مرآة الاقتصاد

الاقتصاد التركي.. تحديات كبرى أم أزمة حقيقية؟

لم تكن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس السبت، حول ضرورة تخفيض سعر الفائدة في البنوك التركية للقضاء على التضخم وارتفاع الأسعار إلا امتدادا لتصريحات أخرى كان آخرها في نوفمبر الماضي عندما انتقد سياسة البنك المركزي التي تتبنى رفع أسعار الفائدة، فالرئيس التركي يرى أن رفع نسب الفائدة هو السبب الرئيسي وراء التضخم، وأن زيادتها يقلل فرص الحصول على القروض، إضافة إلى دورها في تخفيض إنفاق الأفراد والشركات الأمر الذي ينعكس سلبا على النمو الاقتصادي لتركيا. كما يؤمن الرجل أن الفائدة سبب كل بلاء في عالم الاقتصاد، فالفائدة تزيد من فقر الفقير، وتغني الغني أكثر، ومؤسسات التمويل هم الذين يقفون وراء ارتفاع نسب الفائدة.

وفي المقابل، البنك المركزي التركي واللوبي المالي المناوئ لسياسات الرئيس التركي يرون ضرورة رفع نسب الفائدة حتى يتم السيطرة على معدلات التضخم التي وصلت إلى 13%، وهي أعلى نسبة منذ عشر سنوات، وهو ما يخدم مصالحهم في رفع حجم الودائع، وخلق فرص استثمارية أكبر في الأسواق الخارجية في الأصول المقومة بالدولار أو اليورو. المفارقة هنا أن رؤية الرئيس التركي تعاكس “النظريات الاقتصادية” التى تؤكد على ضرورة تبني سياسة انكماشية متمثلة في رفع أسعار الفائدة للسيطرة التدريجية على التضخم.

ولكن بوضع هذا الاختلاف في وجهات النظر في السياق السياسي للساحة التركية اليوم نجد أن أردوغان يحارب على كل الجبهات في سبيل تحقيق أهداف تركيا 2023، ويدرك أردوغان أن الورقة الاقتصادية هى الأهم في سبيل الوصول لتلك الأهداف، كما يدرك خصومه الداخليين والخارجيين بعد فشل كل محاولاتهم في إيقاف عجلة النمو التي صاحبت فترة حكم العدالة والتنمية أن الاقتصاد هو الملاذ الأخير للحد من نجاحات أردوغان ومحاولة زعزعة مكانته الشعبية خصوصا قبيل الانتخابات الرئيسية المقرر إجراؤها في نوفمبر 2019.

فعلى على مدار الـ17 عاما الماضية، كانت الورقة الاقتصادية بمثابة الرافعة الشعبية للعدالة والتنمية عموما والرئيس أردوغان بصفة خاصة. ولكن اليوم، وفي ظل تغير المعطيات الدولية، ومع تحول الرئيس التركي لقائد للعالم الإسلامي، ومع استعادة مكانة تركيا الإقليمية وتعزر مكانتها على الساحة الدولية أصبح من الضرورة إيقاف مسيرة الرجل بأي ثمن، ولم تكن المحاولة الانقلابية الفاشلة إلا حلقة من حلقات تلك المحاولات.

واقع الاقتصاد التركي
أعلنت مؤسسة الإحصاء التركية قبل أيام أن الاقتصاد التركي حقق نمو وصل 7.4 % في العام 2017، وأن معظم القطاعات الاقتصادية حققت معدلات نمو جيدة مقارنة بالعام 2016. وساهمت العديد من الأسباب في تحقيق ذلك النمو. فالاقتصاد التركي لم يصل إلى مرحلة التشبع مثل الدول المتقدمة (فمعظم الدول التي حققت أفضل معدلات نمو في العام 2017 هي دول ناشئة مثل تركيا، الصين، الهند، اندونيسيا) حيث إن القطاعات الاقتصادية في هذه الدول لديها مساحة أكبر لامتصاص المزيد من النمو (كونها في مرحلة انتقالية وغير متشبعة). كما لعبت سياسة الحكومة التحفيزية للقطاع الخاص في نمو قطاع الاستثمار بنسبة وصلت 9% من خلال تبنيها نظام ضمان الائتمان الحكومي على القروض، حيث تم ضخ قرابة 70 مليار دولار (من البنوك) إلى الشركات التركية. إضافة إلى ذلك ساهم انخفاض الليرة التركية في ارتفاع حجم الصادرات التى وصلت أعلى مستويات لها في تاريخ تركيا (157 مليار دولار).

ناهيك عن الدور الذي قام به الرئيس أردوغان في استغلال العلاقات السياسية في دعم الاقتصاد الوطني من خلال العدد الهائل من الاتفاقيات والمعاهدات التجارية والاستثمارية التى وقعتها الحكومة خلال العام 2017 مع معظم دول العالم، الأمر الذي قلل من تأثير المخاطر السياسية أو مخاطر السوق، حيث انعكست تلك الاتفاقيات إيجابا على معظم القطاعات الاقتصادية خلال العام. إضافة إلى حالة التماسك التي أظهرها الاقتصاد التركي بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، انعكست ايجابيا على ثقة المستثمرين بصلابة الاقتصاد التركي، وظهرت آثارها في العام 2017.

ولكن، في المقابل، نجد خلال العام 2017 ارتفع عجز الموازنة إلى 13 مليار دولار مقارنة بـ 9.6 مليار دولار في العام 2016، حيث ساهمت اجراءات الحكومة التركية المتمثلة برفع الحد الأدنى للأجور تماشيا مع ارتفاع معدلات التضخم وتحسين برامج الضمان الاجتماعي، كما ساهمت زيادة الإنفاق العسكري، والحوافز الاستثمارية في زيادة نسب العجز (وتأتي تلك الإجراءات ضمن برنامج حكومي للسيطرة على ارتفاع الأسعار، ودعم استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي).

تحديات كبرى أم أزمة حقيقة
بالرغم من ما تحقق على الصعيد الاقتصادي في العام 2017، إلا أن الصورة في العام الحالي اختلفت بصورة كبيرة باختلاف المعطيات الداخلية والخارجية.

فعلى الصعيد الداخلي، يعتبر التحدي الأكبر للحكومة التركية هو تجنب توقف عجلة النمو الاقتصادي، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات التضخم، واستمرار اختلاف وجهات النظر حول السياسات النقدية (الأمر الذي يؤثر على استقلالية البنك المركزي)، وزيادة عجز الحساب الجاري في ظل استمرار عدم استقرار سعر صرف الليرة التركية، والاعتماد الكبير على التدفقات الرأسمالية قصيرة الأجل. فالحكومة التركية سوف تحاول بأي ثمن تجنب تبني سياسة انكماشية قد تنعكس سلبا على عجلة النمو خصوصا في ظل الاستحقاق الانتخابي القادم.

والجدير بالذكر أن الحكومة التركية والرئيس التركي يدركون حجم تلك التحديات، ولكنهم ينتقدون من يروجون لها وكأنها أزمات. حيث انتقد أردوغان بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية الذين حذّروا من أزمة اقتصادية في البلاد، قائلاً في هذا السياق: “ترون النمو الذي حققه الاقتصاد التركي في العام الماضي. صحيح أنه يجب علينا أخذ كافة التدابير لمواجهة التحديات، ولكن هذا لا يعني أن نروج بأن اقتصادنا يعاني من أزمة”.

أما على الصعيد الخارجي، فالحكومة التركية تحارب على جبهات مختلفة. فارتباط التجارة الدولية بالدولار، وحساسية المؤشرات الاقتصادية في الدول الناشئة بالسياسات النقدية للولايات المتحدة الأمريكية، تمثل أحد أكبر تلك التحديات التي لا يمكن تجنبها في ظل المعطيات الدولية الحالية، حيث تساهم بعض السياسات النقدية للولايات المتحدة التي قد لا تتفق مع أهداف الحكومة التركية في تفاقم أزمة بعض المؤشرات. فعلى سبيل المثال، قرار البنك الفيدرالي الأمريكي برفع سعر الفائدة أدى رفع سعر الدولار وانخفاض قيمة العملات المحلية في معظم الدول النائشة، فالاقتصاد التركي تأثر سلبا بهذا القرار، حيث أصبح الاستثمار في الأصول المقومة بالدولار الأمريكي أكثر إغراء من الاستثمار في الدول الناشئة، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى تحويل رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة (تركيا، البرازيل، ماليزيا وغيرها) إلى السوق الأمريكي، الأمر الذي يفاقم عجز الحساب الجاري، ناهيك على زيادة أعباء الديون التركية المقومة بالدولار الأمريكي.

وفي نفس السياق، أدت سياسة ترامب المتعلقة بالمعاهدات التجارية، وفرضه قيود على الواردات من الصين والأسواق الأخرى، إلى تراجع أداء الأسواق الآسيوية لاسيما وأن معظم الشركات المدرجة في الأسواق الآسيوية تعتمد بصورة كبيرة في أربحاها على السوق الأمريكي.

فالتحدي أمام حكومة أردوغان يكمن في قدرتهم على إيجاد الحلول والبدائل الذي تخفف من وطأة السياسات الاقتصادية للولايات المتحدة، مثل اعتماد العملات المحلية لتبادل التجاري بين الدول، وهذا ما يدعو إليه وبدأ تطبيقه بالفعل بين روسيا وإيران، وتأمل الحكومة التركية في انضمام دول أخرى.

كما تشكل التقارير الدولية الصادرة عن وكالات التصنيف الائتماني تحد آخر للحكومة التركية، حيث تساهم التصنيفات المتقلبة والسلبية حول الاقتصاد التركي والتي تعكس حالة استغلال للمؤشرات السلبية للاقتصاد التركي في زعزعة نظام الرئيس التركي دون الحديث عن تفاصيل تلك المؤشرات وتداعيات تلك الأرقام، وكان آخر تلك التصنيفات في مارس (آذار) الماضي، حيث خفضت وكالة «موديز» تصنيف تركيا من «بي إيه 1» إلى «بي إيه 2»، مع الإبقاء على مظهر عام سلبي.

حيث ركزت على عجز الحساب الجاري وارتفاع حجم الدين الخارجي لتركيا. وتناولت تلك المؤشرات كأن تركيا هى الدولة الوحيدة التي تعاني من تلك العجوزات. كما ربطت الاقتصاد التركي بالمخاطر السياسية المرتفعة والذي أثبتت في الشهور الأخيرة، في ظل العمليات العسكرية، عدم تأثر الاقتصاد المباشر بتلك المخاطر.

لذلك من الانصاف أن يتم تناول تلك الأرقام الاقتصادية ووضعها في سياق تفاصيل الحالة التركية (في اعتقادي أن إدراك أردوغان لنوايا الأطراف الأخرى، وإن كانت تستخدم النظريات الاقتصادية، وتسوق إلى سوء إدارة الحكومة التركية للملف الاقتصادي، ليس من باب الحرص على الاقتصاد التركي بقدر ما هو محاولة لإيقاف عجلة أردوغان وإن كان على حساب الاقتصاد. وأعتقد أن كل تلك المعطيات تعكس حجم التحديات التي تواجه الحكومة التركية، ولكنها لم تصل إلى درجة أزمات حقيقة.

أحمد مصبح – عربي21

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *