مرآة العالم

المفارقة السردية في “حكايات مجهولة” لرشيد الصقري

تمثّل المفارقة أحد العناصر الفنية الأساسية المكوِّنة للعمل الأدبي، لا سيما السردي القصصي، كما تمثل أحد المعايير التي يتم من خلالها تقييم الجانب الفني والحكم على أصالته وقيمته، علاوة على رصدها للرؤية الفنية للقاص ومدى قدرتها على تجسيد الواقع المعيش.

تعتمد المفارقة، في جوهرها، على التوحيد بين العناصر المتناقضة، وكسر حركة الحدث، وإحداث عنصر الدهشة لدى المتلقي. كما أنها، تنطوي على رؤية ثنائية مزدوجة للواقع تهدف إلى النفاذ إلى جوهره والإبانة عن تناقضاته؛ مما يجعل منها ضرورة ملحة للسرد القصصي.

وهي تهدف إلى كشف المتناقضات وتعرية الواقع الإنساني لتَغوص في أعماقه: “فقد تكون سلاحًا للهجوم الساخر، وقد تكون أشبه بستار رقيق يشفّ عما وراءه من هزيمة الإنسان، وربما أدارت المفارقة ظهورها لعالمنا الواقعي وقَلبته رأسًا على عقب، وربما كانت تهدف المفارقة إلى إخراج أحشاء قلب الإنسان الضـحية، لـترى ما فـيه مـن متناقضات وتضاربات تثير الضحك”، فهذا العالم الواقعي المتناقض والمهزوز، يفرض على المبدع وفقًا لرؤيته، نمطًا من الإبداع تكون اللغة فيه مُعبرة عنه.

وينبغي النظر إلى لغة المفارقة على أنها صورة من إيمان العصر المهزوز بكل القيم والحقائق، فالحقيقة النسبيّة تُولّد لغة نسبيّة والمعادلة التي تحتمِل وجهات نظر عدّة، ينبغي أن يُعبر عنها بلغة مراوغة تَقبل وجهات النظر المختلفة وتَـتداخل فيـها الأضداد، وتتّسع فيها مساحة الاجتهاد للقارئ.

 

اقرأ أيضا: “أناشيد الملح”.. أول كتاب بتوقيع جزائري عائد من الموت

من أهمّ وظائف المفارقة كَسر المسلّمات والثوابت وتِبيان زَيفها: “فالمفارقة في الشعر مفارقة لغوية، تعتمد على تشكيل خاص يُفجر في اللغة الشعرية طاقاتها الكامنة، من أجل التّوصل إلى تشكيل يواجه الضرورة في الواقع، ويكشف عن زيف كثير من مسلّمات هذا الواقع، فهذا الواقع مليء بحقائق ومسلّمات زائفة تقوم المفارقة بكشفها وفضح خداعها: “والمفارقة تهدف إلى هَدم الثوابت والاشتغال على اللّامتوقع واختراق العادي وتجاوزه، والجمع بين المتناقضات والمتضادّات وفي أحيان أخرى بين المتشابهات في فضاء قد لا يصلح لذلك مما يعمل على توليد المفارقة”.

والناظر في مجموعة “حكايات مجهولة” القصصية لرشيد الصقري يجد أنها تقوم في بنائها السردي على المفارقة، فهي تهيمن على مجمل قصص المجموعة، منذ اللحظة الأولى بدءا بالقصة الافتتاحية (الكلمة الأخيرة) التي تنتهي بمفارقة سردية لاذعة تتمثل في طرد الطبيب من القرية، بعدما أسهم في محاربة الوباء والأمراض المنتشرة في القرية “فأصبحت القرية مأوى للأمراض، ومسكنا للموت”.وتجسد الصورة الشعرية (مسكنًا للموت)، على نحو لافت، التحول الذي حلّ بالقرية نتيجة هذا الفعل السلبي غير المسؤول.

تكشف المفارقة هنا عن رؤية القاص النقدية للواقع. والنص الغائب أو المسكوت عنه يتمثل في رفضه الحاد للنزعة الأنانية السلطوية المهيمنة على البشر، على حساب مصلحة الجماعة. كما يتمثل في إقصاء الآخر ورفض التعايش معه، ولو على مستوى نفعي. ويشير النص، على نحو خفيّ، إلى انحياز القاص إلى النزعة الإنسانية التي تؤمن بالعيش المشترك بين البشر جميعا.

ولأنّ القصة القصيرة جدا – التي تشكل مجمل المجموعة – تمثل دفقة شعورية ولمحة فكرية خاطفة، فمن الطبيعي أن تغدو المفارقة جزءا أصيلا وجوهريا فيها، وأن تلعب دورا مهما في إحداث عامل الصدمة للمتلقي، كما في قصة “الجراد”: “في الأزل كان الجراد يأكل الأخضر واليابس ويرحل، أمّا اليوم فيأكل الأخضر واليابس والإنسان، وما يزال مقيما بيننا”.

 

اقرأ أيضا: ما بعد الحداثة والشعر.. تأملات في المفهوم والتمثل العربي

تتمثل المفارقة هنا في لفظة (الإنسان) التي تحدث الدهشة والمفاجأة للمتلقي، حيث عمد الصقري إلى إضافتها في الجزء الثاني من النص. وتقوم المفارقة هنا على استحضار زمنين: الماضي (في الأزل)، والحاضر (اليوم)، ويوظف القاص، هنا، مستويين لغويين، يظهر الجراد في الأول بدلالته الحقيقية، فيما يظهر في الثاني بمعناه المجازي الرمزي.

وتتضح حدة المفارقة فينفاذها إلى أعماق الواقع؛ لتكشف عن سيرورة الاستبداد، ومعاناة الإنسان الدائمة معه (وما يزال مقيما بيننا)، مثلما يشير التحليل الأسلوبي للعبارة الأخيرة في مزجها بين الفعل المضارع (ما يزال) بدلالته على الاستمرارية، والاسم (مقيما) بدلالته على البقاء والثبات.
وتتضح القيمة الفنية للمفارقة، في المجموعة، في خروج السرد عن العادي والمألوف، وفي اتكائها على الرمز. والملاحظ أن حدة المفارقة تتفاوت من قصة لأخرى في المجموعة، فتكون حادة في أحيان كثيرة، في ما تسقط، في بعض الأحيان، في العادي.

علاوة على ذلك، نلحظ أن حدة المفارقة تزداد بتماسّها بالواقع وسبرها لأغواره على نحو ما نجد في قصص: (العمل)، و(الوصاية)، وكما في قصة (الغرور) التي ترسم صورة مأساوية للواقع، وتجسّد حالة التعالي والاستبداد المهيمنة على الإنسان. وترصد قصة (الضمير) واقع الاستبداد الذي يعيشه العالم العربي، وتصور – بلغة رمزية موحية – الذئاب، وهي تفترس أهل القرية، وتنتهي القصة بالأسئلة التي تحاصر الجميع دون الوصول إلى إجابات.

وهكذا نخلص إلى أن قصص المجموعة نجحت، باقتدار، في كشف تناقضات الواقع من خلال توظيف المفارقة، إضافة إلى العناصر الفنية الأخرى، وأسهمت في إبراز الهمّ الإنساني في أجلى صوره.

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة