مرآة العالم

سامي يوسف.. الفنّ جسرُ الإنسان للإنسان (1)

يعد الانفجار العظيم للوسائل الإعلامية والتواصلية أحد الأسباب الرئيسية التي ساهمت في صعود العديد من المواهب وإبراز كم هائل من الطاقات الإبداعية خصوصا تلك التي تحمل جانبًا إبداعيّا في مجال الفنّ وبالأخص الغناء.

 

لقد أصبحنا في ظل التقارب الإلكتروني نستقبل فيوضًا من الأعمال الفنيّة والغنائيّة بين فترةٍ وأخرى، إلا أنه ليس من الصعوبة بمكان تمييز التشابه الذي بدأ يطغى على العديد من الأعمال، وملاحظة وجود تكرارٍ في جوهر ما نراه ونسمعه، مما جعل بعضنا يتساءل عن مصير الفنّ الغنائي وسط موجةٍ من التشكيك في الأذواق العامّة ونقد ما يُقدم، وقد خلق ذلك مضمارًا للتسابق إلى تقديم أعمالٍ جديدة ومميزة وذات توجهاتٍ تتماهى مع رؤى الفئة التي تستهدفها لتلقى رواجًا لدى الشريحة التي تخاطبها، هادفة إلى تحقيق أعلى نسبٍ من المشاهدات والمبيعات، وقد ظهر الفنان سامي يوسف في الساحةِ الفنيّة كواحدٍ من الفنّانين الذين قدّموا لونًا غنائيًا جديدًا، لافتًا نظر كلٍّ من الجمهور العربي والغربيّ.

الفنّــان ابنُ بيئته

 
وُلد الفنان سامي يوسف في مدينة طهران في إيران، عام 1980، أي بعد الثورةِ الإسلاميّة بعام، وانتقلت عائلته بعد ذلك إلى لندن، فنشأ فيها، ومن الجدير بالذكر أن والده كان مُطربًا ومُلحنًّا موسيقيًّا، وقد ذكر سامي في أحد اللقاءات أن والده هو أهم فنانٍ بالنسبة إليه وهو صاحب التأثير الأكبر في بناء شخصيته الفنيّة، فلا شك في أن ذلك كله قد انعكس على سامي يوسف، فنشأ مُحبّا للموسيقى، كما أن تعلّمَه من والده العزف على العديد من الآلات الموسيقية، الشرقيّة منها والغربيّة، ووجودَه في لندن باعتباره بريطانيّا من أصل إيراني، شكّل لديه خلفية ثقافية مؤمنة بالتعدد الفكري وتقبّل الآخر.

 

كما أن روحه المولعة بالألحان دفعته ليعمل منتجًا في أحد الاستديوهات التسجيلية وهو في الخامسة عشرة من عمره، إلا أن الموسيقى التجارية لم تلائمه، فقرر أن ينأى بنفسه تمامًا وأن يتفرغ لدراسةِ الحقوق وذلك بعد أن أصدر ألبومه الأول (المعلّم).

نجاح الخطوة الأولى

 
لا يزال صدى الأغنية الأولى من الألبوم (المعلم) يُذكر إلى الآن و محفورًا في ذاكرة العالَمين العربيّ والغربيّ، وذلك بسبب الضجة الكبيرة التي أحدثها ذلك الألبوم وبالأخص أغنية (المعلّم)، فقد كانت الأغنية تعرض على الشاشات باستمرار نظرًا للنجاح غير المسبوق الذي حققته، ويرجع ذلك لأسبابٍ عديدة، فمن المعروف أن الإنشاد الديني كان طاغيًا في تلك الفترة، وبالنسبة للأغاني الدينية فقد كان يؤديها مطربٌ مشهور وتُسجل للبرامج الدينية، فلم يظهر في ذلك الوقت مطربٌ يغنّي أغاني إسلامية فقط.

 

اقرأ أيضا : قبسٌ من أغاني رمضان المصرية

 

وبشكلٍ خاص أكثر فإن سامي يوسف كان حالةً غير مسبوقة بوصفه فنّانًا قادمًا من بريطانيا، ومطربًا يعزف على الآلات الموسيقية ويتغنى بذكر الله ورسوله بلغاتٍ عديدة، وعدا عن تفرّده بتقديم لونٍ جديد فقد كان محترفًا وصاحب صوتٍ جميل يزيده الحسّ العالي والإبداع الفنيّ جمالًا، فالألبوم كان قد ضمّ ثمانيَ أغنيات، وهو من ألّفها ولحنها وقام بتمويل الألبوم، وقد تم تصوير فيديو كليب لبعض أغاني الألبوم فكان حدثًا غير مسبوق، فقد اعتبر أول ألبوم غنائي إسلامي مصوّر.

الفنّ جسرُ الإنسان للإنسان

 
بالعودة إلى أغنية المعلم، فقد أدى سامي يوسف في الفيديو كليب شخصية شاب يحترف التصوير الفوتوغرافي، يبدأ مشهد الأغنية بتقبيله يد والدته قبل الخروج من البيت، ثم يجد في الطريق إلى عمله رجلًا أعمى فيهرع لمساعدته في عبور الطريق، بعد ذلك يظهر أثناء أدائه للصلاة ووقوف الأطفال خلفه، في إشارة إلى شخصية الشاب المسلم المعتدل واقتدائه بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، كبرِّ الوالدين ومساعد الآخرين والالتزام بالصلوات والعطف على الصغير، إلى أن يلمح الشاب نورًا منبعثا من قمة جبل في الصحراء، فيحاول الشاب معرفة سر ذلك النور والوصول إليه والتقاطه، فيتسلق الجبل محاولا معرفة حقيقته، معبرًا عن سعي الإنسان الدائم وبحثه المستمر عن نور المعرفة واليقين.

 

ونجح سامي يوسف بالجمع بين اللغة العربية والإنجليزية في أغنية واحدة، دون أن يشعر المستمع بثقل التنقل بين اللغتين، بل يستلذ المزج بينهما فقد كانت ألحان سامي ذكية و تنتقل بخفة بين اللغتين. 

حسبي ربي.. رسالة الإسلام للعالم

 
أصدر سامي يوسف بعد النجاح الساحق ألبومه الثاني (my ummah)، الذي حقق نجاحًا يوازي ما حققه ألبوم المعلّم، وبالنسبة لهذا الألبوم الرائع فقد تنوعت مواضيع الأغاني التي ضمها الألبوم، فنجد أغنية (try not to cry) والتي تتحدث عن آلام الذين يعانون من الحروب وقد أداها بالتعاون مع فرقة راب نرويجية وهي فرقة (outlandish)، بالإضافة إلى أغنية (free) التي تغنّت بحق المرأة في ارتداء الحجاب، إلا أن أغنية (حسبي ربي) كانت قد هيمنت على أغنيات الألبوم السابقة، هذه الأغنية الفريدة أداها سامي يوسف بلغاتٍ عدّة، هي الهندية والعربية والتركية، بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية، وقد أدى سامي أدوارًا مختلفة فمرة نراه مدير شركة، ثم عازفًا موسيقيا، ثم معلمًا، ثم يظهر حِرَفيّا.

 

 

وأعتقد أنه أراد أن يشير إلى أن الإسلام هو دين حضاريّ يصلح لكل زمان ومكان، فالإسلام هو دين التقدم و الفن والعِلم والعمل، وأنه لا فرق بين أي مسلم هنا أو هناك، كما أنه تم تصويرها في بلادٍ عدّة إحداها هي دولة مصر العربية، ليصنع لنا لوحة غنائية فسيفسائية مدهشة تجمع أقطاب البلدان العديدة، ليوصف بعدها بالفنان الذي وصل الشرق بالغرب، ومن منا لم يلحظ انتشارها كنغمة جوال بعد صدورها!

سامي يوسف.. الثبات في القمّة

 
ظلّ سامي يوسف مبهرًا كبدايته وكعادته بالطبع، كما أنه بقي يؤكد في كل لقاءاته الصحفية والتلفزيونية أنه ليس مغنيّا إسلاميّا، وأن فنه ليس إسلاميّا كما يسِمُه البعض، بل يكتفي بوصفه فنّا ذا غرض، أو فنّا ذا هدف، فهو لا يتحدث باسم الإسلام كما يرى الآخرون، بل كان من الغريب جدا استمراره في تقديمه للأغاني الإسلامية مع استمرارية رفضه لاقتران فنه بكلمة إسلاميّ، مع أن ذلك كان سيزيد من شهرته بل وقد يجعل منه ذلك بطلا أظهر صورة الإسلام بشكلٍ رائع للأطراف الأخرى وسط الحملات التي كانت تُشن ضد المسلمين في البلدان المختلفة واحتقان الصراعات في المنطقة.

 

إلا أنني أعتقد بأن سامي أراد أن يكتفي بتقديم ما يعبر عن ذاته وهويته، وهو على معرفةٍ تامّة بأن موهبته وفنه كافيان ليدخل قلوب الملايين من الناس ويوصل رسالة أعمق مما يرى البعض، رسالة ذات معانٍ روحية خالصة، دون الحاجة إلى تسويق نفسه تحت مسميات وأيديولوجيات ومذاهب معيّنة. 

 

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة