مرآة العالم

“النفس” بعد أصيل في أعمال ستيفان زفايج

تتصف حياة الروائيّ النمساوي ستيفان زفايج (1881- 1942) بالكثير من الأحداث العاصفة والمواقف الحادة والحسّاسة مما كان يحدث في العالم من حروب طاحنة، لا سيّما الحرب العالميّة الثانية التي عبّر عن يأسه من العنف الذي شهدته الإنسانيّة خلالها بالانتحار.

 

وقد أقدم على إنهاء حياته هو وزوجته في البرازيل التي هاجر إليها بعد العديد من الهجرات والأسفار وحصوله على الجنسيّة البريطانيّة، في الوقت الذي كان فيه أحد أهمّ الأدباء المشهورين في الأدب العالميّ. 

ووضّح في رسائل إلى أصدقائه موقفه مما كان يحدث في العالم من عنف لا يمكن أن يحتمل، ولا أن يعالج مع هذا الكمّ المهيمن على الإنسانيّة من الحقد والخراب، فأنهى حياته بتناول كميّات كبيرة من الأدويّة المنوّمة برفقة زوجته.

 

هذا الموت الذي أعطى تجربته وحضوره الفنيّ والأدبيّ صورة خاصّة يعبّر عن طريقته في التفكير والتحليل، ذلك أنّ ما ذكره في رسائله لأصدقائه عن تفسيره لحالته النفسيّة وموقفه اليائس من أحداث هذا العالم وهو يقدم على الانتحار يُظهر انهماكه الشديد ببحثه عن الطبيعة النفسيّة الموجّهة للأفعال الإنسانيّة، والدوافع التي تكمن خلف خيارات الأفراد في الأفعال والأقوال. 

ويتمظهر هذ التورّط الشديد في التحليل في مجالاته الكتابيّة المختلفة، فنجد هذا بارزا في دراساته العديدة عن سِيَرِ عدد غير قليل من الأدباء المشهورين على مستوى العالم مثل بلزاك وتولوستوي وديستوفسكي وسواهم، وهي دراسات تتبع حياة هؤلاء المشاهير وظروفهم وسياقاتهم بشكل يفسّر حالاتهم النفسيّة ويقدّم صورا واضحة المعالم عنهم وعن مواقفهم وكتاباتهم. 

ويبرز عملُه على سبر العوامل النفسيّة وتعقّب احتمالات توجيهها للفعل الإنسانيّ في أعماله الروائيّة العديدة، وهي روايات قصيرة تمثّل استبصارات سيكولوجيّة في العواطف والانفعالات، وتقدّم في صورتها الكليّة خارطة مفصّلة للدوافع الغريزيّة والانفعاليّة ومدى غموضها في ظلّ هيمنتها على الإنسان.

 

وتصلح جلّ أعماله لتقديم مثال على ذلك، فمثلا روايته القصيرة التي ظهرت بين أوراقه ونُشرت بعد انتحاره “رحلة إلى الماضي” تُبرز كيف يتصرّف الحبّ والعمر والحرب والخيانة بالإنسان ويغيّر من طبيعة خياراته وإرادته.

تسرد الرواية قصّة لودفيج، وهو شاب من أسرة فقيرة وخلفيّة اجتماعيّة متواضعة يعمل في شركة، يقع في علاقة حبّ مع زوجة صاحب الشركة التي يعمل فيها، وتعاهدا ألا يفترقا.

 

لكن يتمّ إرسال لودفيج في عمل من مقرّ الشركة في ألمانيا إلى المكسيك، وبينما هو هناك، تبدأ الحرب العالميّة الأولى ولا يعود قادرا على العودة إلى بلاده ولا حتى الاتصال بأحد فيها.

 

نتيجة لذلك، يبدأ بالبحث عن سبل الحياة في منفاه الاضطراريّ ويؤسس لنفسه عملا، لكنّه يبقى يحترق أمام الحبّ والشوق للمرأة التي تركها خلفه في فرانكفورت.

 

في هذه الأثناء، كان يشعر بصراع مرير مع الزمن، حيث يمضي به العمر وتكاد فرصته باللقاء مع حبيبته تنقضي، على الرغم من أنّ ذلك الحب خيانة منه لصاحب العمل ومن حبيبته لزوجها! بعد مرور السنوات، يعود لألمانيا ليجد المرأة التي أحبّها قد مات زوجها، لكن ما قيمة الحبّ بعد فوات الوقت، الحب الذي كان في الماضي أصبح محطّما بالحاضر والواقع؛ ما بقي هو الحبّ، أما الوقت والفرصة فهما طيّ الماضي.

وسنجد محاولة لاستكناه تشعّبات من التناقضات النفسيّة والقيميّة في كلّ عمل من أعمال زفايج الأخرى، مثلا “أربع وعشرون ساعة في حياة امرأة”، “آموك – سعار الحب”، “رسالة من مجهولة”، “السرّ الحارق”، وسواها من الأعمال.

 

وأودّ هنا أن أمثّل من رواية “السرّ الحارق”، الرواية التي تأخذ فيها امرأة جذّابة ابنها في سنّ الثانية عشرة إلى منتجع في النمسا للاستجمام بعد معاناة الطفل من المرض. يحاول رجل بلقب بارون أن يحصل على متعة من الأم التي تظهر رغبة في ذلك، على الرغم من أنّها متزوجة.

 

وتُبرز الرواية صراع المرأة النفسيّ في هذه المرحلة من عمرها، فلم تكن في حبّ عميق مع زوجها، وهي على أبواب انقضاء شبابها وزوال جمالها المؤهّل لمثل هذه الأفعال، فإمّا الآن أو لا للأبد. 

لكنّ هذا ليس البعد الرئيس الذي تأخذه الرواية، وإنّما تركّز بدلا من ذلك على أثر تلك العلاقة على الطفل إدجار الذي يتّخذه البارون وسيلة للوصول إلى أمّه.

 

يهيمن على الطفل شعور هائل بالنشوة بسبب اهتمام البارون به، فشعر بنفسه رجلا بالغا، بالإضافة إلى استمتاعه بقصص البارون عن صيد الأسود والفيلة، الأمر الذي يشبه ما كان الطفل محبّ القراءة يستمتع به في مطالعاته.

لكنّ الطفل يشعر بغضب شديد حين يكتشف أنّ البارون لم يكن مهتمّا به، وإنّما كان الأمر من أجل والدته، فيشعر أنّه مجرّد أدة فينقلب عليهما معا، ويصفهما بالكاذبين والكلبين، وتحترق في إحساسه الطفولة والبراءة والثقة والحب والمصداقيّة.

 

يبدأ إدجار بالاستغراق في ذلك السرّ الذي يجذب الرجال والنساء إلى بعضهما، اجتماع الأبوين في غرفة واحدة، وأمّه والبارون، والناس جميعا.

 

في هذا الخضّم، يكتشف إدجار كلمة تثير غضب العشيقين كليهما، وتدفعهما إلى عصبيّة يشعر الطفل معها بالمتعة والانتصار. هذه الكلمة هي “بابا”؛ فقد لاحظ الطفل ما تحدثه فيهما، فأخذ يكثر من قولها في كثير من الجمل. 

تستكشف الرواية بحبكتها البسيطة وشخصيّاتها القليلة مجموعة كاملة من العواطف والدوافع البشرية من خلال ظهورها في طفل يناهز البلوغ، تظهر باعتبارها محفّزا للأحداث وسببا لها، دون أن تكون مادة تحليليّة مجرّدة مقحمة على الرواية.

 

إنّها تقدّم أفكارها النفسيّة ممثّلة في تفاصيل الحكاية وبنيتها، فتكون بذلك جزءا أصيلا متكاملا من البنية الروائيّة. 

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة