أخبار متفرقة

ساعات مسروقة وعمر يضيع في المواصلات.. ماذا فعل بي العمل في إسطنبول لأربع سنوات؟

يرن جرس المنبه في تمام الساعة السادسة صباحاً، أُمسك الهاتف وأتمنى لو أنها السادسة إلا خمس دقائق، لكن المنبه لا يُخطئ للأسف، أتحايل عليه وأؤجله 5 دقائق أخرى، فأغفو بدل الخمس ثلاثين دقيقة، أقوم مفزوعة من فراشي فلم يتبقَّ على موعد الباص سوى 30 دقيقة فقط.

أُصلي الفجر وأرتدي سريعاً أية ملابس جاهزة وإن كانت معدة مسبقاً من إحدى أخواتي فأسرقها منها.

أنزل مسرعة من البيت ومتأخرة كعادتي، على يدي جاكيت لم يسعفني الوقت لارتدائه، و3 دبابيس وضعت رأسها في فمي أحاول ألا أبتلعها، لعلي أتمكن من إكمال ربط حجابي في المصعد أو داخل الباص.

أجري وأهرول وسط الشارع، أنظر حولي فأرى جيداً نظرات الأتراك الفضولية التي لا يستطيعون إخفاءها أبداً، لا ألومهم فمشهدي أثناء الركض  يضحكني أنا أحياناً، لكن كل شيء يهون حتى ألحق الباص الذي لم يتبقَّ على موعده إلا دقيقتان.

 وسط كل هذا أجد السماء ما زالت مظلمة كأن الليل مازال جاثماً، فشمس الشتاء هنا تشرق بعد الثامنة بدقائق، أذكر جيداً في يومي الأول في العمل منذ 3 سنوات حين كنت أركض في صباح بارد مظلم والثلج يتساقط فزلت قدمي وسقطتُ على ظهري في ممر مظلم خالٍ من الناس، وقتها سرا بداخلي إحساس بأنني الوحيدة التي تكافح في هذا الظلام، لكني عندما وصلت إلى محطة انتظار الباص ووجدت صفوفاً من الطلاب والمدرسين والموظفين الأتراك ينتظرون  تحت الثلج وقبل وصولي بكثير وقتها عرفتُ جيداً أنني أعمل في إسطنبول:

1- هنا ستقضي نصف عمرك في المواصلات

عندما جئنا للحياة في تركيا عام 2015 كنا نعيش في قرية صغيرة على الحدود السورية التركية اسمها الريحانية، كانت نظيفة هادئة لكنها صغيرة، المشوار بها لا يستغرق أكثر من بضع دقائق، ممتلئة بالسوريين والأتراك ذي الأصول العربية، وكنا تقريباً الأسرة المصرية الوحيدة، قضينا هناك عاماً كاملاً.
كنت أنا وأخواتي في قمة الاستياء والشكوى طيلة هذا العام، نتساءل كل ليلة أثناء دردشة ما قبل النوم، هل جئنا من مصر لنعيش في قرية تركية، نحن نريد إسطنبول، نريد العيش بمدينة المآذن الضخمة والشوارع العتيقة والمناظر الساحرة، هذا كل ما كنا نعرفه عنها، لم يخطر ببالي عندما ذهبنا للعيش فيها، أن مساحتها شاسعة مرعبة  بقدر جمالها الخلاب ، وأننا سنقضي عشرات الساعات في محطات الانتظار وداخل المواصلات، فوالدي مثلاً بعمله السابق كان يستغرق منه يومياً ما يقارب ساعتين ذهاباً ومثلها إياباً، ويضطر لركوب 3 مواصلات مختلفة، أما أخي الذي اضطر في فترة ما أن يظل مقيماً معنا في بيتنا وليس في سكن الجامعة، كانت جامعته تبعد عنا 3 ساعات كاملة ذهاباً ومثلها في العودة.

وكنت أنا الأوفر حظاً بينهم فقد وجدت أن المواصلات تسرق من وقتي أثناء الذهاب إلى العمل 10 ساعات أسبوعياً.

المساحات هنا أكبر من استيعابك، الازدحام يقتل وقتك والمواصلات تأكل عمرك فعلياً.

2- الساعات المسروقة 

من السابعة حتى التاسعة صباحاً، ومن الخامسة حتى الثامنة مساء، نصحتني إحدى الصديقات التركيات عدم ركوب المواصلات والابتعاد عن الطرق في هذه الساعات؛ لأنها «ساعات العمل» وقت ذهاب الموظفين ووقت خروجهم، لكني واحدة من هؤلاء الموظفات أضطر يومياً للركوب في هذه الساعات وأتزاحم بل وأحشر جسدي بين عشرات الركاب للحصول على أفضل وضعية تسمح لي  بالتنفس قبل الوصول لمرحلة الاختناق من قلة الهواء أو الروائح السيئة.

أحياناً أود أن أصرخ للسائق الذي لا يتوقف عن ملء الباص بعشرات الركاب الآخرين من كل محطة أنه ربما هناك كرسي فارغ فوق رأسي يود أحدهم الجلوس عليه، إسطنبول واحدة من أسوأ مدن الازدحام المروري بالعالم.

مشهد من مسلسل تركي يوضح بسخرية المعاناة اليومية بمواصلات اسطنبول

3- الأصدقاء والمعارف يتقابلون في العام مرتين

بطبيعة أن يومي عبارة عن 9 ساعات عمل وساعتين ذهاباً وإياباً.

فلا أبالغ إن قلت إننا لا نقابل معارفنا وأصدقاءنا في هذه المدينة  إلا مرتين في العام، الأولى في عيد الفطر، والثانية في عيد الأضحى، ولأن المسجد الذي يصلي فيه معظم المصريين هنا «جامع السلطان أحمد» يبعد عنا ساعة بالتاكسي وساعتين بالمواصلات العامة فقد تفوتنا صلاة العيد أحياناً فنضطر للصلاة في أي مسجد قريب، فتضيع عليّ رؤيتهم.

بُعد المسافات هنا والمساحات الشاسعة جعلت الحفاظ على العلاقات والروابط الاجتماعية أمراً صعب المنال، بعض الناس ما عدا المقربين للغاية قد يلتقون فقط في المناسبات، أو يتركونها للصدفة والنصيب.

4- الكل يجري ويركض.. الكل يسابق الوقت لكنه يسبقهم في كل مرة

وقفتُ ذات مرة فوق أحد الكباري المرتفعة في إسطنبول، حيث بدا منظر الغروب جميلاً، خلاباً، لكنّ عينيك لن تستطيع أن تتجاهل الزحام وركض الناس الذي لا يتوقف في الشوارع.

 العالم المادي الرأسمالي الذي يحول كل أفراد الأسرة إلى موظفين يتجلى لي بوضوح، والعمل هنا بالنسبة للزوجات والأمهات ليس بهدف إثبات ذواتهن في المجتمع ومثل هذه الشعارات الرنانة، هن مجبورات على العمل هنا؛ ليتمكنوا من سد ضروريات حياتهم في هذه المدينة الكبيرة.

5- لا تسألوا موظفة إسطنبولية عن المزارات السياحية

في الصباح الذي أصل فيه مبكراً إلى العمل، وأتناول الإفطار مع فاطمة أبلة، العاملة التركية التي تبلغ من العمر50 عاماً، وأشعر أنها صاحبة المكان وأما لكل الموجودين به، أتحدث معها عن الأماكن الجديدة التي يمكن أن أزورها في عطلة الأسبوع، فصدمتني ذات مرة أن  الكثير من الأماكن المشهورة والمعروفة في إسطنبول، لم تقُم بزيارتها ولا مرة في حياتها، فحياتها عبارة عن عمل، سواء في مؤسستنا أو بيتها.

إذا كنت تعيش في إسطنبول للعمل أو الدراسة، فلن تملك دائماً الوقت لتجوب أنحاء هذه المدينة الضخمة، الكثير من أصدقائي القادمين للسياحة يسألونني دائماً أين نذهب؟ وأين نتجول؟ فأخشى أن أصدمهم بأنني أعيش في المدينة منذ 5 سنوات، لكني ما زلت أجهل الكثير من معالمها، فواحدة مثلي تعمل 45 ساعة في الأسبوع، سيكون أقصى أمنياتها في العطلة الأسبوعية النوم حتى الحادية العشرة صباحاً والاستلقاء على أريكة منزلها وتأمل المارين من النافذة. 

6- الحياة مُكلفة وباهظة 

مهما بدت إسطنبول جميلة للسياحة، لكن خيار العيش قرار يجب أن يُؤخذ بروية شديد، العيش في إسطنبول مُكلف للغاية، ونسبة التضخم الاقتصادي زادت هذا العام بنسبة 10.56%، وبناءً عليه زادت أسعار السكن والسلع بشكل كبير، وما يزيد من صعوبة الأمر على العرب والقادمين هنا، قلة فرص العمل المتاحة للأجانب وانعدامها أحياناً، وحتى إن وُجدت فالكثير يعانون من تدني الأجور في المؤسسات التركية، والتي لن  تُمكنك من العيش بمستوى أقل من المتوسط ، خاصة لو كنت مع أسرتك.

كتبت ذات مرة في حسابي على الإنستغرام أنني وقعت في حب إسطنبول، لكن حُبها مُرهق ومُتعب، وأخشى أنها تسرق ربيع عمري من حيث لا أدري.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *