أخبار متفرقة

بعد 70 عاماً على تأسيسه.. هل تعصف الخلافات بحلف الناتو أم تتجدد أسباب وجوده؟

الحرب الكلامية بين عضوي حلف الناتو تركيا وفرنسا طرحت من جديد الحديث حول مستقبل الحلف العسكري الذي تشكل قبل سبعة عقود لمواجهة عدو لم يعد له وجود وهو حلف وارسو، فما أسباب الخلافات بين باريس وأنقرة، وما قصة حلف الناتو؟

ماذا حدث؟

قبل انعقاد قمة حلف الناتو في العاصمة البريطانية لندن على مدار اليومين الماضيين (الثلاثاء والأربعاء 3-4 ديسمبر/كانون الأول)، هاجم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون واصفاً إياه بأنه ربما يعاني من حالة «موت دماغي».

أردوغان وماكرون

وصف «الموت الدماغي» هو نفس الوصف الذي استخدمه ماكرون في إشارة لحلف الناتو قبل نحو أسبوعين، وللحرب الكلامية بين أردوغان وماكرون أسباب تتعلق بانتقادات باريس للعملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا، لكن هذا ليس السبب الوحيد، حيث إن عضوي الناتو لا يتفقان أيضاً في الملف الليبي، حيث إن فرنسا تدعم خليفة حفتر، قائد قوات شرق ليبيا، بينما تدعم تركيا حكومة الوفاق في طرابلس المعترف بها دولياً.

وكان أردوغان قد قال: «أتوجه إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وسأكرّر ذلك له في (قمة) حلف الأطلسي. عليك قبل أي شيء أن تفحص موتك الدماغي أنت نفسك. لا تناسب تصريحات من هذا النوع إلا أمثالك الذين في حالة موت دماغي».

وكان ماكرون قد قال خلال مؤتمر صحفي مشترك، الخميس الماضي 28 نوفمبر/تشرين الثاني، مع الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ في باريس، إنه يتفهّم المخاوف الأمنية «لدى حليفتنا تركيا التي تعرَّضت لعدة هجمات على أراضيها»، لكنه أضاف: «لا يمكنك من ناحية القول إننا حلفاء وطلب التضامن في هذا الصدد، ومن ناحية أخرى وضع حلفائك أمام الأمر الواقع المتمثل في عملية عسكرية تعرّض للخطر أعمال التحالف المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية الذي ينتمي إليه حلف شمال الأطلسي».

الحرب الكلامية بين الطرفين رفعت من حدة التوتر بين أعضاء حلف الناتو أثناء قمة لندن التي انتهت أعمالها أمس الأربعاء 4 ديسمبر/كانون الأول، وشهدت إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمؤتمر الصحفي الذي كان مقرراً بعد انتهاء الاجتماعات وغادر فجأة غاضباً، بحسب صحف بريطانية.

فما هو حلف الناتو؟

الناتو هو الاسم المختصر لمنظمة حلف شمال الأطلنطي، وهو حلف عسكري تأسَّس في الرابع من أبريل/نيسان 1949، بعضوية 12 دولة، هي: بلجيكا وفرنسا والمملكة المتحدة والدنمارك والنرويج والبرتغال وهولندا وإيطاليا ولوكسمبورغ وآيسلندا، وكندا والولايات المتحدة الأمريكية.

قبل تأسيس الحلف رسمياً بأكثر من 3 سنوات وبعد أقل من عام واحد من نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي خطاب شهير له، أعلن رئيس وزراء بريطانيا الأشهر ونستون تشرشل، في كليو ويستمنستر بولاية ميسوري الأمريكية، بصوته الجهوري: «لقد هبطت ستارة حديدية على القارة من ستيتين على بحر البلطيق وحتى تريستي على البحر الأدرياتيكي».

ونستون تشرشل

هذا الخطاب في الخامس من مارس/آذار 1946 كان إعلاناً لبداية الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي الغربي بقيادة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، والمعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي.

ودعا تشرشل، في أثناء الخطاب نفسه، إلى تأسيس قوة عسكرية، بهدف «حماية سلام القارة الأوروبية ضمن هيكل الأمم المتحدة».

ومن جانبه، اعتبر الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين خطاب تشرشل «دَقّاً لطبول الحرب»، معتبراً الدعوة إلى تحالف أوروبي-أمريكي رمزاً للإمبريالية الأنجلو-سكسونية.

وهكذا كان المسرح العالمي يتشكل بسرعة، ليحدث الانقسام بين عالَمَين: الرأسمالي، والشيوعي، رغم أن الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وبريطانيا كانوا يحاربون معاً ضد ألمانيا النازية بقيادة هتلر، قبل أقل من عام.

ومِن رحِم هذه الأحداث الساخنة التي بدأت من خلالها الحرب الباردة، جاء إلى الدنيا حلف الناتو بأعضائه الـ12.

الحلف ينمو ويتمدد

كانت النية من وراء تأسيس الحلف هي العمل على استقرار القارة الأوروبية، ووضع ضمانات لعدم تكرار الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكان المتوقع وقتها من جانب واشنطن أن المعاهدة التي تأسس عليها الحلف ستحقق الغرض منها خلال عشر سنوات، ولكن مع استمرار الحرب الباردة استمر الحلف.

وفي هذا السياق، نص البند الخامس من ميثاق تأسيس حلف الناتو على أن أي اعتداء عسكري على عضو في الحلف يمثل اعتداء على الأعضاء جميعاً، وتهبُّ الدول الموقعة على الميثاق لمساعدة الدولة التي تتعرض للاعتداء، بكل السبل، ولو تطلب الأمر التدخل عسكرياً.

وفي سياق الحرب الباردة وتأسيس حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي في مقابل حلف الناتو، توالى انضمام أعضاء آخرين إلى الناتو، وكانت أولهم تركيا واليونان عام 1952، ليصبح عدد الأعضاء 14. وانضمت ألمانيا الغربية إلى عضوية الحلف عام 1955، ثم انضمت إسبانيا في عام 1982.

ومع تحطيم سور برلين عام 1990 وإعادة توحيد ألمانيا، انضمت ألمانيا الشرقية إلى الحلف. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك حلف وارسو، بدأ الناتو يفتح مجالات التعاون مع جيرانه في أوروبا الشرقية، وشهد عام 1997 انضمام بولندا (مقر حلف وارسو) والمجر وجمهورية التشيك إلى الناتو.

وشهد عام 2004 انضمام سبع جمهوريات اشتراكية سابقة إلى حلف الناتو، هي: بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا، وتبعتها كل من كرواتيا وألبانيا عام 2009. وآخر دولة انضمت إلى عضوية حلف الناتو كانت مونتنيغرو عام 2017.

وهكذا ظل الحلف قائماً، بل ينمو ويضم أعضاء جدداً مع تجدُّد الهدف من وراء تأسيسه، فالحلف الذي أُنشئ ليكون ضمانة للأمن في أوروبا ضد الحروب، ازدهر وتحول إلى تحالف سياسي يضم 29 عضواً، ليقف في وجه أي اعتداء روسي حتى بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.

ترامب فتح باب الهجوم على الناتو

لكن مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، واعتباره أن حلف الناتو «عفا عليه الزمن»، إضافة إلى خفض القوى الأوروبية الكبرى في الحلف كألمانيا ميزانيتها العسكرية، لتصبح أقل من المستهدَف بالنسبة للحلف، وكذلك الخلافات بين الدول الأعضاء في قضايا متنوعة وأحدثها على سبيل المثال، الخلاف بين واشنطن وأنقرة بشأن شراء تركيا منظومة الدفاع الروسي إس-400، يصبح مصير الحلف نفسه محل تساؤل.

قادة الحلف في لندن

ففي حين نشر موقع الحلف الرسمي على تويتر رسالة تهنئة وفيديو، احتفالاً بالذكرى السبعين لتأسيسه أبريل/نيسان الماضي، إلا أن ذلك لا يعني غياب التحديات حول مستقبل الناتو.

«تأسس الناتو على أيدي 12 دولة حليفة عام 1949، واليوم نحن 29 حليفاً، انضمُّوا إلينا للاحتفال بالذكرى الـ70 لتأسيس حلفنا.. نحن الناتو».

ماكرون يقول إن روسيا ليست عدواً للناتو

لكن الخلافات بين أعضاء الناتو من ناحية واعتبار كثير من أعضائه أن روسيا ليست عدواً للحلف من ناحية أخرى يطرح علامات استفهام حول مستقبل الحلف.

هل تتكرر الصورة الرسمية للحلف في الأعوام القادمة؟

ماكرون كتب في منشور على صفحته الرسمية في الفيسبوك، أمس الأربعاء، أن روسيا لم تعد عدواً لحلف الناتو، مشيراً إلى أن العدو الآن هو الإرهاب الدولي: «من هو عدو للناتو؟ روسيا لم تعد عدواً. وهي لا تزال تمثل تهديداً، لكنها أيضاً شريك في بعض الأمور».

هذه التصريحات تعكس وجود اختلافات عميقة بين أعضاء الحلف، وعلى الرغم من تصريحات ستولتنبرغ التي قال فيها إن الخلافات ليست جديدة، وتشديده على قدرة الحلف على تجاوزها، وتجديد دوافعه والحفاظ على قوته وتماسكه، تظل الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات.

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *