مرآة العالم

رواية “ناقة صالحة”.. محاولات السنعوسي للتمرّد على الشهرة

إن نجاح أي عمل أدبي، النجاح الذي يرفع كاتبه إلى مصاف المشاهير ويضع عمله في قوائم “البيست سيلر”، يدفع الكاتب إلى التفكير ملياً في أسباب النجاح وعوامله، وإلى محاولة تكرار هذا النجاح في أعماله القادمة.

 

فيدفعه خوفه من فقدان الشهرة إلى تكرار نسق عمله السابق فيعيد إنتاج روح هذا العمل عبر قصّة جديدة دون أن يستطيع تجاوز أفقه. وقد وقع في هذا الفخ كثير من الكتّاب العرب والعالميين؛ كالروائي المصري علاء الأسواني والروائي البرازيلي باولو كويليو والروائي الياباني هاروكي موراكامي. 

إن الوقوع في التكرار يجعل القارئ في غنى عن قراءة أكثر من عمل أو عملين للكاتب. فأنت لست بحاجة لقراءة أكثر من رواية أو اثنتين  لباولو كويليو لتتشرب طريقته التأملية في الكتابة، ولتحفظ أسلوبه في العقدة والحل الذي يأتي دائماً في الصفحة الأخيرة. فأنت تعرف ،مسبّقا، برغم كل الأزمات التي يمر بها البطل أنّ كويليو لن يضحي بقارئه وأنه سينقذ بطله ليمنحك الرضا الذي تحتاجه.

الشهرة فخ لم يقع فيه كل الكتاب؛ فهذا غابرييل غارسيا ماركيز –على سبيل المثال- يقدم لك عالما  ورؤية مختلفين في كل عمل يكتبه، فقراءة “مئة عام من العزلة” لا تغني عن “الحب في زمن الكوليرا” ولا عن “قصة موت معلن”. في حين تكاد رواية “كافكا على الشاطئ” تغني عن  مشروع هاروكي موراكامي كله، مع التأكيد على أهمية هذه الرواية. 

 

اقرأ أيضا: رواية الكابوس: أمين شنّار وكابوسه.. انتحار مع وقف التأويل

يبدو أنّ الروائي الكويتي سعود السنعوسي قد أدرك خطورة الوقوع في هذا الفخ؛ فسعى إلى تغيير طريقته في الكتابة بعد أن أصدر روايته “فئران أمي حصّة” التي جاءت أكثر نضجًا من عمله السابق “ساق البامبو” لكنها جاءت ضمن النسق نفسه، وإن كان التكرار يقبل من الكاتب في عمل أو عملين، فإنه بعد ذلك سيتم تصنيفه ضمن نسق ثابت يحكم كتابته. لذلك يبدو أنّ السنعوسي قرر التمرّد على إغراءات الشهرة والتجريب في مناطق مغايرة لم يسبق له الوغول في مجاهلها؛ فجاءت روايته “حمام الدار: أحجية ابن أزرق” مغايرة لنمطه السابق حيث ركّزت على التجريب التقني واللعب بآليات الكتابة. 

في حين جاءت روايته الأخيرة “ناقةُ صالحة” تجريبًا من ناحية  مادة الرواية ومكانها إذ ركزت رواياته السابقة على المدينة مكانًا ومجتمعًا فإن هذه الرواية جبلت مادتها من الصحراء ومن موروثها الشعبي. ومثل كثير من قصص الصحراء سترتبط قصة الرواية بالحب والمكائد والعادات والتقاليد البدوية المشتقة من قوانين الصحراء وظروفها؛ إذ سيقع دخيل بن أسمر (وهو من قبائل البدون المحرومة من الجنسية الكويتية) في حب ابنة خاله (صالحة) التي تنتمي إلى قبيلة أخرى، لذلك فإنها ستكون من نصيب ابن عمها (صالح) الذي هو الابن الأثير لدى العم شيخ القبيلة على سائر أبنائه. 

ويسلّط السنعوسي الضوء على التطوّر السياسي والاجتماعي لإمارة الكويت وعلى الصراعات القبلية التي خاضتها الدولة في سبيل بسط نفوذها؛ فنجد أن قبيلة صالحة من القبائل التي تحالفت مع أمير الكويت وقاتلت معه في حين عادت قبيلة دخيل الأميرَ انحيازًا إلى صف آل رشيد. وهو الصراع الذي سيفرض نفسه على تطوّر الأحداث ويدفع بها إلى الأمام.

 

وهنا سنجد دخيل متهمًا بعدة جرائم لم يقترف أيًّا منها وسيحمل وزرها رغم أنه لم يكن طرفًا في النزاع: سيُتهم بنظم قصيدة يهجو بها شيخ القبيلة ويتغزّل بمحبوبته صالحة، كما أنه سيقيم في مدينة الكويت تحت اسم مستعار خوفًا من اكتشاف اسم قبيلته المعادية للإمارة، وهو خوف من عقاب على ذنب جمعي لا دورَ للفرد العادي من أفراد القبيلة في ارتكابه.كما أن الزوج صالح سيتهمه سرًا بأنه الشخص الذي حملت منه زوجته قبل زواجهما بشهور قليلة، في حين إن الفاعل الحقيقي هو راعي عابر قام باغتصابها. 

 

اقرأ أيضا: ثلاثون عاما على فيلم رابطة الشعراء الموتى.. اقطف زهورك متى استطعت

وسيظهر الأخ مهضوم الحق فالح (الشاعر والفارس وشقيق الزوج صالح) الذي يحاول مرارًا وتكرارًا الفوز برضا والده الشيخ واعترفه دون جدوى، فالشيخ لا يرى غير ولده صالح، فينظم فالح قصيدة الهجاء وينسبها على لسان دخيل، ويدفع بأخيه في خضم المعارك ويتخلّص منه ليشفي غليله من أبيه وكي يفوز بزوجته صالحة.

 

لكن صالحة سترحل على ناقتها قاصدة الكويت بحثًا عن زوجها الذي ينازع الموت هناك، غير أنها ستصطدم بناقتها التي سترفس طفلها فيموت، فتقوم صالحة بقتل حوار الناقة انتقاما له، لتقوم الناقة بالثأر لابنها وقتل صالحة. وهنا سيظهر دخيل الذي سيحاول نقل الجثمان إلى المدينة ودفنه هناك ليحاكم بتهمة القتل ويسجن عشرين عامًا عقابًا على جرم لم يقترفه.

تجسّد شخصية دخيل حال البدون في الكويت فهم يعاقبون على جرائم لم يقترفوها، وهي رسالة نبيلة يوصلها السنعوسي لنا لكن الرسالة وحدها لا تكفي لكتابة رواية ناجحة. فلقد جاءت الرواية باهتة تحاكي خطوطًا تاريخية لأحداث حصلت في الموروث الشعبي للقبائل دون أن تنجح في إعادة خلقها، ورغم تركيز الكاتب على الجِمال والنوق في الرواية فإنه لم ينجح في جعل الناقة شخصية مركزية تستحق أن تحمل الرواية اسمها، لنجد أن الناقة مجرّد محاكاة باهتة أيضًا لشخصية الأبلق (الجمل) بطل رواية الكاتب الليبي إبراهيم الكوني “التبر”. فبينما نجح الكوني في التعبير عن شخصية الحيوان وكأنه يفهم كل ما يجول في رأسه بطريقة مقنعة، فإن السنعوسي لم يقدّم لنا أكثر مما نعرفه عن الناقة.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة