أخبار سوريامرآة البلد

بين فرنسا وأمريكا.. التاريخ يعيد نفسه على ضفاف الفرات والخابور

(متابعة – مرآة سوريا) في الربع الأول من القرن الماضي عمل المستشرق الألماني “ماكس فرايهير فون اوبنهايم” في التنقيب عن الآثار في “تل حلف” قرب مدينة “رأس العين” شمالي الحسكة إلى جانب دراسته لقبائل البدو بالمنطقة، التي كانت تعمل القوات الفرنسية إحكام السيطرة عليها قبل تمدد الإنكليز من العراق نحو دير الزور بموازاة الفرات.
وشخّص “أوبنهايم” في كتابه “البدو” حال المنطقة وقتها بتوصيف قال فيه إن الفرنسيين تمكنوا من احتلال سوريا الداخلية صيف 1920 دون أن يخوضوا عمليات حربية كبيرة لكنهم واجهوا مقاومة ضارية على الفرات، فتعاون الأتراك والقوميين العرب حوّل دير الزور، التي كانت موقعا فرنسيا متقدما، من جديد إلى مركز للمعارك، خاصة عندما فرض عليها حصارا امتد حتى تشرين أول أكتوبر/ 1922 واستمر لعام كامل.
وحسب الدبلوماسي الألماني، “شارك الملية الأكراد إلى جانب الفرنسيين، بينما قاتل أبناء قبيلة العكيدات على الجانب التركي العربي، أمّا الفداعان من قبيلة “عنزة” كانوا إلى جانب الطرفين، إلى أن دخلت اتفاقية أنقرة (وقعت 1921) حيز التنفيذ مطلع 1922، فأمست سكة الحديد حدودا بين تركيا وبين سوريا المنفصلة عنها للتو بموجب معاهدة سيفر 1920، التي أنهت الحرب العالمية الأولى.
مناسبة الحديث هو أننا بتنا نلمس تبريرا من قبل بعض السوريين لاحتلال بعض بلاده على يد قوات أجنبية، بينما ينتقدون وجود قوة احتلال أخرى تساند فئة سياسية أو عرقية أو طائفية أخرى، وبمجرد قراءة كلمات “ابنهايم” عن “القوات الملية” نتذكر انطلاق مجاميع مسلحة عربية وكردية بقيادة حزب “الاتحاد الديمقراطي” من مدينة “رأس العين”، ساحة المعارك الأولى بين هذه المجاميع كتائب الثوار السوريين عامي 2012 و2013، قبل أن تتوسع مناطق سيطرتها في الرقة ودير الزور والرقة وحلب، بعد تلقيها دعما دوليا كبيرا بذريعة محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”.
إلى جانب هذه المجاميع المتطوعة مقابل الراتب (المال) هناك أكثر من 30 مجموعة من شباب محافظة الحسكة قاتلت خلال سنوات مجبرة، ثم لحقت بها مجموعات مجندة في منطقة “عين عرب” والرقة وأخيرا بدير الزور، حيث تتركز المعركة الرئيسة والأخيرة لهذا “التحالف”، الذي أعلنت الولايات المتحدة تأسيسه في 2015 تحت اسم “قسد” لقتال تنظيم “الدولة الإسلامية”.
يبدو أن هذا التحالف الذي يقوده الأكراد جاء ليلعب دور الائتلاف “الملي” الذي قاده أبناء “إبراهيم باشا” للقتال إلى جانب الفرنسيين قبل 100 عام تقريبا ضد العرب والأتراك بمنطقتي الفرات والخابور، لكن هذه المرة لخدمة المصالح الأمريكية بمنطقة الفرات الغنية بالنفط والثروات الباطنية والمياه والسهول الزراعية الشاسعة، وهنا تصدق مقولة: “التاريخ يعيد نفسه”، مع اختلاف دور القوى الدولية الفاعلة على الساحة السورية وزيادة عددها، فالأمريكان والروس يتقاسمون دور الفرنسيين، بعد عام 1920، بينما انطبق دور باريس على ما لعبته واشنطن منذ البداية حين كانت تظهر دعمها لمطالب السوريين والثورات العربية.
على كل حال، فالروس كانوا السباقين للتذرع بمحاربة “الإرهاب” من أجل تثبيت حكم حليفهم بشار الأسد بدمشق وقمع الثورة بكل وحشية، خاصة بعد تدخلهم بشكل مباشر لإيقاف زحف “جيش الفتح” نحو منطقة الساحل نهاية أيلول سبتمبر/2015.
بالمقابل، لعبت دولتا الاستعمار التقليدي الأشهر فرنسا وبريطانيا دورا يعتبر ثانويا وربما يظهر، وكأنه تابعا للموقف الأمريكي من الثورة السورية ونظام بشار الأسد على حد سواء، فيما كانت كل من منها تسعى لضم دير الزور إلى مناطق سيطرتها في الربع الأول من القرن الماضي.
في الحاضر أدى تقاسم واشنطن وموسكو مناطق النفوذ داخل سوريا إلى إجبار تركيا للتعامل مع الأمريكان شرق الفرات والروس غربه، وبموجب اتفاقات وتفاهمات أستانا وسوتشي، فأوقف الأتراك والروس معارك شمال غرب سوريا، بهدف التفرغ لما يجري بالمناطق الشرقية بوادي الفرات والجزيرة.
هذه المسألة يجب أن يتنبه لها السوريون عموما وأبناء الجزيرة والفرات خصوصا، كي يضمنوا صورة مشرفة عن دورهم يتركوها لأحفادهم ضمن صفحات التاريخ التي تكتب حالياً كما فعل آباؤهم وأبناء عمومتهم في عشيرتي “البو خابو” و”العنابزة” بموقعة “خشام” قرب دير الزور ضد الفرنسيين، وعموم أبناء قبيلة “العكيدات” في مقارعة الإنكليز قبل ذلك بدير الزور والميادين والبوكمال، فهم لم يطردوا الإنكليز ويرحبوا بالفرنسيين كما يفعل من يحارب تنظيم “الدولة” ويرحب بالأمريكيين والميليشيات المدعومة من قبلهم.
بالتأكيد لم تخلُ تلك الحقبة من المتعاونين مع المحتلين والخائنين لأوطانهم كما هو الحال الآن بمحافظات “الجزيرة”، وأيضا في عام 1937 وقف شيوخ عشائر “شمر وطي والجبور” إلى جانب القوميين العرب بعد تمرد المسيحيين احتجاجا على اتفاقية 1936 مع فرنسا ومطالبتهم بالبقاء ضمن إقليم مستقل يترأسه حاكم أجبني خوفا من عواقب انسحاب قوات الاحتلال، وأيدهم وقتها بعض قادة البدو مثل” ميزر بن عبد المحسن” من “شمر” و”محمد العبد الرحمن” من “طي” وأبناء “إبراهيم باشا الملي” وقادة كرد كثيرون، لكنهم لم يواجهوا مصير معاصرهم النرويجي “فيدكن كيسلينغ” الذي سلم أسرار بلاده العسكرية للزعيم النازي أدولف هتلر ليحتل بلاده وينصبه رئيسا للوزراء، فنبذه شعبه مرتين، ثم أعدم عام 1945.
الاندفاع للسقوط بأحضان الأمريكان وحلفائهم أو الروس وأتباعهم لتنفيذ الخدمات لمشاريعهم لن يورث الأبناء سوى عار مستديم يدعو إلى الخجل لن ترفع بعده رأس لأبناء هؤلاء المرحبين بالمحتلين أبدا.
المصدر
زمان الوصل
الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *