أخبار متفرقة

«الرجال أكثر عدوانية من النساء».. لماذا يغضب البعض من هذه الحقيقة؟ وما السر وراءها؟

أُدرِّس وأكتب عن الشؤون الجنسانية. ولهذا يمكنني
أن أقول -أو أكتب- عبارة من قبيل: «الرجال في المتوسط أكثر عدوانية من
النساء».

أحياناً ما تُقابل عباراتي
المشابهة بالقبول «هذا صحيح كلياً!» أو تُأخذ باعتبارها مجرد معلومة
فيتساءل أحد الطلاب «هل ستأتي في الاختبار؟».  إلا أنها أحياناً ما
تُقابل بالاعتراض أو ظهور علامات الإحباط أو الغضب في بعض المرات.

وكان هذا مفاجئاً لي في
البداية. إذ كان كلامي وادعاءاتي مبنية على دراسات بحثية قوية ومنهجية. هناك عادة
بضعة فوارق دقيقة، على سبيل المثال: تشترك النساء فيما يسمى العنف المنزلي بالقدر
نفسه مثل الرجال. وعموماً، تشير الدراسات إلى أن الرجال أكثر عدوانية من النساء.

وقد استطعتُ، مع الوقت
والخبرة، فهم سبب وراء رد الفعل السلبي عندما ألتفظ بمثل هذه المقولات. إذ كان من
بين الردود الشائعة على عباراتي هذه: «إنه مجرد تنميط!»، أو أن يقدم
أحدهم أمثلة على أشخاص لا يُطابقون هذا النمط (مثل أن يخبرونني بوجود امرأة
عدوانية للغاية في محيطهم). 

وأدركتُ أن هناك خلطاً
شديداً في الفرق بين الاختلافات الجنسانية بين الرجال والنساء والتنميط.

أدركتُ أن ردود الفعل
الغاضبة على كلامي عن الاختلافات الجنسانية، أي الاختلافات بين الرجال والنساء،
كانت مدفوعة في الغالب بقلق من أنني لا أُقدر الاختلافات بين الرجال والنساء، أو
فكرة وجود رجال ونساء بعينهم لا يطابقون النمط المعتاد.

والواقع أن علماء
الاجتماع  يقبلون هذه الأفكار كلياً. إذ إننا نشير إلى الاختلافات الموجودة
بين النساء وبعضهم البعض والاختلافات الموجودة بين الرجال وبعضهم البعض بالـ
«تفاوت داخل الجنس الواحد»، ويُعد سلوك الشخص الذي لا يوافق أو يطابق
السلوك الاعتيادي لباقي أنواع جنسه بالشاذ عن نوع الجنس (gender atypical behavior).

وإذا أراد علماء الاجتماع
والكتاب وأساتذة الجامعة والمعلمين أن يفهم الناس الفرق بين الاختلاف الجنساني
(مثل الفرق بين متوسط درجات الرجال ومتوسط درجات النساء) والتنميط الجنساني، علينا
أن كعلماء وكتاب أن نؤدي عملاً أفضل في إيصال ما يلي: أولاً، أنه من الطبيعي أن
يكون هناك اختلافاً جنسانياً (مثل حقيقة أن متوسط طول الرجال أكبر من نظيره عند
النساء)، وثانياً، أنه يمكن أن تبقى هناك اختلافات واستثناءات بين نوع الجنس
الواحد (كامرأة أطول من معظم الرجال).

لماذا إذن لا نجعل -نحن
علماء الاجتماع- ذلك واضحاً؟

أولاً، قد يرى علماء
الاجتماع أن هذه النقاط مفهومة وبديهية ولا حاجة لتوضيحها. إلا أن هذا اعتقاد خاطئ
كما هو واضح، وإلا لما كانت البيانات المتعلقة بالاختلافات الجنسانية تلقى ردود
فعل سلبية أحياناً. وثانياً، أنه يندر مناقشة الاختلافات الجنسانية دون إنقاص من
المعلومات.

النقطة الثانية يمكن شرحها
من خلال حوار دار بيني وبين ابنتي عندما كانت طفلة. كنا أمام نافذة استلام الطلبات
في أحد مطاعم الوجبات السريعة، وقد سأل الشخص المسؤول عن تسليم الوجبات ما إذا كنا
نريد «لعبة أولاد» أم «لعبة بنات» مع وجبة الأطفال. وبعد أن
أخذنا طعامنا، ولعبتها، أخبرتها أنه لا يوجد ما يُسمى «لعبة بنات» أو
«لعبة أولاد» وأن الأطفال ينبغي أن يكونوا قادرين على اللعب بالألعاب
جميعها أياً كانت. 

قالت ابنتي: «حسناً،
أعقد أن الرجل قصد أن هناك ألعاباً يختارها الكثير من الأولاد وعدد أقل من البنات،
وهناك ألعاب يختارها الكثير من البنات وعدد أقل من الأولاد. لكنه لا يملك الوقت
لقول كل هذا لأن الناس يريدون أخذ طعامهم».

وكانت وجهة نظرها سديدة. إذ
قد أقول إن «الرجال أكثر عدوانية من النساء» لأنني لا أريد إضافة كل
التنبيهات اللازمة.

كيف يمكن إذن أن نعرف الفرق
بين الاختلافات الجنسانية والتنميط الجنساني؟ وذلك لأن عبارة واحدة على غرار
«الرجال أكثر عدوانية من النساء» لا تُعطي المعلومات الكافية لمعرفة
الفرق. لكننا على الرغم من ذلك، إذا تحدثنا أكثر مع شخص ما، سنجد علامات توضح ما
إذا كان المتحدث يناقش الاختلافات الجنسانية على المستوى المتوسط أو أنه مدفوع
بتفكير نمطي. 

وفيما يلي
الخصائص المميزة لأصحاب التفكير النمطي:

1- يعتبرون
كل الرجال متشابهين وكل النساء متشابهات.
إذا قال شخص ما إن الرجال أفضل من النساء في الرياضيات، وكان يعني
أن كل الرجال بالأساس أفضل من كل النساء في الرياضيات، فهذا تفكير نمطي. عادة ما
لا يقبل الأشخاص الذين يؤمنون بالتنميط فكرة وجود أقلية كبيرة من الأفراد لا ينطبق
عليهم النمط العام. وقد يسمحون بالاستثناءات، لكن الاستثناءات نادرة. بل وربما
يعتبرونها استثناءات تؤكد القاعدة.

2- يعتقدون
أن على جميع الرجال أن يكونوا متشابهين والنساء كذلك.
وتفوق الرجال على النساء في الرياضيات، كما في المثال السابق، هو
مثال على التنميط الوصفي. وعادة ما تكون العبارات المتعلقة بما ينبغي أن يكون عليه
الرجال والنساء مدفوعة بالتنميط التوجيهي. فكر مثلاً في شخص يقول إن الرياضات
القتالية ليست للبنات. قد يرى هذا الشخص أن البنات أضعف من أن تمارسن الرياضات
القتالية، أو أن ممارستهن لها غير ملائمة. وإذا كان الأمر هكذا، فكلام هذا الشخص
مدفوع بالتنميط التوجيهي. وقد يكون على معرفة ببعض البنات اللاتي يمارسن رياضات
قتالية غير أنه يرى أنه لا ينبغي للبنات ذلك.

3– يستخدمون القوالب النمطية لوضع افتراضات عن
الأفراد.
والعلامة الأكثر وضوحاً
على التفكير النمطي، وهي الجانب الإشكالي أيضاً، هو أن القوالب النمطية يُمكن
استخدامها لأخذ استدلالات أو وضع افتراضات عن الأشخاص. وعلى سبيل المثال، إذا
اقترح الاستشاري الدراسي على طالبة أنثى أن تلتحق بفصل لغة لأنها على الأرجح لا
تحب الرياضيات على أي حال، هنا يكون الاستشاري قد استخدم التنميط (الأولاد يحبون
الرياضيات أكثر من البنات) لوضع افتراض معين لطالبة من الطلاب. وبالمثل، إذا نودي
ممرض ذكر باستمرار بـ «الطبيب» فالمرضى هنا يستخدمون القوالب النمطية
(النساء ممرضات والرجال أطباء) لوضع افتراض عن مهنته.

تعمل شروحات الاختلافات
الجنسانية ببساطة على توفير معلومات عن أداء الرجال والنساء في بعض النماذج؛
المتعلقة ببعضها البعض. ومع ذلك، عندما يُساء فهم هذه الاختلافات وينتج التفكير
النمطي، يمكن أن يكون ذلك مدمراً للرجال والنساء على السواء. على سبيل المثال، إذا
نُصحت طالبة أنثى بشيء آخر غير صف الرياضيات المتقدمة، قد لا تحظى بالفرصة لاكتشاف
ما إذا بارعة وموهوبة في الرياضيات من الأساس.

ومن شأن التفكير النمطي
أيضاً أن يكون مدمراً إذا ما استُخدَّم على أنه كلام موضوعي عن نوع الجنس. فعلى
سبيل المثال، قد يُخبر الطبيب امرأة حامل أن الأمهات يتعاملن مع الرضيع بشكل أفضل
من الآباء. وفي الحقيقة، تُظهر الأمهات بالفعل قدراً أكبر من المشاعر
والاهتمام  في الاعتناء بالرضع مقارنة بالآباء. غير أن هناك الكثير من
العائلات حيث الأب أكثر مهارة في تقديم الرعاية من الأم. لكن في هذه الحالة، ولأن
الطبيب قدم نوعاً من التنميط على أنه حقيقة مُطلقة (أن النساء أفضل من الرجال في
التعامل مع الرضع) فقد نكون أمام نبوءة تُحقق نفسها، ولأن كلا الوالدان يتوقعان أن
تكون الأم أفضل في تقديم الرعاية، فقد تكتسب الأم بالفعل مهارات أفضل في هذا الأمر
مع مرور الوقت. لكن دون أن يكون للأب أي دور في عملية العناية بالطفل، لأن الطبيب
أخبرهم أن الأمهات أفضل من الآباء في العناية بالطفل. 

ولأن المشكلات المتعلقة
بنوع الجنس (والأصل العرقي والإثني والحالة الاجتماعية والاقتصادية) مُعقدة ويمكن
أن تؤدي إلى التفكير النمطي، أحياناً ما يكون الأسهل هو تجنبها وإغفال
النقاشات  المتعلقة بالنواحي التي يمكن أن يختلف فيها الأولاد والبنات
والرجال والنساء. إلا أنني لا أظن أن هذه هي الإجابة الصحيحة. بل أرى أن علينا حث
أنفسنا على إدراك الفرق بين الاختلاف الجنساني على المستوى المتوسط والتنميط
الجنساني في كلام الآخرين وفي تفكيرنا نحن. وسيمنحنا تعلم أوجه الاختلافات بين
الرجال والنساء في المتوسط، وعن التفاوتات الموجودة داخل كل جنس، إدراكاً كاملاً
للدور الذي يؤديه نوع الجنس في حياتنا.

– هذه
المدونة مترجمة عن موقع
Psychology Today الأمريكي.

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *