أخبار متفرقة

“جمهورية كأن”.. كابوسية أدبية أم واقعية حياتية؟

حينما أحاول تذكر ما جرى في بر مصر خلال السنوات الماضية، أجد الصورة ضبابية وغائمة للغاية. لا أجد خبراً واحداً موثوقاً في صحته أو حقيقته، أو دليلاً واحداً على وقوع ذلك الحدث أو ذاك دون أي مؤثرات وحبكات إضافية علی غرار تلك التي تُصنع في هوليوود، والتي تصنف الناس كأشرار وأخيار ينقذون البلاد من فك الظلام الذي كاد يلتهمها.

بالصدفة البحتة، وقعت أمامي نسخة إلكترونية لرواية “جمهورية كأنّ” للأديب علاء الأسواني الذي كتب رواية من الصعب تصنيفها أو وصفها، ولكنه كتب على غلافها الخارجي المتداول مع النسخة الإلكترونية:

“عن القاهرة ويناير: عن مازن، وأسماء، واللواء علواني، والشيخ شامل وكثيرين آخرين من الشخصيات التي شكلت فسيفساء الثورة ضد النظام. رواية صادمة ومرعبة ومشوقة عن إحباط الثورة عبر التحالف الغاشم بين السلطة والإعلام والخطاب الديني”.

“كأن” جاءت لتوثيق ما حدث، وما يحاول الجميع طمسه وتشويهه، أو محو ملامحه لتتحول لمسخ مخيف يرددون عنه طيلة النهار والليل أنه كان مؤامرة. ثورة “25 يناير” الذكرى الوحيدة التي تقضّ مضاجع الظالمين، وتجعلهم عراة أمام أنفسهم، تفضحهم مخطئين ورعاعاً وسارقين، بل جلادين وآفاقين.
“25 يناير” تعرّي ضعف كل من يكرهها، لذلك يتم نبذها وتجاهلها تارة وتشويهها تارة أخرى. تجري محاولات طمسها كأنها حدث لم يحدث. ولعل هذا ما جعل الأسواني يشرع في كتابة تلك الرواية، التي مُنع تداولها في مصر ولم تُقرأ إلا مسربة في دهاليز الإنترنت. لعل الأسواني أراد أن تكون “جمهورية كأن”مرجعاً شاملاً، أو رواية تأريخية لما حدث في ذلك الوقت. وربما تقاطعت تلك الرغبة مع رغبته في كتابة رواية واقعية كئيبة. رواية عن “أشرف ويصا” مثلاً، الممثل الفاشل الذي هرب من فشله وعجزه عن إيجاد وظيفة بالحشيش والكتابة، لعله أراد أن يحكي عن معاناة “أشرف ويصا” في مجتمع فاشل من وجهة نظره ولا يستطيع أن ينجح فيه، لأنه غير مجامل ولا منافق ولا يحب أن يصل لمكانة على حساب آخر بالكذب أو المداهنة، لعل تقاطع الحدثين في عقل الأسواني هو ما أنتج “جمهورية كأن”.

“سيقتلوننا ويهتكون أعراضنا ويصفّون عيوننا بالخرطوش، ولن يحاكمهم أحد ولن يحاسبهم أحد.. عارف ليه؟ لأننا ولا حاجة”.

عند هذا المقطع من رواية “جمهورية كأن” بالأخص تفلتت مني العبرات، بكيت بحرقة، شعرت بألم حارق في صدري، تذكرت صديقتي “شيماء سامي” التي تم القبض عليها منذ عدة أيام ولم تظهر حتى الآن في أي مكان ولم يعرف أي شخص عنها أي شيء، تذكرت أن هذا ما ثار عليه الناس في “25 يناير” وأن هذا لم يتغير، وعلی ما يبدو، لن يتغير لسبب لا يعرفه أحد. إذا كنت تعيش في “كأن” فبالطبع قراءة رواية مثل هذه ستكون مبكية وصادمة ومحزنة جداً، إنها عمل جنائزي متكامل.

بهذه الرواية، نجد علاء الأسواني في مكانة بعيدة عن غيره تجعله يكتب «521» صفحة ولا يتسلل الملل إليك في أي لحظة، يجعلك تنظر حولك لتطابق الواقع بما كتبه، فتجد الصورة متطابقة، مع لمسة فنية يتركها الأسواني في أعماله، هي بالطبع لا تمحي قبح الواقع، ولكن لا يمكن وصف أي شيء في هذا العمل إلا بالجودة العالية والحرفية والإبداع.

“إلی هذا الحدّ، يمكن أن يؤثر الدين في الإنسان، فيجعله يتنازل عن حقوقه؟”،

معضلة فلسفية أخرى يلقيها الأسواني في وجه القراء، كيف يخضع الناس للسلطة الظالمة؟

في بعض الأحيان، عندما تحاول السلطة السيطرة على مجتمع ما، فإنها تقنعه بأن سكوته وخضوعه جزء من صفقتهم مع الإله لدخول الجنة، فكلما زادت المعاناة على الأرض زاد قبول الله ورضاه على عباده وارتفعت درجاتهم في نعيم السماء.

ثرثر، وقل أي شيء، ثم قل إن هذا أمر من الله، أو إن هذا يرضي الله، ستجد الأغلبية في حيرة لا يجدون رداً، وبعدها تراهم منساقين خلف الفكرة وداعمين لها، وفي النهاية سينفّذون أي شيء تطلبه. اطلب منهم الكذب، القتل، التحريض علی القتل، اطلب منهم قتل أنفسهم، اطلب أي شيء لكن ضعه في قالب ديني، وأقنعهم بأن طلباتك تلك مرضاة لله وستجد نتائج مبهرة. لكن هذا بالضبط ما يؤدي إلی هلاك الشعوب والأمم، وقوعهم تحت سطوة الحاكم المتدين الظالم، أو الحاكم الذي يرون أنه يحكم باسم الدين فلا ظلم في ظلمه وإنما هو أمر الله الذي يجب أن يصبر عليه المؤمنون.

تحالف “السلطة” مع “رجال الدين” يؤدي إلی حكم ممسوخ الهوية، غير مستقر، وأحياناً غير إنساني، ولأن المصالح تحكم أكثر من أي شيء فهناك أوقات تمد يدك في يد عدوك لهزيمة عدو جديد، وهذا حدث في بلدنا. وهذا أدى إلى تدهور الأحداث في مصر حتى اكتست البلاد بالسواد، كل شبر مصري مرويٌّ بالدماء والأشلاء. كل حارة مصرية شهدت محاولات مستميتة لقمع صوت الحق والإنسانية وأي مطلب اجتماعي. مصابو الثورة ما زالوا أحياء ليشهدوا بهذا، وفتيات “كشوف العذرية” ما زلن أحياء، ولكنهم بالطبع لم يشهدوا بهذا خوفاً من العار، العار الذي يلاحق كل من يسكت عن حقه، ويبقى مثلنا جميعاً كخروف ينتظر الذبح لأي سبب.

“المدهش أنه اعتاد عزلته. لم يعد يضيق بها. لا يحسّ بملل، ولا يتوق إلی الخروج، بل إنه في أعماقه، للغرابة، يحس بتلك الراحة التي يخلفها اليأس. كأن أكثر ما كان يخشاه قد حدث فلم يعد يخشی شيئاً”.

هكذا بات حال أغلب من شاركوا في الثورة، جزء كبير فقدَ شغفه، بالطبع هناك من فقدوا أعينهم أو أصيبوا بإصابات بالغة، ولكن من نجا بجسده لم ينجوا بروحه، كثير من هذا الجيل الذي أراد ووقف الجميع أمام إرادته تحطمت أرواحهم، ومسَّتها الكآبة وعطبت كل بوادر الأمل بهم، وفي الحقيقة أری أن أي حديث عن الأمل في ظل ما نحياه يعد درباً من دروب الوقاحة، لأن شيئاً لم يتغير.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *