مرآة العالم

حي بن يقظان: أربع قصص بأهداف أيديولوجية مختلفة (4-4)

ابن النفيس

اسمه ابو الحسن علاء الدين علي بن أبي الحزم
الخالدي المخزومي القرشي الدمشقي الملقب بابن النفيس 1213 ـ 1288، ولد بدمشق
وانتقل إلى القاهرة حيث طابت له الإقامة هناك حتى بلغ الثمانين من عمره، ووصف بأنه
شيخ الطب في الديار المصرية.

تميز ابن النفيس في فن الطب، ويُنسب إليه
اكتشاف الدورة الدموية (الصغرى) التى مجالها الصدر، في حين ينسب اكتشاف الدورة
الدموية (الكبرى) للطبيب الأوربى الكبير هارفي.

معظم مؤلفات ابن النفيس ضاعت، ولم يبق من
أعماله الفلسفية سوى هذا الأثر النادر الذى ثم اكتشافه مؤخرا، وهو المعروف
بالرسالة الكاملية، وظلت هذه الرسالة مهملة في دار الكتب المصرية حتى تناولها
المستشرقان ماكس مايرهوف ويوسف شاخت، ونشراها في أوكسفورد العام 1968 مع ترجمة
انكليزية لها.

لابد من التعريف المختصر بالرسالة الكاملية في
السيرة النبوية، ثم استخلاص أهم الأفكار الفلسفية التي توصل إليها ابن النفيس.

الرسالة الكاملية، هي عبارة عن حكاية متخيلة
يروي فيها على لسان الراوي (فاضل بن ناطق) ما حدث لرجل اسمه (كامل) منذ نشأته حتى
توصله إلى أسمى الأفكار العقلية، والتي تفسر ما جاء فى الشريعة أو تتفق معها.

لـ ابن سينا مكانة عالية عند ابن النفيس، خصوصا
في مجال الطب، ولكونه فقيها شافعيا، فقد وجد في الكلام عن قدرة الإنسان في الإطلاع
على الحقائق العلوية بالتجرد عن الحسيات خطرا يهدد الشريعة، وتصبح معها الرسالة
النبوية لا معنى لها، وبالتالي تنهار الشريعة.

كتب ابن النفيس قصته تحت عنوان “فاضل بن
ناطق” والاسم له دلالة، إنها الفضيلة المرتبطة بالرسالة النبوية.

تعتبر “الرسالة الكاملية”، رواية
فلسفية، تجسد نوعا من التفاعل مع قصة ابن الطفيل، ومزجها بمعرفته الطبية مع عناصر
من الخيال العلمي.

هدف ابن النفيس من القصة كان تبيان أن الإنسان
يستطيع بالعقل المجرد، معرفة القوانين الطبيعية والتاريخية، كما يمكنه من خلال
العقل والفطرة الطبيعية في الأنسان أن يثبت حقيقة الدين الإسلامي.

الرسالة الكاملية / فاضل بن ناطق

محور هذه الرواية تدور حول شخص يدعى كامل، لم
يولد ولادة طبيعية من رجل وامرأة، بل ولد في مغارة في جزيرة معتدلة الهواء، كثيرة
العشب والأشجار والثمار، عقب حدوث سيل كبير فيها تسرب الى المغارة مع ما جرفه من
تراب مختلف الطبائع.

يخرج كامل من مغارته، فيشاهد الطبيعة والفضاء،
ويسمع أصوات الطيور وخرير ماء الأنهار وحفيـف الرياح، ويشم روائح الزهور والنبات،
ويأكل من الثمار التي تساقطت من الأشجار، ويحس بحرارة الهواء وبرودته.

بعد ذلك، بدأ يغمض عينيه فتغيب المرئيات عنه
فإن فتحهما أدركها، وإذا سد أذنيه غابت عنه الأصوات، فإن أبعد عنهما أصبعيه
أدركها، فعلم أن هذه الأعضاء هي آلات للادراكات.

ثم تشوّق إلى معرفة منافع ما في داخل البطن
والصدر، فصار يشق بطون الحيوانات التي يمسكها، ويتأمل المعدة والأمعاء والكبد
والقلب والرئتين، حتى وقف على جملة كبيرة من علم التشريح، ثم انتقل بعد ذلك إلى
دراسة النباتات، ثم ظواهر البرد والثلج والمطر والرعد والبرق، فالأجسام السماوية
وحركاتها.

ونتيجة هذه الخبرات، امتلك كامل قدرة على
الاستنباط والاستقراء، ففكر في ما اذا كانت هذه الموجودات جميعا، موجودة بذواتها
أم بموجد، فاذا كانت لموجد، فما ذلك الموجد وكيف حاله؟ واذ شاهد كثيرا من الأجسام
توجد تارة وتنعدم أخرى، انتهى الى أنه لابد أن يكون للأجسام والظواهر الطبيعية
موجد غيرها هو واجد الوجود، هو الله الخالق.

في أثناء بحثه وتفكيره، ألقت الريح إلى الجزيرة
بسفينة فيها ناس كثر، فلما رأوا كاملا وأنسوا إليه قدموا اليه طعاما مطبوخا أعجبه
مذاقه، وثيابا تقيه حدة البرد، واجتهدوا في تعليمه لغتهم.

ارتحل كامل مع أصحاب السفينة، فأدرك أن الحياة
لا تستقيم إذا عاش الإنسان منعزلا، كما أدرك أن الحياة المشتركة تتطلب معاملات
مشتركة أيضا، بيد أن المعاملات قد تفضي إلى منازعات تحتاج تسويتها إلى قانون أو
شريعة يقبلونها ويطيعونها.

لكن الناس لن تصدق أي أحد إلا إن كان شخص يعظمونه
ويؤمنون باتصاله بالله في ما يخبرهم به، عن الله وصفاته وشرعه والثواب والعقاب
والأحكام.

ومع ذلك، يصعب على العقل الإنساني تقبل هذه
المفاهيم دفعة واحدة، ومن هنا كانت حكمة الله تعالى، أن ارسل الأنبياء والمرسلين
عبر التاريخ، لينقلوا ما يريده الله بالتدريج على مر التاريخ.

يفكر كامل في كيف ينبغي أن يُربّى هذا النبي
بعد مولده، فقال في نفسه أن هذا لما كان خاتم النبيين وفاضلهم وبه تكمل الشريعة
وبعده ينقطع الوحي، فلا بد أن يكون رسولا إلى الناس كلهم حتى لا تبقى أمة تحتاج
الى بعثة نبي آخر، ولا بد أن يكون ذا اعتدال حتى يتقبله كل الناس على اختلاف
مشاربهم.

وبالتالي وجب أن يموت أبوه أولا ثم تموت أمه،
فيربيه شخص آخر يستفيد من أخلاقه، ثم ترضعه امرأة غير مكية، حتى يستفيد من اخلاق
المكيين وغيرهم.

بعد ذلك، ينتقل ابن النفيس إلى كيفية معرفة
كامل للحوادث التي وقعت منذ المنازعة على الخلافة بين أصحاب هذا النبي بعد وفاته،
وحروب الدولة التي يؤسسها، حتى هجوم المغول، فلا يصدهم إلا ملك ذا بأس وقوة.

ولا يجوز أن يكون هذا السلطان من أهل المدن،
لأن أهل المدن بعيدون عن هذه الأخلاق، ولا بد أنه من أهل الأقاليم الشمالية
القريبة من أرض المغول لاتفاقه في المزاج معهم، واتفاقه معهم في الشكل أيضا، حيث
هو ضيق العينين، عريض الأكتاف، عظيم الرأس، وفي هذا يشير بعض الباحثين إلى أن ابن
النفيس كان يقصد بهذه الصفات، الظاهر بيبرس، حيث كان ابن النفيس طبيبه الخاص.

 

 

اقرأ أيضا: حي بن يقظان: أربع قصص بأهداف أيديولوجية مختلفة (1-4)

اقرأ أيضا: حي بن يقظان: أربع قصص بأهداف أيديولوجية مختلفة (2-4)

 


إقرأ أيضا: حي بن يقظان: أربع قصص بأهداف أيديولوجية مختلفة (3-4)

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة