مرآة العالم

حين تصدر الباقلاني إمامة الأشعرية

هو أبو بكر محمد بن الطيب محمد، المعروف باسم الباقلاني 950 ـ 1013م، أخذ الفقه عن أبي البكر الأبهري، وأخذ علم الكلام عن أبي عبدلله بكر بن مجاهد المعروف بالبصري الطائي.

يعد من أهم الشخصيات الأشعرية، وإليه يعود الفضل في نشر المذهب لدى عموم السنة.

كتب ابن خلدون في الفصل العاشر (علم الكلام) من الباب السادس من المقدمة:

وكثر أتبـــاع الشيخ أبــي الحسن الأشعـري
واقتفـــى طريقتـه مــن بعــده تلميذه كــابن 
مجــاهد وغيـره، وأخــذ عنهـم القـاضـي أبـو 
بكـر البـاقلاني فتصدر الإمـامة في طريقتهم
وهــذبهـا ووضـع المقــدمــات العقليـة التــي 
تتـوقف عليهـا الأدلـــة والأنظـــار وذلـك مثـل
إثبــات الجـوهر الفرد والخــلاء وأن العرض لا 
يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين.
وجعـل هــذه القــواعد تبعـا للعقائد الإيمانية
فـي وجـــوب اعتقــادهـا لتــوقف تلك الأدلة 
عليهــا وأن بطــلان الــدليل يــؤذن ببطـــلان 
المدلول.

إذا كان أبو موسى الأشعري قد خط منهجا وسطا بين العقل والنقل، فإن الباقلاني وضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة كالحديث عن العلم وعلم الموجود قديمه وحديثه وعن الجوهر والعرض والجسم لإثبات حدوث العالم.

كان الباقلاني حجة في زمانه، ومن أهم من رد على اليهود والنصارى، ولذلك أرسله عضد الدولة البويهي عام 982م إلى إمبراطور بيزنطة باسيليوس الثاني في القسطنطينية، ردا على سفارة الإمبراطور لعضد الدولة في شان مصير أخ الإمبراطور المتمرد.

يروي القاضي عياض في كتابه “ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك”، أن إمبراطور بيزنطة أراد أن يذل الباقلاني ويجعله يركع له أثناء لقائه، فما كان من الإمبراطور باسيليوس الثاني إلا أن وضع سريره وراء باب صغير لا يمكن لأحد أن يدخله إلا راكعا، فلما رآى الباقلاني الباب، تفكر قليلا، ثم أحنى رأسه ودخل الباب مستقبلا الإمبراطور بدبره حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه ونصب ظهره، ثم أدار وجهه إلى الإمبراطور.

استغل الإمبراطور سعة علم الباقلاني ليسأله في بعض المسائل الدينية، ومن الحوارات التي جرت بينهما:

باسيليوس: ما تقولون في المسيح عليه السلام؟

الباقلاني: روح الله وكلمته وعبده ونبيه ورسوله.

باسيليوس: تقولون عبدا ولا تقولون ابن الله؟

الباقلاني: نعم! هو عبد الله، ومعاذ أن يكون ابن الله، ما اتخذ الله ولدا وما كان معه إله.. إنكم تقولون قولا عظيما بجعلكم المسيح ابن الله، فمن أبوه وأخوه وجده وعمه وخاله؟

باسيليوس: المسيح يخلق ويحيي ويميت ويبرئ الأكمه والأبرص؟

الباقلاني: لا يقدر العبد على ذلك، وإنما ذلك كله من فعل الباري تعالى.

باسيليوس: كيف يكون المسيح عبدا لله وقد أتى بهذه الآيات؟

الباقلاني: ما أحيا المسيح الموتى ولا أبرأ الأكمه والأبرص، وإنما فعل ذلك كله بالله وحده، لا من ذات المسيح، ولو كان المسيح فعل ذلك بذاته، لجاز القول إن موسى فلق البحر.

العالم

يبدأ الباقلاني كتابه “التمهيد” بباب العلم وأقسامه، ثم باب المعلومات والموجودات، قبل أن يصل إلى باب الكلام في إثبات حدوث العالم، فيقول: 

جميـع العـالـم العلــوي والسفلـي لا يخـرج
عــن الجــواهـر والأعـراض، وهــو محـــدث
بـأسره، والأعراض حـوادث، والـدليـل علـى
حـدوثها بطلان الحركة عند مجيئ السكون،
لأنهـا لو لم تبطل عند مجيئ السكون، لكانا
موجـودين في الجسم معا، ولوجب ذلك أن
يكـون متحركـا سـاكنا معا، وذلك ممـا يعلـم
فساده ضرورة.

ويتابع الباقلاني القول: 

لا بد لهذا العالم المحدث المصور من محـدث
مصور، والدليل على ذلك أن الكتابة لا بد لها
من كاتب، ولا بد للصورة من مصور.

ولا يجوز أن يكون فاعل المحدثات محدثا، بل يجب أن يكون قديما، والدليل على ذلك أنه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث، لأن غيره من الحوادث إنما احتاج إلى محدث من حيث كان محدثا، وكذلك القول في محدثه في وجوب حاجته إلى محدث آخر.

صفات الله

الله حي لأنه فاعل عالم قادر، والفاعل العالم القادر لا يكون إلا حيا، والدليل على أنه عالم، وجود الأفعال المحكمات منه، لأن الأفعال المحكمات لا تقع منا على ترتيب على ترتيب ونظام إلا من عالم.

ويتابع الباقلاني القول: 

فإن قـال قائل: فما الدليل علـى أنه سميع
بصير متكلم؟ قيل لـه: الدليل على ذلك أنه
قـد ثبت أنه حـي، والحـي يصـح أن يكــون
سميعـا بصيـرا  متكلمـا، ومتـى عـري مـن
هـذه الأوصـاف، فـلا بـد أن يكـون مـوصوفا
بأضدادها من الخرس والسكوت والعمى..
فلم يجز وصف القديم بشيء منها.

يميز الباقلاني بين الصفة والموصوف، فالصفة هي الشيء الذي يوجد بالموصوف  أو يكون له ويكسبه الوصف أو النعت الذي يصدر عن الصفة، وقد تكون الصفة طارئة في الموصوف كالألوان والإرادة والكراهية، وقد تكون لازمة له فتكسب الموصوف وصفا يخالف من ليست له هذه الصفة إذا كانت طارئة به، كوصف الله بالعلم والقدرة والحياة والكلام والإرادة.

وما عدا ذلك من صفاته الثابتة الموجبة له مفارقة من ليس على هذه الصفات، وإن لم يتغير القديم سبحانه بوجودها به عن حالةكان عليها، إذ كانت لم تزل موجودة.

ويعرف الوصف بأنه “قول الوصف لله ولغيره بأنه عالم حي قادر منعم متفضل، وهذا غير الصفة، لأن الوصف قضية يحكم عليها صدقا أو كذبا، بينما الصفة اسم مفرد لا يحتمل الصدق والكذب، وهذا يعني أن لكل وصف صفة، بمعنى لكل موصوف صفة، ولكن ليست لكل صفة وصفا.

ووصف الله لنفسه بصفات ذاته هوة صفات الذات، أما وصفه لنفسه بصفات أفعاله فهو غير صفاته، لأن هذه الصفات هي أفعال الله، وهي محدثات، ومن صفات أفعاله.

هنا يوجه الباقلاني سهامه الناقدة إلى المعتزلة لأنهم وحدوا بين الذات والصفات، وجعلوا الصفات عين الذات، ومع أن الباقلاني يقر بأن الذات موصوفة بصفات لازمة لها، إلا أن ذلك لا يعني ـ كما يذهب المعتزلة ـ أن تكون الذات هي هي الصفات أو أن يكون العلم أو القدرة أو الحياة هي هي الله.

وإذا كانت الصفة ليست هي الموصوف، فإن الأمر مختلف في الاسم والمسمى، ففي حين يعتبر المعتزلة أن الاسم غير المسمى، يعتبر الباقلاني والأشاعرة أن الاسم هو المسمى، مستشهدين ببعض الآيات، مثل “لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه”.

ويتابع بالتمييز بين نوعين من أسماء الله: نوع منها هو هو تعالى إذا كان عائد إلى ذاته مثل كونه موجودا وقديما وواحدا، ونوع آخر هو اسم الله يعبر عن الصفة الحاصلة له، مثل عالم يعبر عن العلم الحاصل له، فالصفة هنا غير الموصوف، ولكنها أسماء له، وهذا يعني أن صفات الله لا هي ذاته ولا هي غيره.

خلق القرآن

ينتقل الباقلاني بعد ذلك لمناقشة مسألة خلق القرآن، فيورد عدد من الأدلة على بطلان مقولة المعتزلة في أن القرآن مخلوق، فيقول:

والـذي يـدل على نفـي خلق القرآن من 
القرآن، قـوله تعـالى “إنمـا قولنا لشيء
إذا أردنـاه أن نقـول له كن فيكـون”، فلو
كان القرآن مخلوقـا، لكان مخلـوق بقول
آخــر، وذلـك يـوجـب أن لا يـوجد مـن الله
فعل أصـلا، إذا كـان لا بـد أن يوجـد قبـله
أفعــال هـي أقاويل لا غـاية لهـا، وذلــك 
محال.

ومن أدلته على أن القرآن غير مخلوق، قوله:

لـو كـان القرآن مخلوقـا، لكان لا يخلو أن 
يكــون جسمـا قـائمــا بنفسـه أو عرضـا 
مفعولا فــي غيره، ويستحيل أن يكــون
جسمــا ، كمـــا أنــه لا يجــوز أن يكـــون 
بنفسـه قائما، وأن يكون كلاما لا لمتكلم
لأن الجسـم ليس تعلــق بغيـره كتعلـق
الصفـات، ولأن الأجسام كلهـا من جنس 
واحد، فلو كـان بعضهـا كــلاما لخـالق أو
مخلـوق، لـوجب أن تكــون جميعا كلاما،
وفـي فساد ذلك دليل على أن الكلام لا
يجوز أن يكونة جسما.

نظرية الكسب

إذا كان الباقلاني قد أخذ بنظرية الكسب عن أبي الحسن الأشعري، فإنه قام بتطويرها وجعلها أكثر مرونة، رافضا تجاهل الأشعري لتأثير القدرة الإنسانية الحادثة.

يقول الباقلاني: 

فإن قـال قائل: فهـل تقـولون إن الإنســــان
مستطيع لكسبه؟ قيل له: أجـل، فإن قـال: 
ولم قلتم ذلك؟ قلنا: لأن الإنسان يعرف من
نفسه فرقا بين قيامه  وقعوده وكــلامه إذا
كان واقعا بحسب اختياره وقصـده، وبين ما
يضطر إليه مما لا قدرة له عليه، من الزمانة 
والمرض والحركة من الفالج وغير ذلك.

وهذا يعني أن الإنسان يفرق بين أفعاله الاختيارية وأفعاله الاضطرارية التي لا قدرة له عليها.

لا يفهم من ذلك أن الباقلاني يتجاوز نظرية الكسب للأشعري عندما يقول بالأفعال الاختيارية، فقد احتفظ بالإطار الناظم للنظرية، فالاستطاعة حال الفعل فلا يقدر الإنسان على الفعل قبل الكسب، ذلك أن القدرة الإنسانية عرض لا يبقى زمانين، وإلا لأمكن استغناء الإنسان بفعله عن ربه أن يعينه عليه. 

إذا كانت الحركة مخلوقة لله، فإن تخصيصها وكونها على هيئة مخصوصة من تأثير القدرة الحادثة للإنسان.

العلية

يذكر أحمد محمود صبحي أن أصالة الباقلاني كمتكلم تكمن في آراءه الجديدة حول العلية وإجراء العادة، وهو الرأي الذي أصبح مميزا للفكر الأشعري في مجال الطبيعة وما بعد الطبيعة.

والمقصود بالعلية لدى الباقلاني عدم وجود ضرورة بين العلة والمعلول، ويستند في رأيه هذا إلى قضيتين:

ـ إطلاق القدرة الإلهية في الطبيعة، فليس لأي ظاهرة طبيعية فعل خاص بها يصدر عنها طبعا.

ـ لا مقوم داخلي للجسم يجعل منه فاعلا من تلقاء ذاته، ومن ثم فلا ضرورة في فعل الأجسام.

يريد الباقلاني من ذلك القول بجريان العادة ونقض مبدأ الضرورة بنقد فكر الطبائع مستندا إلى أن الأجسام لا تتفاوت في طباعها الذاتية لأن كلها جنس واحد.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة