أخبار متفرقة

بدا الشيعة داخل إيران وخارجها أكثر توحداً بعد مقتل سليماني.. لكن هل تستمر هذه الوحدة كثيراً؟

في الوقت الذي كان يأمل فيه الجميع بعام جديد هادئ، كان الأمر مختلفاً تماماً بالنسبة للإيرانيين الذين استيقظوا صباح يوم الجمعة 3 يناير/كانون الثاني على خبر صدم الجميع، المؤيدين والمعارضين على حد سواء،  وهو مقتل قاسم سليماني.

علم الإيرانيون بالخبر من التلفزيون الرسمي الذي أعلن اغتيال الولايات المتحدة لقائد قوة القدس اللواء قاسم سليماني في غارة جوية استهدفت موكبه بالقرب من مطار بغداد الدولي.

«وصل إلينا الخبر فى الساعات الأولى من يوم الجمعة، وكان مثل الصاعقة التي سقطت على رؤوس الجميع، ولم نستطع إذاعة الخبر إلا بعد 3 ساعات»، هكذا يروي حسين أميري، محرر الأخبار في التلفزيون الحكومي الإيراني لـ»عربي بوست».

ويصف أميري مشاعره لحظة تلقي الخبر قائلاً «لم أكن أتوقع أبداً أنه سيأتي اليوم الذي أتعامل فيه مع خبر موت الجنرال قاسم سليماني، لا أستطيع تصديق الأمر حتى الآن».

على مدار السنوات الماضية صورت الولايات المتحدة قاسم سليماني على أنه الرجل الأسوأ في إيران، وسبب زعزعة الاستقرار في الشرق الاوسط، لكن في داخل إيران يراه الإيرانيون بشكل مغاير تماماً، حتى وإن اختلفوا معه في بعض القضايا، لكنه يظل بطلهم القومي، وحامي الجمهورية الإسلامية من الأخطار الخارجية.

وحد الإيرانيين حتى قبل وفاته

استطاع سليماني بعد مقتله أن يوحد الإيرانيين بجميع طوائفهم واختلافاتهم، وهو ما اتضح في جنازته التي شهدت أعداداً ضخمة من المشيعين في عدة مدن مثل مدينة الأهواز، التي كان يعرف عنها كثرة المظاهرات والاعتراضات على الحكومة، مروراً بطهران التي شهدت قرابة 2 مليون مشيع في جنازته وفقاً للتلفزيون الرسمي.

فى عام 2019 أظهرت نتائج استطلاع الرأي التي أجرتها جامعة ماريلاند بالتعاون مع مركز الإحصاء الإيراني، أن 82% من الإيرانيين لديهم وجهة نظر إيجابية تجاه قاسم سليماني.

ليس فاسداً

في نظر رضا قاسمي (40 عاماً) الذي يعمل مهندساً معمارياً، سليماني رجل نظيف، لم يتورط طوال حياته في أي فساد مالي، وابتعد عن عالم الاستثمارات والتجارة التي تورط بها غيره من قادة الحرس الثوري.

عادة لا يتم تناول أسماء القادة العسكريين الكبار في قضايا الفساد المالي، خوفاً من الملاحقة الأمنية، لكن من وقت لآخر تظهر قضايا فساد ويتردد من بعيد اسم أحد كبار القادة، لكن هذا لم يحدث مع سليماني وفيلق القدس.

ويشرف الحرس الثوري الإيراني على أعمال تجارية ضخمة، وهو ما يجعل الإيرانيين يتهمونه بالسيطرة على اقتصاد البلاد، دون أن يترك أي مجال للمنافسة التجارية لصغار المستثمرين أو القطاع الخاص.

كما يعد قاسم سليماني من قادة الحرس الثوري القلائل، الذين لم يتدخلوا في السياسية الداخلية، فهو لم يشارك في قمع المظاهرات منذ عام 2009.

على الرغم من أن تقارير إعلامية غربية عن أنه سبق أن اجتمع مع القادة الأمنيين والعسكريين العراقيين ودعاهم ليكونوا أكثر قسوة مع الحراك، قائلاً لهم إننا في إيران سبق أن تعاملنا مع المظاهرات.

يقول الصحفي حسين دهكردي المقيم بطهران «لم يعلن أي من القادة العسكريين في إيران أنه يدعم المفاوضات النووية، إلا قاسم سليماني الذي صرح في أكثر من مناسبة أنه يثق في رؤية الرئيس حسن روحاني، ويقدر رغبته في الانفتاح على الغرب».

أعارض تدخله في اليمن وسوريا، لكنه مصدر الحماية لنا

يقول علي موسوي (35 عاماً) الذي يعمل مبرمج كمبيوتر في إحدى شركات التكنولوجيا، «لطالما عارضت وجود قوة القدس في اليمن وسوريا، لكني احتفظت بأسباب عديدة لحب هذا الرجل الشجاع».

يتذكر موسوي أحداث اقتحام البرلمان الإيراني عام 2017، وكيف شعر وقتها أن خطر تنظيم داعش قريب من إيران، «في تلك اللحظة شكرت الله كثيراً، أن لدينا رجلاً مثل قاسم سليماني، يعمل على حماية بلادنا من الإرهاب»، على حد تعبيره.

ظهرت العديد من الأصوات المعارضة المحسوبة على التيار الإصلاحي داخل إيران والتي انتقدت تدخل القوات الإيرانية في المنطقة بشكل عام، وفي سوريا بالأخص، لكن أغلب تلك الشخصيات أعلنوا حزنهم الواضح على مقتل قاسم سليماني.

محمد أردشير صحفي إيراني معارض مقيم بفرنسا، كان من أوائل المعارضين لتدخل قوة القدس في سوريا، لكنه أعلن غضبه من قرار الولايات المتحدة باغتيال قاسم سليماني.

قبل مقتل سليماني بأشهر قليلة، شهدت البلاد موجة احتجاجية لم تشهدها الجمهورية الإسلامية من قبل، على إثر قرار الحكومة الإيرانية برفع أسعار البنزين ثلاثة أضعاف، أعقبت تلك الاحتجاجات حملة قمع عنيفة خلفت المئات من القتلى، والآلاف من المعتقلين.

بعدها بأسابيع قليلة حاولت الحكومة تهدئة الشارع الإيراني، وإقرار الموازنة العامة للعام الجديد، بدون الاعتماد على عائدات النفط.

وبعد اغتيال قائد قوة القدس، والتلويح بتصعيد التوتر بين طهران وواشنطن، يتوقع الخبراء الاقتصاديون خروج المزيد من الاستثمارات الإيرانية من السوق للخارج، وتفاقم الأزمة الاقتصادية.

وفي المقابل سيحاول الإيرانيون العودة إلى الشوارع مرة أخرى للاحتجاج، بعد أن نجح النظام في إخماد التظاهرات لبعض الوقت بعد مقتل سليماني.

يقول الباحث السياسي محسن بقائي لـ»عربي بوست»، «يجب أن تستعد الحكومة الإيرانية لموجة جديدة من الاحتجاجات، فلن تستمر تلك الوحدة القومية كثيراً أمام الاقتصاد المنهار».

وجاءت التظاهرات التي خرجت احتجاجاً على إسقاط الحرس الثوري للطائرة الأوكرانية لتثبت أن مراهنة السلطات الإيرانية على أن مقتل سليماني سيوحد الشعب خلف النظام ويقلل المعارضة قد لا تدوم طويلاً.

النخب السياسية تصفه بالرجل المعتدل

علي صعيد النخبة السياسية، كان لموت سليماني أثر كبير في توحيد الأطياف السياسية المختلفة، فوصف السياسي الإصلاحي البارز والمتحدث باسم الحكومة الإيراني علي ربيعي اغتيال سليماني بأنه أمر بشع، وقرار غبي.

وكان سليماني على صلة وثيقة ببعض الشخصيات الإصلاحية البارزة، مثل مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، وكان من الأصدقاء المقربين للرئيس السابق والقيادي البارز في الثورة الإيرانية آية الله علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي عارض بعض سياسات خامنئي.

وانتقد آذر منصوري السياسي الاصلاحي قرار ترامب باغتيال قاسم سليماني، قائلاً «قتل ترامب الرجل الذي حارب داعش، فلابد أن يعرف العالم الآن من سبب خراب تلك المنطقة».

ووصف الرئيس الإيراني السابق والإصلاحي المشهور محمد خاتمي الذي عارض سياسات المرشد من قبل، قاسم سليماني بأنه «شهيد الأمة الإيرانية»، وأنه قتل على يد الأمريكان المحتلين.

يقول عالم الاجتماع بجامعة طهران والذي رفض الإفصاح عن هويته لاسباب خاصة لـ»عربى بوست»، «كان سليماني رجلاً معتدلاً، غير متعصب، لذلك لا يفضله المتشددون في كثير من الأمور، ولكن أحب الإيرانيون اعتداله»، حسب تعبيره.

بالطبع يتجاهل الإيرانيون معتدلين وإصلاحيين نظرة ملايين من العرب لاسيما السنة لسليماني بعد أن وأد أحلامهم في التغيير وفرض هيمنة إيران على بلادهم. 

من يستفيد أكثر من مقتل سليماني؟

هذا التضامن بين الطوائف السياسية، والتفافهم حول التنديد باغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، لن يستمر طويلاً، فمن المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية الشهر المقبل، وسط انقسامات كبيرة داخل التيار الإصلاحي، يقابلها جهود أكبر لتوحيد جبهة المحافظين.

لطالما دعم الاصلاحيين فكرة المفاوضات النووية مع الغرب، وحتى بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، ظل الإصلاحيون داعمين لفكرة إعادة التفاوض مرة أخرى مع الأمريكيين، والتوصل إلى صفقة نووية جديدة، وعارض المحافظون تلك الفكرة تماماً.

ويتوقع المحللون الإيرانيون، أن بعد مقتل قاسم سليماني، سوف يستغل التيار المحافظ المشاعر القومية المتاججة، وإثارة فكرة أن العدو الأكبر للشعب الإيراني هي الولايات المتحدة، لكسب الانتخابات البرلمانية.

بعد الانتهاء من أيام الحداد، بدأت الأصوات الإصلاحية التي تنادي بالتريث فى الرد على الولايات المتحدة، وعدم استغلال المشاعر العاطفية، والمحاولة مرة أخرى للتفاوض، وعدم قطع الطريق أمام الدبلوماسية والانجرار إلى التصعيد العسكري.

وهذا ما رفضه التيار المحافظ بشدة، واصفاً كل الدعوات الإصلاحية للتهدئة بأنها خيانة لدم سليماني.

هل هي وحدة قصيرة الأجل؟

بعد مرور نحو أسبوع على مقتل قاسم سليماني، بدأت الأجواء المشحونة بالعاطفة في الاختفاء رويداً رويداً، ويعود كل من المعارض والمؤيد إلى مكانه الطبيعي، ويبقى فقط الخوف من عواقب الانتقام القاسي الذي يدعى له أنصار النظام في إيران.

يرى عالم الاجتماع الإيراني، أنه بمرور الوقت ستبدأ أثار اغتيال سليماني فى الظهور على المشهد السياسي الداخلي ومظاهر الوحدة والتضامن بين جميع الطوائف السياسية تتبدل إلى الاقتتال مرة أخرى، والاتهامات المتبادلة من كلا الجانبين. 

وقال «لكن يبقى الشعب الإيراني في المنتصف خائفاً من انجرار بلاده إلى حرب ستكلفه الكثير».

وانتهت فترة الحداد العامة في إيران بعد مقتل قاسم سليماني، وقامت الجمهورية الإسلامية بالرد على مقتله بقصف صاروخي لقاعدة عين الأسد العسكرية في العراق، والتي تستضيف جزءاً من القوات الأمريكية بالبلاد.

وبدأ الإيرانيون في البحث عن معتقلي الاحتجاجات الأخيرة مرة أخرى، وبدأ الصراع بين التيار الإصلاحي والمحافظ في الظهور قبل الانتخابات البرلمانية الشهر المقبل، لجذب أكبر عدد من الناخبين لكل طرف.

يقول الباحث السياسي محسن بقائي لـ»عربى بوست»، «تلك الوحدة التي كانت بين الإصلاحيين والمحافظين، بعد مقتل سليماني، تقريباً انتهت الآن، فكل طرف يحاول إثبات سيطرته على البرلمان في جو سياسي سلبي للغاية، عاد الاقتتال السياسي مرة أخرى للظهور».

في نفس السياق، أصدر البرلمان الإيراني قراراً بتخصيص ميزانية إضافية لقوة القدس تقدر بـ223 مليون دولار، وأثار هذا القرار انتقادات واسعة بين التيار الإصلاحي والشعب.

ويرى مهرداد (اسم مستعار) وأحد النشطاء السياسيين المحسوبين على التيار الإصلاحي، أن هناك خوفاً كبيراً بين عموم الإيرانيين، من تهميش مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، مقابل تعزيز القدرات المالية للمؤسسات العسكرية والأمنية بعد مقتل قاسم سليماني.

فيقول لـ»عربي بوست»، «نحن على حافة الهاوية من الناحية الاقتصادية، والوضع السياسي المتوتر سينعكس بالسلب على الاقتصاد، الناس خائفون من تدهور أوضاعهم من أجل الخطط الجديدة لقوة القدس، ونظريات المؤسسة السياسية عن ضرورة الانتقام لمقتل سليماني».

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *