مرآة العالم

المدن الفاضلة: أربعة تواريخ مختلفة (2-4)

القديس أوغسطين

ولد أوغسطين (354- 430) في تاغشت المعروفة اليوم بسوق أهراس شرق الجزائر على الحدود مع تونس، وكان أبوه
وثنيا، في ما كانت أمه مسيحية.

درس النحو والفنون
والخطابة، واستهواه في البداية مذهب المانوية، ففيه وجد نزعة عقلية لم يجدها في
المسيحية لسببين، الأول أنه عجز عن فهم عقيدة الخطيئة، والثاني عجزه عن إدراك وجود
جوهر روحي مجرد عن المادة (الله).

وصل به الأمر بداية
إلى إنكار وجود الله، وقد ترتب على هذا الموقف قيامه بشن هجمات خطابية قوية ضد
الدين المسيحي.

بعد ذلك اتجه أوغسطين
لقراءة الأفلاطونية المحدثة فوجد فيها تشابها مع المسيحية في ما يتعلق بالجوهر
المفارق (الله)، ثم أخذ يقرأ الكتاب المقدس، وهنا بدأ التحول الحقيقي نحو المسيحية.

يعد القديس أوغسطين
مؤسس اللاهوت السياسي المسيحي، ولذلك فهو ينظر إلى نفسه على أنه لاهوتي وليس
فيلسوفا، على الرغم من أنه أول كاتب حقيقي كتب في موضوع المجتمع المدني بعد تحول
المسيحية إلى دين رسمي في الإمبراطورية الرومانية نهاية القرن الرابع.

 

اقرأ أيضا: المدن الفاضلة: أربعة تواريخ مختلفة (1-4)


باعتباره رجل دين، لم
ينطلق أوغسطين في معالجته للشأن الاجتماعي من منطلق سياسي، وإنما انطلق من الكتاب
المقدس (الإنجيل) لأنه يحتوي الحقيقة والطريق المؤدية إليها.

ومع ذلك، لم يميز
أوغسطين بين الدين والفلسفة، فهما بالنسبة إليه متصلتان، على عكس رجال الدين في
الحضارة الإسلامية الوسيطة، وذلك لأن المسيحية أعطت منذ بدايتها دورا كبيرا
للفلسفة، فآراؤه في الفلسفة والسياسة تعتبر جزءا لا يتجزأ من منظومته اللاهوتية.

عاش القديس أوغسطين في
مرحلة من أصعب المراحل التي شهدتها الإمبراطورية الرومانية، فقد عاين صعود
المسيحية وتحولها إلى ديانة رسمية للإمبراطورية عام 380، كما عاين انحدار
الإمبراطورية مع دخول البرابرة بقيادة الغوطيين الغربيين إلى مدينة روما عام 410
ونهبها بالكامل.

في هذا المناخ، بدأت
أصوات تُحمّل المسيحية المسؤولية عن سقوط روما التي تخلت عن ديانتها الوثنية
التاريخية واعتنقت المسيحية، وفي هذا المناخ الذي استمر قرونا، حدثت فوضى عارمة في
أنحاء الإمبراطورية.

مدينة الله

يتألف كتاب
“مدينة الله” من اثنين وعشرين كتابا، يخصص أوغسطين الكتب العشرة الأولى
للرد على الوثنيين وإثبات عجزهم في توفير السعادة الأرضية في هذا العالم، والسعادة
الأبدية في العالم الآخر.

ومن المهم التنبيه هنا
إلى أن ما يقصده القديس أوغسطين بـ مدينة الله ليس العالم الأخروي، وإنما يقصد
جماعة المؤمنين المسيحيين في العالم الأرضي، فهذه الجماعة المؤمنة على الأرض هي ما
يسميها أوغسطين بـ مدينة الله، كمقابل للجماعات التي لم تلتزم بمبادئ المسيحية.

ومن المهم التأكيد
أيضا أن مدينة الله هذه ليست هي الكنيسة كمؤسسة، لأن الكنيسة فيها ناس أتقياء
وفيها ناس لم يخلصوا.

يقول أوغسطين:

حب الذات، لحد
احتقـــار الله، صنع
المدينة الأرضية،
وحــب الله لحـــد
احتقــــار الـــذات،
صنــع المدينـــة
السماوية، المدينة
الأولــى تتمجد
في ذاتها، أما الثانية
فتتمجد فــي
الــرب، الأولى تبحث
عــن مجد آت
من البشر، أما
الثانية، فإن الله هو
مجدها الأكبر.

المدينة الأرضية تعمل
على نصرة الظلم، وقد بلغت أوج عظمتها في الإمبراطورية الرومانية، أما المدينة
السماوية أو مدينة الله فهي تجاهد لتحقيق العدالة.

هاتان المدينتان
تشتركان في الحاجات الدنيوية، وهما متشابكتان في ما بينهما، لكنهما مختلفتان في
الإيمان، أحدهما وعدت بالخلاص، والثانية استبعدت من الخلاص.

هذا التداخل بين
المدينتين يحتم تقديم نظرية في الاجتماع والسياسة، لأن البشر في المدينتين يعيشون
في العالم الأرضي الذي هو نتاج الخطيئة.

ومع أن الدولة هي
نتيجة الخطيئة، إلا أن وجودها وعملها يتفقان مع خطة الله للعالم، ويجب على المسيحي
الاعتراف بالمؤسسات السيادية المدنية ويعمل وفقا لها.

اللاهوت الأوغسطيني
يقول عزمي بشارة، هو لاهوت تبريري لشرعية الملكية الإمبراطورية الرومانية،
فالإمبراطور يحكم بفعل اللطف الإلهي (من محبة الله لخلقه ولطفه بهم أنعم عليهم
بالإمبراطور).

في هاتين المدينتين
الأرضية والسماوية، على البشر طاعة الحكام، لأن مسألة الطاعة أو السيادة، ليست سوى
فدية للخطيئة، وعلى البشر تحملها، وفي هذا كان أوغسطين يستكمل تراث الآباء الأوائل
للكنيسة في واجب طاعة الإمبراطور المسيحي، حتى ولو كان طاغية.

وقد فسر البعض فكر
أوغسطين تفسيرا خاطئا، حين اعتبروا أن أوغسطين يدعو إلى السلطتين معا، السلطة
الروحية والسلطة الزمنية، والحقيقة أن السلطة الروحية عنده لا تحكم العالم، فمدينة
الله مدينة سماوية أخلاقية تجمع الأخيار الذين يقاومون الخطيئة.

إن هذه الطاعة للسلطات
المدنية، تعود إلى أن أوغسطين يعالج مسائل أخلاقية في مستواها الخاص، دون إشارة
إلى فروضها الميتافيزيقية السابقة، وهذا يعني بحسب ليو شتراوس، أن القديس أوغسطين
أراد استنباط معايير السوك البشري من مبادئ نظرية تسبق ما هو أخلاقي.

يوجد هذا النظام عندما
تحكم النفس البدن، ويحكم العقل الشهوات، ويحكم الله الفعل ذاته، وهذا النظام يجب
أن يوجد في المجتمع أيضا، عندما تطيع الذوات الفاضلة حكاما حكماء يُخضِعون عقولهم
للقانون الإلهي.

غير أن أوغسطين يحذر
المؤمنين من عدم الخضوع للسلطات العليا إذا كان ذلك يخالف أوامر الله ونواهييه،
وهنا يعيد التذكير بالمقولة الكلاسيكية “ما لله لله، وما لقيصر لقيصر”.

ولا يقصد أوغسطين بعدم
الطاعة، العصيان، فهذا أمر مرفوض في القاموس اللاهوتي عنده وعند آباء الكنيسة،
وإنما المقصود بعدم الطاعة، هو الرفض والمقاومة السلبية فقط.

إن هذه الطاعة، كانت
ضرورية جدا بالنسبة لـ أوغسطين في زمن تعددت فيه الثقافات والعادات والتقاليد، وفي
زمن لم يعد تُقدر فيه تعاليم المسيح، لأنها تعمل على تفادي الفوضى.

هذه المدينة التي تجمع
المؤمنين وغير المؤمنين، يجب أن تكون خاضعة للتشريع الأرضي من أجل تحقيق السلام،
على الرغم من أنها ليست عادلة، فالعدالة لا تتحقق إلا في مدينة الله.

العدالة

يميز أوغسطين بين
القانون الأزلي الذي بفضله تنظم الأشياء وفق إرادة الله، وبين القانون البشري الذي
يكيف المبادئ العامة للقانون الأزلي.

وقد طبع الله القانون
الأزلي في العقل الإنساني بحيث يستطيع الجميع أن يعرفوه، أما القانون المؤقت
البشري، فهو وإن كان عادلا ـ لأن القانون الذي لا يكون عادلا لا يكون قانونا ـ إلا
أنه قانون غير كامل.

وما يميز القانون
الأزلي عند أوغسطين مقارنة بسابقيه، هو أنه ينزع العلمنة عنه، فالقانون الأزلي كان
يعني عند شيشرون بالقانون الطبيعي الموجود في العقل الإنساني بالطبيعة، أما
أوغسطين فيرجع القانون الأزلي إلى الله، ومن هنا ارتبط هذا القانون بالثواب
والعقاب.

هذه المدينة لا تتيح
كما يرى ستيفن ديلو لتجربة المجتمع المدني، فالمؤمنون يعيشون في خوف من الخطيئة،
وهم بالتالي في خوف من حريتهم، لأنهم يرون حريتهم إفصاحا عن الخطيئة.

يخالف ليو شتراوس هذا
الرأي، حيث يعتبر أن مدينة الله لا تبطل الحاجة إلى المجتمع المدني، فليس غرضها أن
تستبدل المجتمع المدني، وإنما أن تكمله عن طريق تزويده بوسائل تحقيق الهدف الأسمى.

وليس المقصود بالمجتمع
المدني آنذاك ما نقصده اليوم، من أنه مؤسسات ومنظمات وسيطة بين المجتمع والدولة،
وإنما كان القصد بالمجتمع المدني أنه المجتمع العادي الخالي من الرؤية الدينية على
مستوى الجماعة.

الكنيسة والدولة

كانت الكنيسة زمن
أوغسطين ما تزال في بداياتها الأولى، ولم تتشابك العلاقة بعد بين السلطتين الروحية
والزمنية، ولهذا جاءت نظريته السياسية هادئة ومكملة لآراء آباء الكنيسة، مثل
القديس أمبرواز  أسقف ميلانو والقديس حنا
كريسوستوم أسقف القسطنطينية.

تنادي هذه المواقف
بالفصل بين السلطة الروحية (الكنيسة) والسلطة الزمنية (الإمبراطورية)، وهذا الفصل
لا يمنع تعاونهما مع بعضهما البعض، فكل طرف بحاجة إلى الطرف الثاني من أجل استمرار
الحياة الطبيعية.

لا وجود عند أوغسطين
للتمييز الحاد بين السياسة والدين، فللسياسة وظيفة أخلاقية مباشرة، إنها أداة
للسيطرة على الشر وردع الأشرار، وقد وجد أوغسطين نفسه مضطرا إلى اللجوء للسلطة
الزمنية لمحاربة الهراطقة.

كان أوغسطين من الذين
ينادون بعدم استخدام القوة في الإيمان، لأن الإيمان حر والضلالة فردية، وقد ظهر
رأيه هذا في الرسالة التي وجهها إلى ماكسميان أسقف الدوناتيين (فرقة قالت بأن
المسيح إنسان وليس إله تأثرا بالأريوسية، ودعت إلى الثورة على السلطة الرومانية،
وانتشر المذهب في أوساط البرابرة في الجزائر).

هدفي ليس إرغام الناس
علــــى الانضمام
إلى شراكة مـــــا، بل
إفهام الحقيقة للـذين
يبحثون عنها بهدوء،
ولننصرف إلى معـالجة
الأمور على هدي عقولنا
وسلطة النصوص
المقدسة.

وعند فشله في إقناع
الدوناتيين من جهة، وانتشار الضلالة بشكل واسع في المجتمع من جهة أخرى، اتجه إلى
السلطات الزمنية لاستعمال العنف.

إن وجود المؤسسات
الزمنية هو نتاج لحالة الإنسان الذي وقع في الخطيئة (خطيئة آدم) وتذكير دائم بها.

وكما أن مدينة الله
تتشابك مع المدينة الدنيوية، كذلك تتشابك السلطات الروحية مع السلطات الزمنية، دون
أن يؤدي ذلك إلى تطابقهما، فلكل منهما حيزه الخاص، الذي لا يمنع تعاونهما معا.

وعلى الرغم من هذا
الفصل، تبقى للكنيسة مكانة عليا باعتبارها تجسد حكمة الله على الأرض، وتتجه نحو
النظام المطلق للمدينة السماوية.

وهذه المكانة العليا
للكنيسة، ستشكل الإرهاصات الأولية لتيار فكري سينشأ في ما بعد ينادي بالهيمنة
الكاملة للسلطة الروحية على السلطة الزمنية.


حسين عبد العزيز
كاتب وإعلامي سوري

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة