة الحكومية واللحوم المدعومة. لا تحقق الدولة أي إيرادات. وصارت العملة عديمة القيمة».

وفقدت العملة الإيرانية أكثر من نصف قيمتها مقابل الدولار الأمريكي منذ أن أعادت إدارة ترامب فرض العقوبات.

عقوبات ترامب أضعفت اقتصاد البلاد/رويترز

وتحدثت هدى إلى صحيفة USA TODAY على هامش فعالية VOICES، وهي تجمعٌ سنوي لقادة مجال الموضة ومصممي الأزياء يُقام في أكسفورد بإنجلترا.

وخلال الفعالية ظهرت الشقيقتان الإيرانيتان، شيفا وشيرين فاقار، اللتان سافرتا من طهران للحديث عن ماركة الأزياء خاصتهما.

وقالت شيفا فاقار: «الأمر صعبٌ علينا للغاية، ليس فقط كمصممتين جديدتين، ولكن كإيرانيتين.. نواجه الكثير من العقوبات والقيود في التزود بالأقمشة، والعثور على شركات الإنتاج، وإقناعهم بإنتاج تصاميمنا. ونواجه مشكلات في إرسال منتجاتنا خارج إيران (إذ لا نملك خدمة FedEx)، والأنظمة المصرفية مغلقة». لكنها على الرغم من ذلك تقول: «نحن نحاول».

ولم تتمكن هدى والشقيقتان فاقار -وهن صديقات منذ مدة طويلة- من التواصل معاً قبل الفعالية نظراً لقطع الإنترنت في إيران. وتقول هدى إنَّها لم تتمكن من التواصل مع عائلتها في إيران.

ولذا تفكر طهران في خلق مستويات مختلفة من الإنترنت 

وأوضح أمير رشيدي، خبير في أمن الإنترنت، أنَّ إيران درست فكرة إنشاء مستويات مختلفة من مستويات الوصول إلى الإنترنت.

وأشار إلى مقابلةٍ أُجريت في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني مع حميد فتاحي، المسؤول رفيع المستوى في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيرانية، ناقش فيها احتمال تقسيم إمكانية الوصول إلى الإنترنت بناءً على «الطبقة الاجتماعية والاحتياجات الوظيفية».

ولم يتضح فوراً ما إذا كانت إيران لا تزال تدرس في مثل تلك المبادرة، التي قد تُستخدم في قمع الأصوات المعارضة. 

وقد اتخذت الصين وروسيا خطوات أو لا تزالان تختبران طرقاً لتسيير حركة الإنترنت من خلال قنواتٍ خاضعة لرقابة الدولة

وبالفعل ظلت أجهزة الحكومة متصلة بالإنترنت

وظلت البنوك المحلية في إيران والمستشفيات والوكالات الحكومية والهياكل والخدمات الرئيسية الأخرى في الدولة، مثل الشرطة، متصلةً بالإنترنت خلال انقطاعه وفقاً لخبراء الأمن الرقمي والإيرانيين المتصلين بصحيفة USA TODAY على مدار الأسبوع الماضي.

وأضرم المتظاهرون في إيران النار في البنوك وأقسام الشرطة ونهبوا مباني المكاتب الحكومية وقطعوا الطرق، وفقاً للمجموعات الحقوقية. وقد أوردت منظمة العفو الدولية وفاة ما لا يقل عن 100 إيراني في الاحتجاجات خلال محاولة قوات الأمن فض التجمعات باستخدام الذخيرة الحية.

والمحتجون وصلوا إلى بعض الحيل للتغلب على قطع الإنترنت

ووجد بعض الإيرانيون حيلاً للحصول على وصولٍ محدود للإنترنت. وبدا أن الصور ومقاطع الفيديو التي سُربت خارج إيران تُثبت مزاعم العنف، غير أنَّ الحكومة أنكرت أرقام الوفيات التي أصدرتها منظمة العفو الدولية واعتبرتها محض شائعات.

وقال محمد فرحاني، رئيس تحرير وكالة ميزان الإخبارية Mizan News Agency الرسمية التي تُغطي هيئة القضاء الإيرانية، لصحيفة USA Today في رسالة عبر الشبكات الاجتماعية: «جاء تقرير منظمة العفو الدولية بناءً على مصادر معادية لإيران، وهذه المصادر لا يمكن الاعتماد عليها.. يملك الشعب الإيراني الحق في التظاهر كما في أي مكانٍ آخر، لكن هؤلاء الذين يحرقون البنوك والمتاجر ليسوا متظاهرين (إنَّهم مثيرو شغب)».

وحاولت السلطات الإيرانية إلقاء اللوم في هذه الاضرابات على محرضين تربطهم علاقات بالحكومات الأجنبية. 

إيران اتهمت المتظاهرين بوجود صلات مع جهات أجنبية

وأفادت وكالة أنباء فارس Fars New Agency شبه الرسمية بـ»القبض على مجرمين، خلال أعمال الشغب الأخيرة، اعترفوا بتلقي 60 دولاراً مقابل كل مبنى يتم إضرام النار فيه». ولم يفد تقرير فارس بالجهة الممولة المُحتملة.

لكن سينا توسي، الباحث في المجلس الوطني الإيراني الأمريكي؛ وهي مجموعة مقرها واشنطن العاصمة تهتم بتعزيز الروابط بين الأمريكيين والإيرانيين، قال: «لا تقبل الحكومة الإيرانية تجمع الأشخاص العاديين سلمياً لعرض مظالمهم.. وإذا كانت إيران صادقةً بشأن التمييز بين التظاهر وأعمال الشغب، فعليها أن تُسهِّل على الأقل هذه الخطوة الأولى، وهي السماح للناس بالتعبير عن مظالمهم علناً».

وأضاف توسي أيضاً أنَّ مجموعات الواتساب التي تضم عائلته وأصدقاءه في إيران والتي كانت دائماً مكاناً لتبادل «الصور والرسائل» أصابها «صمتٌ مشؤوم» منذ الـ17 من نوفمبر/تشرين الثاني.

التدخل الأمريكي يغضب حتى المعارضين

وقال دبلوماسي إيراني، أصر على إخفاء هويته لأنه غير مخول بالتحدث علناً عن هذه المسألة، قال إنَّ الإنترنت قُطع للتأكد من «ألا يتم تضليل الإيرانيين وإغراقهم بالأخبار الكاذبة».

وتشمل هذه «الأخبار الكاذبة» وفقاً للمسؤولين الإيرانيين اعتبار كل مظاهرة تحدث في إيران علامة على اقتراب الإطاحة بالنظام في انتفاضة شعبية. 

ويسري الأمر نفسه بالنسبة لعددٍ من الإيرانيين الذين يرغبون في علاقاتٍ أقرب مع الغرب ولا يتعاطفون بالضرورة مع حكومتهم أو أساليبها الجائرة، لكنهم في الوقت نفسه يُعارضون تدخلات المسؤولين في إدارة ترامب.

إذ قال مسعود غولسورخي، محرر في مجلة من أصلٍ إيراني ويقيم في لندن، خلال فعالية VOICES في أوكسفورد هذا الأسبوع: «الأمر أكثر تشعباً من ذلك».

ومع ذلك، نشر ترامب بنفسه تغريدة على تويتر يوم الخميس الماضي قال فيها إنَّ «إيران صارت مضطربةً للغاية لدرجة أنَّ النظام هناك قطع شبكة الإنترنت بكاملها.. إنهم يريدون تعتيماً كاملاً، معتقدين أنَّ العالم لن يعرف بحالات القتل والكوارث التي يتسبب بها النظام الإيراني». 

وفي اليوم نفسه قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، أكبر دبلوماسيي الولايات المتحدة: «طلبتُ من المتظاهرين الإيرانيين أن يرسلوا لنا مقاطع فيديو والصور والمعلومات التي تُوثِّق أعمال القمع التي ينفذها النظام ضد المتظاهرين. وسوف تكشف الولايات المتحدة الانتهاكات وتُعاقب عليها». 

الاحتجاجات وضعت الرئيس الإيراني في مأزق/رويترز

وفي اليوم التالي، الجمعة 22 نوفمبر/تشرين الثاني، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني محمد جواد آذري جهرمي، لدوره في «الرقابة واسعة النطاق على الإنترنت».

إلّا أنَّ توسي حذّر من أنّ «مسؤولي الولايات المتحدة ينبغي لهم أن لا يُخطئوا في فهم تعبير الإيرانيين المشروع عن مظالمهم، وغضبهم من حكومتهم، باعتباره ترحيباً بتدخل الولايات المتحدة مرةً أخرى في الشأن الإيراني الداخلي». 

إذ كانت النقطة الأبرز في ذلك التدخل هي انقلاب عام 1953 الذي دبرته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذي أطاح برئيس الوزراء الإيراني المُنتخب ديمقراطياً. وأضاف: «هناك تاريخٌ طويل قبيح لتدخل الولايات المتحدة في الشأن الإيراني الداخلي، وهو لم يزد الأمور إلا سوءاً للشعب الإيراني واستقرار المنطقة».

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *