أخبار متفرقة

تحليل أتلتيكو مدريد وليفربول: كيف كشف “الأندر دوغ” عورات البطل الذي لا يقهر؟

حصل سيميوني على لقب “شولو” من مدربه في فترة الشباب، فيكتور سبينيتو، لأنه  ذكّره بالمدافع السابق لنادي بوكا جونيورز كارميلو “شولو” سيميوني. كان سبينيتو في أواخر السبعينيات من عمره آنذاك، ولكنه كمدير فني لنادي فيليز سارسفيلد الأرجنتيني سابقاً، كان رائداً فيما أصبح يُعرف باسم الـ “Anti-Football” أو الكرة الدفاعية المميتة.

في الماضي، كان ذلك يعني ببساطة أسلوب اللعب المبني على العمل الشاق والتنظيم، على عكس أسلوب اللعب الذي كان يسيطر على هذا العصر، وهو أسلوب “لا نويسترا”. ولكن بعد هزيمة مُذلة 6-1 ضد تشيكوسلوفاكيا في كأس العالم 1958، بدأت ثورة جديدة في كرة القدم الأرجنتينية.

بعد عقد من الزمن، عندما فاز أوزفالدو زوبيلديا مع نادي أستوديانتس بحصده ثلاث كؤوس كوبا ليبرتادورس على التوالي، كان مصطلح “Anti-Football” يعني الفوز بأي وسيلة. وكان كارلوس بيلاردو أحد لاعبي خط الوسط الأساسيين في هذا الفريق. والذي اعترف بأخذ دبابيس إلى أرض الملعب ليستخدمها ضد المنافسين.

أسلوب سيميوني ليس متطرفاً كما كان أسلوب أوزفالدو زوبيلديا، ولكنه يتشارك معه في بعض العناصر الأساسية، مثل التركيز على الجهد البدني والانضباط، والذي يبدو أنه متأصل لدى سيميوني، حتى إنه أشاد بلاعب ريال مدريد فيديريكو فالفيردي لطرده بعد ارتكابه مخالفة ضد أتلتيكو في نهائي كأس السوبر الإسبانية.

وهكذا عند مواجهة فريق ليفربول، الذي ينتهج أسلوب الضغط العالي ويتبع مبادئ الكرة الحديثة، يجد سيميوني أن منهجه الشخصي محل شك لأول مرة، حيث إن ناديه بات في أمسّ الحاجة إلى جذب مزيد من المشجعين، والبحث عن مزيد من النمو الاقتصادي، لذلك قرر تغيير جلده بإضافة أسماء شابة هجومية والاستغناء عن عناصر دفاعية كبرت في السن، ولكن المعضلة الحقيقية هي أنه يجب التضحية بهوية النادي من أجل الجانب الاقتصادي، وهو ما يعني أن سيميوني أصبح يجرب أسلوب لعب يفرضه السوق بقدر ما يرفضه تاريخه وماضيه وحتى فكره التكتيكي، وهنا حدثت المشكلة بالنسبة للأرجنتيني وفريقه هذا الموسم.

أتلتيكو مدريد ومعضلة الأندردوغ 

كانت هذه مقدمة صحيفة الغارديان الإنجليزية عن المباراة المرتقبة بين أتلتيكو مدريد وليفربول، ضمن ذهاب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا، بملعب الواندا ميتروبوليتانو بالعاصمة الإسبانية.

أتلتيكو الذي يلعب دائماً بأسلوب دفاعي على مدار تاريخه، قام بثورة انتقالات أخيرة من أجل التطور الهجومي، فلم ينجح فيها حتى الآن، ولم يستطع الحفاظ على رونقه الدفاعي القديم، واجه الفريق الأفضل والأكمل والأروع في العالم خلال الوقت الراهن، ليفربول، تحت قيادة الألماني يورغن كلوب.

دييغو سيميوني محتفلاً بالهدف

أتلتيكو متبعاً استراتيجية الـ “Underdog” أو المستضعف، وهو شخص أو مجموعة في منافسة ما، عادة في المنافسات الرياضية والأعمال الإبداعية، ويتوقع أن يخسرها الناس. ويُطلق على الفريق أو اللاعب المتوقع فوزه (الكلب المفضل). وفي حالة فوز المستضعف يعتبر ذلك مفاجأة.

باختصار، “رهان المستضعف” هو رهان على فوز الضعيف الذي تعتبر خسارته أمراً متوقعاً وهي الاحتمال الأكبر عموماً. هذا هو التعريف الأقرب لفريق سيميوني حتى بعد الصفقات الأخيرة وزيادة موارده المالية، ومحاولة تحوله إلى نسخة هجومية. لقد خسر كل المواقع التي كان فيها الطرف المرشح والأقوى، وظهر بشكل أقوى كلما كان الطرف الضعيف أو المستضعف، لذلك كان سيناريو مباراة ليفربول من الدقيقة الأولى حتى الأخيرة مناسباً بشدة للأرجنتيني العصبي المتهور القادم من حواري بيونس آيريس.

السماء تبتسم للشولو

أتلتيكو مدريد هذا الموسم، وربما الموسم الماضي، يعاني بوضوح من معضلة تغيير الجلد والتحول من فريق دفاعي إلى آخر هجومي، لذلك توقفت ماكينات سيميوني على أرضه ووسط جماهيره كلما احتاج الفوز، لكن أمام ليفربول في الواندا ميتروبوليتانو حدث أفضل سيناريو ممكن، وهو أن يسجل ساؤول نيغويز هدفاً في أول 3 دقائق من عمر اللقاء عبر ركلة ركنية، وبخطأ دفاعي ساذج من لاعبي الريدز، وهو ما جعل أصحاب الأرض في موقف رائع، لا يتخيله أحد، ولم يتمناه أحد أكثر من سيميوني. هكذا ابتسمت السماء للشولو الأرجنتيني.

كلام في التكتيك

أتلتيكو لا يغير أبداً طريقة 4-4-2 من أجل تضييق الملعب، مع لودي، فيليبي، سافيتش، وفيرساليكو في الدفاع، أمامهم توماس بارتي وساؤول في الارتكاز، ويرافقهما الثنائي كوكي وتوماس ليمار بين العمق والأطراف، لتضييق الفراغات قدر المستطاع بين الخطوط، وبمساندة مستمرة من ثنائي الهجوم كوريا وموراتا.

تحركات لاعبي ليفربول عند الاستحواذ على الكرة

في المقابل يورغن كلوب يراهن دائماً على 4-3-3، مع أفضل ثلاثي هجومي بالعالم، صلاح وماني وفيرمينو، وخلفهم وسط يركض أكثر مما يبدع، سواء فينالدوم أو فابينيو أو هندرسون، مع ثنائي الأظهرة روبرتسون وأرنولد وقلبي الدفاع غوميز وفان دايك، إنها التشكيلة التي عانت كثيراً خاصة مع انخفاض مستوى نجوم المقدمة، وحصار لاعبي الأطراف أثناء التحولات.

ارتكاز لا يعرف سوى الركض.. لكن وحده لا يكفي

يحتاج أي خصم أن يركز على الأطراف عند مواجهة فريق مثل ليفربول، لأن كلوب يركز كثيراً في لعبه على انطلاقات أظهرته، وبالتالي كلما نجحت في الحد من خطورتهما بالضغط عليهما من مناطق مبكرة، أجبرت وسط الفريق الضعيف هجومياً من ناحية الابتكار والصناعة، أجبرتهم على القيام بمهام لا يجيدونها، ما يعني زيادة الحمل على ثلاثي الهجوم.

هذا ما فعله سيميوني بالنص، خاصة بعد انتهاء حمى البدايات بالهدف المبكر والعودة إلى الخلف مع منتصف الشوط الأول. أنخيل كوريا مهاجم على الورق، لكنه بالملعب أقرب إلى اللاعب الحر، يساند ليمار على اليسار بالضغط على روبرتسون كلما تسلم الكرة، ويتحول إلى اليمين لتشكيل ثنائية أخرى رفقة كوكي، حتى يتكفل فيرساليكو برقابة ماني، بينما يقترب لودي أكثر من صلاح، وخلفه فيليبي للمساندة أمام الفرعون المصري.

هندرسون لم يجد الحلول

خطة أثبتت نجاحها، لتمتص ضغط ليفربول المتوقع بعد التأخر في النتيجة، لذلك ندرت الفرص بالنسبة لبطل أوروبا ومتصدر الدوري الإنجليزي، لأن صلاح لا يجيد التصرف في المساحات الضيقة، بينما ابتعد ماني عن مستواه المعهود، ووجد فيرمينو نفسه وحيداً بالمقدمة، مع صعوبة تصرف أرنولد وروبرتسون أمام ثنائي من اللاعبين يميناً ويساراً، كل هذا جعل الحل بين أقدام هندرسون وزملائه في الوسط، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك.

متى نبت كل هذا “الأوفر كوتشينج” في عقل كلوب؟

كلوب لا يهزم محلياً، فريقه أصبح مثل المارد، إنها نسخة أكثر حدة مما شاهدناه في آخر موسمين مع مانشستر سيتي غوارديولا بالبريميرليغ، خاصة مع البراعة في الكرات الثابتة والحدة بالثلث الأخير، لذلك لا يتأخر الفريق في النتيجة إلا نادراً، ولم يتعرض لأي هزيمة هذا الموسم في أي بطولة محلية، باعتبار أن ركلات الجزاء في الدرع الخيرية لا تعتبر خطوة للخلف، لذلك ربما ولأول مرة منذ فترة طويلة يتعرض الألماني وفريقه لهذا الموقف، أمام فريق ذي خبرة ومتمرس في المباريات الإقصائية، عكس أستون فيلا وشيفلد وباقي الفرق المحلية في إنجلترا.

يبدو أن كلوب قد أصابه “الأوفر كوتشينج”، وهو المصطلح المرتبط بـ “الأوفر ثينكينج” أو كثرة التفكير الذي يؤدي إلى العصبية والتوتر والإرهاق والقرارات الخاطئة. هذا ما لاحظه الجميع على كلوب، من خلال تعبيرات وجهه، اعتراضاته المستمرة، وتغييراته الغريبة. صحيح أن ماني لم يكن في يومه، لكن خروجه كان مبكراً، كذلك تبديل صلاح الذي أضاع أخطر فرصة لليفر برأسية في بداية الشوط الثاني، ليدخل الثنائي أوريغي وتشامبرلين بدلاً من نجوم القارة السمراء، ويصبح الليفر بلا أي أنياب هجومية.

كلوب في لقطة تكررت كثيراً مع الحكم الرابع

كان واضحاً للجميع أن خط وسط ليفربول يعاني، لا يمرر ولا يبتكر ولا يتصرف في المساحات الضيقة، لذلك كان أولى دخول نابي كيتا بدلاً من إشراك جيمس ميلنر في الدقائق الأخيرة بلا أي فائدة، عكس سيميوني الذي تصرف بذكاء يحسد عليه، سواء في الضغط المتوسط بالشوط الثاني، أو إشراك توماس يورنتي مكان ليمار والتحول من 4-4-2 إلى ما يشبه 4-5-1، بإضافة لاعب وسط آخر إلى ثنائي الارتكاز وتحول كوريا إلى دور الجناح، ثم دخول كوستا وفيتولو مكان كوريا وموراتا بالدقائق الأخيرة، وهو ما جعل أتلتيكو يسيطر على آخر نصف ساعة بالطول والعرض، سواء على مستوى الفرص أو التحكم أو حتى الصراعات الفردية والبدنية دفاعاً وهجوماً.

سيميوني لم يمت بعد.. لكن المسدس بيد ليفربول 

لا يزال ليفربول هو الطرف الأقرب للصعود، بعد إضاعة موراتا فرصتين ذهبيتين على مدار الشوطين الأول والثاني، وتفريط أتلتيكو في الفوز بنتيجة هدفين على الأقل، لكن مباراة الواندا أثبتت للجميع أن فريق كلوب يمكن قهره وتقليل نقاط قوته، بل بإظهار عيوبه وسلبياته على مستوى الوسط والاندفاع الهجومي في بعض الأحيان دون تنظيم، كذلك أكد أن سيميوني لم يمت بعد، ويمكنه القيام بدور “الأندر دوج” على أكمل وجه. 

أحمد مختار هو صحافي رياضي، وكاتب مهتم بالتحليل والحديث عن كرة القدم وقصصها.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *