أخبار متفرقة

سجونها ممتلئة وتطبق حظر التجوال وحدها.. لماذا تخلى الجيش المصري عن الداخلية في حرب كورونا؟

انتشر فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) سريعاً في كل قارات العالم، وأصاب حتى وقت كتابة هذا المقال، ما يقارب نصف مليون شخص، وتسبب في وفاة نحو 20 ألفاً. كل ذلك بعد ظهوره بفترة قليلة جداً في بؤرته الأولى، الصين. وتفسر لنا تلك الأرقام المتصاعدة بشكل درامي (والتي تتضاعف وفق متوالية هندسية)، في هذه الفترة القصيرة، آلية انتشار الفيروس بين البشر حول العالم. لكن في مصر، حتى الآن، تقول الأرقام الرسمية لوزارة الصحة، إن هناك نحو 450 حالة فقط بعد ظهور الفيروس لأول مرة في البلاد منتصف فبراير/شباط الماضي، وبغضّ النظر عن لا منطقية الأرقام التي تعلنها الحكومة يومياً وعن استغلالها للتحاليل في جمع الأموال، وبغضّ النظر عن انتشار الوباء حتى بين كبار قيادات الجيش، دعونا نفكر في أحوال السجون وأماكن الاحتجاز المصرية المكتظة بآلاف السجناء والمعتقلين وحتى أفراد الشرطة.
من يعاصر هذه الأحداث الآن في مصر يعرف أن الدولة تباطأت في اتخاذ الإجراءات الكافية لحماية المواطنين، خصوصاً العاملين في القطاع الخاص، فقد تركتهم الدولة لمواجهة مصيرهم مع أصحاب العمل: إما المخاطرة بالذهاب يومياً إلى أشغالهم في مواصلات عامة غير آدمية، وإما مواجهة مخاطر الفصل وانقطاع الراتب، وهو ما يزيد من تخوفاتنا. إن الدولة التي لا ترعى مصالح مواطنيها خارج السجون، بالطبع لن تنظر إلى مواطنيها داخل السجون وأماكن الاحتجاز، التي لم تولِها اهتماماً منذ عشرات السنين (إلا في حالة بناء سجون ومعتقلات جديدة فقط).

الداخلية في وجه المدفع

اعتمدت الدولة بقيادة عبدالفتاح السيسي على الزجّ بمعارضيها من كل فئات وشرائح المجتمع في السجون، ومراكز الاحتجاز باستخدام قانون الحبس الاحتياطي، لتمديد فترة بقائهم دون إصدار أحكام على معظمهم، اعتمدت على ذلك لإحكام قبضتها الأمنية على العباد والبلاد. ومع ظهور وباء كورونا لم تعلن الدولة عن آلياتها الوقائية أو إجراءاتها وتدابيرها الاحترازية، حتى لا تنتقل العدوى إلى مجتمع متهالك صحياً مثل السجون ومراكز الاحتجاز، سوى أنها علقت الزيارات لمدة 10 أيام. ولم تذكر أي شيء حول الإجراءات الوقائية للمساجين والموظفين والضباط العاملين بمصلحة السجون وأقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي.

لتترك الدولة وزارة الداخلية في مواجهة فيروس كورونا عاريةً تماماً دون حماية في وجه مدافع كورونا غير المرئية، لتصبح وزارة الداخلية المصرية “كبش الفداء” المحتمل هذه المرة. إذ إنها المسؤولة عن إدارة قطاع السجون، الذي يعاني كثيراً من المشكلات بالأساس. وفي حالة تفشي الوباء داخل أماكن الاحتجاز، بعيداً عن الكارثة الإنسانية التي ستحدث بالداخل لمئات الآلاف من المحتجزين تحت ظروف صحية سيئة وخدمات شبه منعدمة، سيصل هذا الضرر أولاً إلى الضباط وأمناء الشرطة والعساكر الموجودين في تلك الأماكن ومنها إلى المجتمع بأكمله، خصوصاً أن وزارة الداخلية هي المسؤولة الآن عن تطبيق حظر التجوال في البلاد، بعد أن كان الجيش هو من يتولى هذه المهمة في السنوات التي تلت ثورة 25 يناير، ولكن يبدو أن القوات المسلحة قد أعلنت عن استيائها العارم من حصد الفيروس لأرواح عدد من قياداتها البارزين، ورفضت تطبيق الحظر والمخاطرة بقوتها البشرية. وبالحديث عن الجيش نذكركم أيضاً بأن معسكرات الجيش لا تقل بؤساً كثيراً عن السجون، ويجب حقاً فتح باب النقاش عن خطورة وجدوى التجنيد الإجباري في ظل ظروف تفشي وباء كورونا.

مطالبات بالإفراج عن السجناء قبل تفشي الوباء

أثارت المخاوف من تفشي الوباء في السجون وأماكن الاحتجاز كثيراً من الدعوات والمبادرات الحقوقية للإفراج عن المساجين حول العالم، ومنها عديد من الحملات في مصر (أبرزها حملة “خريطة التعذيب” التابعة للمفوضية المصرية للحقوق والحريات ومركز النديم)، وبالفعل استجابت كثير الدول لهذه الدعوات. وفي الوقت ذاته أخلت نيابة أمن الدولة العليا المصرية سبيل بعض النشطاء الحزبيين ممن ينتمون إلى بعض التيارات والأحزاب المحافظة، من بينهم الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية، وحازم عبدالعظيم وشادي الغزالي حرب و12 آخرون ممن تم حبسهم على ذمة التحقيقات في قضايا نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة محظورة. وذلك دون الإفراج عن لكثير من المعتقلين السياسيين من كبار السن وممن ينتمون إلى تيارات أكثر راديكالية والمستقلين. ويبدو أن ذلك بسبب تخوفات الدولة من عودة المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي باتت المقهى الذي يجتمع عليه الناس في فترة الحظر، كما عوَّدتنا الحكومة المصرية دائماً أن تستمر في طريق القمع دون أن تستمع لصوت العقل.

لكن الأمر لا يقتصر فقط على المعتقلين والمحبوسين احتياطياً والمسجونين في قضايا الرأي؛ بل هناك آلاف من كبار السن وأصحاب الجُنح غير العنيفة والمحتجزين في غير جرائم العنف بالإضافة إلى الغارمين والغارمات، وكثير منهم يعانون من أمراض الجهاز التنفسي وأمراض نقص المناعة. كل هؤلاء لا يستحقون البقاء في أماكن غير آدمية، في ظل تفشي كورونا، ويمكن إطلاق سراحهم لتخفيف التكدس في أماكن الاحتجاز، مع تحسين خدمات الرعاية الصحية، وهو ما يطالب به عدد كبير من المنظمات الحقوقية والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبالطبع لا نحتاج إلى الحديث كثيراً عن حالة السجون المصرية وما وصلت إليه من إهمال في الرعاية الطبية وتعذيب نفسي وجسدي للمحتجزين. ونذكر هنا حالة الرئيس السابق محمد مرسي -رحمة الله عليه- الذي توفي نتيجة الإهمال الطبي الشديد الذي تعرض له في السجن. كما كثرت التقارير الدولية والحقوقية التي تتحدث عن مدى سوء الأوضاع الصحية للمساجين في مصر، لذلك ظهرت عديد من حملات التدوين بشأن أوضاع المحتجزين التي ستصبح كارثية في ظل استمرار تفشي الوباء، واقترحتْ 5 خطوات للتعامل مع الأزمة في السجون، وهي كالتالي:

أولاً: العمل على إطلاق سراح سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين والمحبوسين احتياطياً على ذمة قضايا سياسية ملفقة، وأيضاً إطلاق سراح كل من يقعون تحت طائلة العقوبات السالبة للحرية بسبب ممارستهم للحقوق الدستورية المشروعة مثل حق التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات والدفاع عن حقوق الإنسان، وإلغاء التدابير الاحترازية الموقعة ضدهم.

ثانياً: العمل على إطلاق سراح المحبوسين احتياطياً في قضايا الجنح والجنايات عملاً بمبدأ افتراض البراءة للمتهمين وفي سبيل الحفاظ على الصحة العامة للمحتجزين.

ثالثاً: اللجوء إلى استخدام الإفراج الصحي والشَّرْطي عن السجناء ممن وقعت عليهم عقوبات سالبة للحرية على خلفية قضايا الجنح أو القضايا الجنائية، مع إمكانية تطبيق الإجراءات الاحترازية عليهم.

رابعاً: الإفراج عن السجناء كبار السن ومن يعانون من أمراض مزمنة ممن وقعت عليهم عقوبات سالبة للحرية على خلفية قضايا الجنح أو القضايا الجنائية، وهم الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة التي يسببها فيروس كورونا، مع إمكانية الأخذ ببعض التدابير الاحترازية وعدم ترك المنازل إلا في حالات العلاج.

خامساً: العمل على توفير الآليات الوقائية والصحية وتعزيز الخدمات العامة والصحية في السجون ومناطق الاحتجاز للمساجين وأفراد الشرطة والعاملين بالسجون والأقسام، مع فتح الزيارات بشكل يحمي الطرفين، والسماح بإدخال الطعام والعلاج، واتخاذ تدابير وقائية للحد من انتشار العدوى.

وقد يرى البعض أن هذه الإجراءات قد تتسبب في تشكيل خطورة على المجتمع، ولكننا نعلم أن حال السجون المصرية ووضعها بهذا الشكل في ظل تفشي الوباء، هو الأخطر على المجتمع. ويجب على السلطات المصرية أن تتخذ هذه الإجراءات لتقليل أعداد المحتجزين ورفع كفاءة الخدمات الصحية لتكفي العدد الباقي، مع إطلاق سراح من يثبت عدم خطورتهم على المجتمع، بجانب اتخاذ تدابير احترازية لهؤلاء حتى انتهاء الوباء. وهو ما قامت به عديد من الدول الأخرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة، وحتى إيران التي أفرجت مؤقتاً عن نحو 85 ألف شخص، والأردن التي أفرجت مؤقتاً عن أكثر من 3 آلاف شخص، والبحرين التي أمرت بالعفو عن قرابة 1000 سجين.

تلتزم الحكومة المصرية أيضاً عديداً من الاتفاقيات الدولية تجاه الوقاية من الأمراض الوبائية وعلاجها ومكافحتها، وذلك وفقاً للمادة الـ12 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، كما أن الدستور المصري ينص في مواده 18 و55 و56 على الالتزام تجاه الأفراد المسلوبة حريتهم بحفظ كرامتهم وإنسانيتهم ومنع الضرر الواقع على صحتهم وسلامتهم داخل السجون وأماكن الاحتجاز، وتوفير الرعاية الصحية المتكاملة لجميع المواطنين بلا تمييز.

أما في حالة تراخي الحكومة عن هذه الإجراءات فسوف تتحمل مسؤولية كبيرة جداً بعد تفشي الوباء، كان من الممكن تجنبها، وأول من سيقع عليه الضرر في هذه الحالة وزارة الداخلية المصرية التي تقف في وجه المدفع، ومن بعدها المجتمع المصري بالكامل واقتصاده ومنظومته الصحية.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *