أخبار متفرقة

خمسة إخوة في خمس دول.. حكاية عائلة سورية دمرتها سنوات الحرب واللجوء

كانت آخر مرة تجمّع فيها الإخوة الخمسة معاً في أغسطس/آب 2012، داخل ملجأ للتحصُّن من القنابل في جنوب سوريا. كان يتزامن هذا التوقيت مع شهر رمضان، وكان الإخوة يفطرون يومياً على أصوات قذائف المدفعية والقصف الجوي الذي كان يدقّ حيّهم المحاصَر. بعد ذلك بأيامٍ قليلة اقتحم الجيش السوري المنطقة، وفرّوا جميعهم.

يقول فريد، أخوهم الأكبر، لصحيفة The Guardian البريطانية: «لم أتوقع أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي نرى فيها بعضنا البعض، حتى مع قصف المدفعية والقنابل لم نعتقد أبداً أن يؤول بنا المطاف إلى ما نحن عليه الآن».

وما إن أصبحت مخاطر البقاء في سوريا غير محتملة، سَلَك كل واحد من الإخوة الخمسة طريقاً مختلفاً، ليواجهوا بعض المخاطر. الآن، يجدون أنفسهم مشتتين في أنحاء العالم، يعيشون في خمس دول مختلفة، وأمامهم خمسة مسارات مختلفة نحو المستقبل. 

5 ملايين لاجئ مشتتون في الأرض

عبر الشرق الأوسط، تدهورت الأوضاع، غير المستقرة بالأساس، لأكثر من 5 ملايين لاجئ سوري بسبب الحرب. وفي تركيا، يواجه بعض السوريين احتمالية إعادة توطينهم في «منطقة آمنة» انتزعتها أنقرة وحلفاؤها المعارضون السوريون مؤخراً، من التنظيمات الكردية المسلحة.

يترنّح الاقتصاد اللبناني. وبينما تُضيّق قوات الرئيس السوري بشار الأسد حصارَها المفروض على إدلب، وهي آخر المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة، يقول مسؤولون لبنانيون بارزون إنه حان الوقت كي يعود اللاجئون، الذين فروا من هناك، إلى بلادهم. 

بالنسبة لعائلةٍ واحدةٍ مكونة من خمسة إخوة، من محافظة درعا جنوبي سوريا، فإن الضغط المتزايد على اللاجئين السوريين في المناطق المختلفة يوسّع الهوة التي تُباعد بين الأماكن التي وجد كل واحد منهم نفسَه فيها، بعد مرور ما يقرب من تسع سنوات على اندلاع الاحتجاجات ضد نظام الأسد.

رامي في لبنان

عندما ذهب أخوه إلى العمل صباحاً، في يوليو/تموز، ولم يعد مطلقاً، تكهَّن رامي بأنَّ السلطات اللبنانية ربما تكون قد احتجزته. كان هذا أمراً عادياً، إذ يُلقى القبض على السوريين الذين لا يحملون أوراقاً رسمية في كثير من الأحيان في بيروت، ثم يُطلق سراحهم بعدها بأيامٍ قليلة.

عندما لم يظهر أخوه اتّصل رامي بالمكتب المحلي لوكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وقال المسؤولون بالوكالة له إنه لا توجد سجلات رسمية تفيد باحتجاز أخيه حسن لدى السلطات اللبنانية، وإن عليه الاتصال بالصليب الأحمر على نحوٍ عاجل. يقول رامي: «بدأت أصاب بالفزع، كنت أفكر بأن الأمر خطير». 

بعدها بأسابيع تلقَّى اتصالاً من رقمٍ سوري، بدا صوت حسن منهكاً، لقد أُطلق سراحه للتو بعد أن احتُجز لأسابيع في فرعٍ تابع لشعبة الاستخبارات العسكرية السورية المُخيفة.

شنَّت الحكومة اللبنانية حملةً منسقة لهدم المنازل الخرسانية الموجودة في مخيمات اللاجئين، وداهمت الشركات للكشف عن السوريين الذين يعملون بشكلٍ غير قانوني فيها. ورُحِّل ما لا يقل عن 2700 شخص من لبنان، من بينهم سبعة على الأقل تأكدت أنباء القبض عليهم أثناء عودتهم إلى سوريا، وكان حسن أحد هؤلاء الأشخاص المقبوض عليهم. 

منذ إلقاء القبض على أخيه، ورامي (30 عاماً)، نادراً ما يغادر منزله المكون من غرفتين، ويعيش فيه مع زوجته وابنتيه في حي في جنوب لبنان.

في 2012، كان رامي لا يزال طالباً. عندما اقتحم الجنود السوريون حيَّهم، وفرَّ بعض إخوته جنوباً إلى الأردن، درس رامي الخيارات المتاحة لديه. لم تكن هناك أي فرصة أمامه للدراسة أو العمل في الأردن. يقول: «لذا، قرّرت البقاء وفكرت أنه بعد أن تهدأ الأمور ويتحسن الوضع أريد الحصول على شهادتي».

تبخّرت كل آمال انتهاء الثورة سريعاً بحلول عام 2015، عندما أعاد الجيش السوري الحر سيطرته على الحي الذي كان يقطنه رامي، وهو ما دفعه إلى العودة إلى وطنه. يقول رامي إنه عمل لمدة ثلاث سنوات مع المنظمات الإنسانية لتوصيل الطعام والدواء إلى المحتاجين.

كان رامي مجبراً على الخدمة في الجيش السوري مثل معظم الرجال السوريين. وقد جاء موعد تجنيده وانتهى دون أن يلتحق بالجيش. أخيراً، صدر أمرٌ بإلقاء القبض عليه. وعندما استعاد الجيش السوري سيطرته على الحي في يونيو/حزيران 2018، كان قد حان وقت هروبه.

توفر بيروت حماية قليلة للاجئين. يخشى رامي أن يغادر المنزل في أحد الأيام لشراء احتياجاته من البقالة دون أن يعود إلى منزله مرةً أخرى. وليس لدى عائلته أي وسيلة ليعرفوا بها ما إذا كان قد أُلقي القبض عليه.

يقول رامي: «أسأل الأمم المتحدة كل أسبوع إذا كنت أستطيع الخروج من لبنان. إذا كان هناك طريق للسفر عبر البحر سأقصده. أنا فقط لا أريد أن أشعر بالخوف مجدداً، كان أخي حسن رجلاً كبيراً ومصاباً. رغم هذا أجبروه على العودة (إلى سوريا)، فما الذي سيمنعهم من أخذي أيضاً؟»

وإذا ما رُحِّل من لبنان سيُجبر رامي على الالتحاق بالجيش السوري على أقل تقدير. وسيكون هذا أفضل من السيناريو البديل؛ أن يُعاقب على أفعال أخيه الأكبر كريم.

كريم في السويد

اشتهر كريم عبر حيّه بخطه الجميل. في الوقت الذي كانت تنعم فيه سوريا بالسلام كان يكتب لافتات وملصقات المتاجر بخطه العربي الراقي. وعندما بدأت الثورة في 2011، استخدم فرشاته لكتابة اللافتات التي كان يحملها المحتجون وتدعو إلى إسقاط النظام. 

وسرعان ما تَخرَّج ليبدأ تصوير الاحتجاجات وآثار عنف النظام، وإرسال مقاطع الفيديو إلى محطات التلفاز. عندما بدأ يظهر في بعض مقاطع الفيديو للتعليق على الأحداث أو محاورة الضحايا، عرف كريم العواقب المحتملة لما يفعله. يقول: «سيعرف النظام اسمي، وشكلي، وسيكون لديهم ملفٌ يحتوي على معلومات عني وعن الأشخاص الذين أعرفهم».

أرسل كريم عائلته إلى الأردن، لكنه ظلَّ في درعا لتصوير القتال. وكان يتنقل للسكن بين عدة منازل آمنة لمدة عامين، لكنه كان مطارداً؛ إذ يقول: «بدأ النظام يعرف أين أنام».

في عام 2015، قدَّم كريم طلباً وهو في عمّان للجوء إلى أوروبا، بعد ذلك بستة أشهر حصل طلبه على الموافقة، واستقرَّ في مدينة فيمربي بالسويد مع زوجته وأطفاله الثلاثة. رُزق كريم وزوجته بطفلةٍ رابعة هناك. يقول: «هي لا تعرف شيئاً عن سوريا، وعن عائلتها، وعن تاريخها».

لكن النهاية ليست سعيدة بعد، إذ يعمل كريم في وظيفتين كي يتمكّن من إرسال المال لإخوته في الأردن، وسوريا، ولبنان. ويقتله القلق بشأن المخاطر التي يواجهونها، وخاصةً أخاه حسن. يقول كريم: «لقد سُجن بسببي، كان يحمل فقط اسم العائلة، كنت أنا السبب في وجوده هناك (في السجن)».

فريد في الأردن وسمير في ألمانيا

يقول فريد بينما يقف في شرفة فيلا مبنية على الطراز الإسباني، تقع عند أطراف شمالي الأردن: «هناك، توجد الحدود الإسرائيلية». يحتوي المنزل غير المكتمل حمامَي سباحة، ودَرجاً من الرخام، وحديقة خلفية تزيّنها أشجار النخيل. جرى التعاقد مع فريد لبناء هذا المنزل، وهو ينام بجانب ابنه على حصائر رفيعة على الأرض.

غادر فريد سوريا في 2013، سائراً لمدة ست ساعات تحت قصف المدفعية وفي الظلام، برفقة قافلةٍ كبيرة مكونة من 1500 عائلة. تفرقت معظم هذه العائلات عن بعضها البعض وهم في الطريق. يقول فريد، 45 عاماً: «لم يكن لديك أدنى فكرة عمّن هم موجودون حولك، لم نجرؤ على استخدام هواتفنا المحمولة، أو حتى إشعال سيجارة، حتى لا يرى أحد الضوء».

يعاني الاقتصاد الأردني من ركودٍ، وتتزايد التظاهرات احتجاجاً على تكلفة المعيشة. غير أن الحكومة الأردنية خفّفت بعض تشريعات العمل من أجل اللاجئين السوريين، وتقول إنها لن ترحّل أي شخصٍ على غير رغبته. 

عاش فريد، وكريم، وأخوهما الآخر سمير معاً في الأردن لعدة أشهر في 2015. تجادل الثلاثة بشأن الالتحاق بآلاف السوريين الذين يحاولون السفر إلى أوروبا. يقول فريد إن مخاطر السفر كانت كبيرة، لكن سمير كان مصمماً على السفر: فما البديل المتاح؟

يقول سمير، 39 عاماً، من ألمانيا، حيث يعيش حالياً: «كان ابني في السادسة من عمره ولم يتعلم بعد كيف يقرأ، يحتاج الرجل أن يوفر لعائلته حياةً آمنةً».

جمع ما يكفي من المال لشراء تذكرة طيران إلى تركيا، حيث دفع هناك 1200 دولار لمهرب، كي يحصل على مقعدٍ على قارب متداعٍ في طريقه إلى اليونان. يتذكر سمير: «كانت الناس مكدسة فوق بعضها البعض وتتحرك بصعوبةٍ، كنا نصلي كي لا ينهار القارب أو يدخل إليه ماءٌ كثير يغرقه».

قدّم فريد طلباً عدة مرات لإعادة توطينه في أوروبا على نحوٍ قانوني، لكن لم يحالفه الحظ إلى الآن، هو يعاني في حياته، لكنه لا يزال صامداً.

يقول فريد: «نصمد بالكاد عبر العمل في وظائف عشوائية»، مضيفاً أن الوضع كان يمكن أن يزداد سوءاً. كان يمكن أن يغرق في البحر أو يعيش محاصراً بالقلق في لبنان، أو كان يمكن أن يُرحّل إلى سوريا.

حسن في سوريا

كان حسن آخر من غادر سوريا بين إخوته، بمجرد أن سقطت درعا في قبضة النظام، في العام الماضي، كان يوجد فقط ما يكفي من المال لتهريب أخٍ واحد إلى لبنان. سافر رامي أولاً، وبمرور الوقت تمكّن أخواه في أوروبا من ادخار المال الكافي لحسن، الذي فرَّ من البلاد في أبريل/نيسان من العام الحالي، عابراً الحدود إلى لبنان، حيث نفد صبر البلاد تجاه لاجئين مثله.

لكن كان لا يزال لديه أصدقاء في المدينة، سمح له أحدهم بالعمل في متجره للأثاث لعدة أيام في الأسبوع، وكان يحصل حسن على عمولة صغيرة مما يبيعه.

كان قد مرّ على وجود حسن في لبنان أقل من ثلاثة أشهر، عندما وصل ضباط الأمن إلى المحل، وسألوا طاقم العمل عن بطاقات هويتهم الشخصية. يقول رامي: «كان الأمرُ وكأن أحداً ما قد وشى به، لقد أتت السلطات إلى المتجر بحثاً عنه بالذات».

كان كريم أول من عرف نبأ سجن أخيه، رتّب وسيطاً لنقل 5 آلاف دولار إلى مسؤولٍ فاسد للحصول على معلومات بشأن مكان احتجاز حسن. حصل المسؤول على 20 ألف دولار أخرى لإطلاق سراحه.

وحالياً، عندما يتواصل إخوة حسن معه عبر الهاتف، يراوغ في الحديث معهم. فهو لا يقول لهم أين ينام، ويتحدث بإبهام عما حدث له في السجن.

يقول كريم: «يقول لنا فقط: إن السجن مثل ما تعتقد، مثل ما تتخيله كلياً».

من غرفته في بيروت، حيث يصدر صوت التلفاز الذي يشاهده أطفاله وصوت زحام المرور في الخارج، يقول رامي إن أخاه في سوريا يواصل إصدار التحذير نفسه له. ويتابع: «يقول لي فقط: اختبِئ. لا تتركهم يصلون إليك».

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *