مرآة العالم

سينما أمريكا والتمييز العنصري.. ولاية ميسيسيبي نموذجا

على ضفاف نهر المسيسيبي، وعلى أرض الولاية الأمريكية الجنوبية التي تحمل اسم النهر الشهير (الميسيسبي اسم أطلقه الهنود الحمر، ويعني أم الأنهار أو أعظم الأنهار)، تدور أحداث أربعة أفلام سينمائية حول موضوع واحد هو العبودية والتمييز العنصري والحريات المدنية.

الأفلام الأربعة هي: (Mississippi Burning (1988، للمخرج آلان باركر. وفيلم (A time to kill (1996، للمخرج جويل شوماشر. وفيلم (The Help (2011، للمخرج تيت تايلور. وفيلم (2016) Free state of Jones، للمخرج غاري روس.

وتشكل الأفلام الأربعة مجتمعة رؤية واسعة الأبعاد لمشكلة العنصرية المتغلغلة في المجتمع الأمريكي، من جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتشريعية.

اتخذت هوليود من ولاية الميسيسيبي بيئة نموذجية لتصوير القصص التي تعرض لمشكلة العنصرية المتأصلة في نفوس الأمريكيين الأنجلوساكسونيين تجاه الأمريكيين السود، من حيث التاريخ والأسباب والمظاهر.

فالولاية الواقعة في أقصى الجنوب الأمريكي، قامت في القرن السابع عشر، على استعباد الأفارقة للعمل في حقول القطن والذرة والتبغ. وظل السود يشكلون الغالبية العظمى من سكانها حتى منتصف القرن العشرين. 

وتقع الولاية باقتصادها الزراعي، وموقعها الجغرافي المحصور بين أربع ولايات، ومجتمعها المحافظ شديد التدين، في أسفل القائمة بين الولايات الأمريكية، من حيث مستويات التعليم والصحة ومتوسط دخل الأسرة. 

والمشاهد للإفلام الأربعة يدرك تعقيدات المشكلة وتعدد جوانبها وصعوبة حلها. وقد سلطت هوليود عبر هذه الأفلام، وغيرها الكثير، الضوء على معاناة السود وتضحياتهم في سبيل التحرر من العبودية، والمساواة في الحقوق المدنية الدستورية مع المواطنين البيض. 

ويدرك المشاهد أن المسألة العرقية هي أهم المعضلات التي تهدد المجتمع الأمريكي في سلمه وانسجامه، وأنها تشكل تحدياً ثقافياً وسياسياً وقانونياً بطيء الحركة وصعب التغيير، بسبب الحساسيات الهوياتية، والمخاوف الاجتماعية الاقتصادية التي يثيرها هذا التحدي.

(Free state of Jones)

 
تدور أحداث الفيلم بُعيد الحرب الأهلية الأمريكية (1861- 1865 ) في مدينة جونز في المسيسيبي، وبطله مسعف طبي، يفرّ من الخدمة في صفوف الجيش الكونفدرالي الجنوبي، ويؤسس ميليشا من المزارعين البيض الفقراء وبعض الزنوج الفارين من العبودية.

يعطي الفيلم صورة تاريخية عن تهافت المجتمع الجنوبي الأمريكي خلال الحرب، وتخلف قيمه وتقاليده، وبدائية أدواته الإنتاجية باعتماده على استعباد السود للعمل في مزارع القطن، وهذه المزارع تملكها حفنة من الملّاك البيض.

يكتشف بطل الفيلم المسعف المجند أن قوانين التجنيد في الجيش الجنوبي تنحاز لمصلحة ملّاك العبيد البيض، وتعفيهم وأبناءهم من الخدمة العسكرية، وتصادر محاصيل الفقراء وطعامهم القليل، وتتركهم جوعى، بحجة الإنفاق على الجيش.

يعلن المسعف التمرّد على السلطة الحاكمة في الولاية، ويرفع علم الاتحاد الشمالي على المباني في مدينة جونز، ويعلنها مدينة مستقلة بالتزامن مع انتصار الجيش الاتحادي الشمالي في الحرب، وإعلان الرئيس الأمريكي لينكولن وثيقة تحرير العبيد 1863.

تكشف أحداث الفيلم عن أن قرار تحرير العبيد صدر لغايات سياسية، تتضمن اضعاف الجنوب من خلال إغراء عشرات الآلاف من العبيد الجنوبيين بالالتحاق بصفوف الشمال.

ينتهي الفيلم بعودة الواقع إلى حاله في ولاية المسيسيبي، واستمرار العبودية تحت مسميات جديدة مثل قانون إلزامية عمل السود في مزارع البيض، ومنعهم من حق التصويت في الانتخابات. ويبعث الفيلم برسالة مفادها استحالة إلغاء العبودية بالسياسة وحدها، ما لم يترافق معها تغيير جذري في الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

(Mississippi Burning)

 
تدور أحداث الفيلم بعد مرور مئة سنة على انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، وأحوال الأمريكيين السود لم تتغير كثيراً في الجنوب برغم التجريم الرسمي للعبودية. 

تتنامى حركة الحقوق المدنية، وترتفع أصوات الأمريكيين السود مطالبين بإلغاء قوانين الفصل العنصري. وتسفر جهودهم عن إزالة العوائق التشريعية أمام حق التصويت للسود في الانتخابات التشريعية. 

يصور الفيلم تمسك الأغلبية البيضاء في مدينة جوسيب، إحدى مدن الميسيسبي الصغيرة، بقوانين الفصل العنصري، ورفضهم للدعم الذي تقدمه واشنطن لمطالب حركة الحقوق المدنية.

تكشف أحداث الفيلم عن تحالف حديدي في المدينة الفقيرة المنغلقة، تحالف يجمع بين حركة (كوكلاكس كلان) العنصرية القوية النفوذ، وجهاز الشرطة المحلية التي تطبق قانوناً غير مكتوب، مخالفاً للقانون الرسمي، قوامه التمييز العنصري ضد الأقلية السوداء في المدينة، وعمدة المدينة المنتخب الذي يكرّس في خطابه السياسي ثقافة الميسيسبي العنصرية، إضافة إلى رجل الأعمال الثري الذي يدعم أنشطة (الكوكلاكس كلان) ويقودها. 

وفي مشاهد ملؤها القتل الوحشي، والتهديد بالأسلحة، والاعتداء الجسدي، والتحقير اللفظي، والحرائق المشتعلة في البيوت، يسعى ضابطان من واشنطن، معززان بقوة القانون الفيديرالي، ومئات الجنود القادمين من العاصمة، إلى تفكيك خيوط جريمة عنصرية بشعة ارتكبها أفراد من عصابة (الكوكلاكس كلان) بالاشتراك مع عناصر من الشرطة المحلية. 

التقطت مشاهد الفيلم أجواء المدينة الكئيبة، المشبعة بالغبار والرطوبة والعرق الذي ينزّ من الجباه والأعناق ويبلل القمصان. وكانت مشاهد رجال الشرطة الفيديرالية، وهم يخوضون في مستنقعات النهر الضحلة، ببزاتهم الرسمية، بحثاً عن جثث القتلى، معبرة أصدق التعبير عن واقع المدينة الغارقة في الكراهية والعنصرية، تجاه السود أولاً، والحكومة الفيديرالية الداعمة لهم ثانياً. 

نقل الفيلم بواقعية شديدة أحوال الأقلية السوداء في المدينة؛ العنف الممارس ضدهم، الخوف المسيطر عليهم، الذي يفوق ثقتهم بقدرة القوانين الفيدرالية على حمايتهم، ومعرفتهم أن سلطة المجتمع المحلي العنصرية أقوى من سلطة الحكومة الفيديرالية.  

نقل الفيلم توق الأقلية السوداء إلى حقوق مدنية مساوية لحقوق الأغلبية البيضاء، توقاً مكبّلاً بتاريخ طويل من الاستعباد، تلاه تاريخ طويل آخر من التمييز العنصري، ملطخ بالكراهية، وبتمسك الأغلبية البيضاء بتفوق عرقي، وطرق معيشية تقليدية يرفضون التخلي عنها. 

(The Help)

 
في مدينة جاكسون عاصمة الميسيسبي ، وداخل بيوت الطبقة الأرستقراطية البيضاء، تدور أحداث الفيلم. وبرغم أن الحقبة الزمنية لقصة الفيلم هي ذات الحقبة المتوترة أواسط ستينيات القرن الماضي، التي شهدت ارتفاع صوت المعارضين لثقافة الفصل العنصري، إلا أن مناخات الفيلم ابتعدت كلّ البعد عن أجواء العنف والحرائق التي طبعت الفيلم السابق.

اختار الفيلم مقاربة ناعمة لمشكلة العنصرية، فاتخذ من مجتمع النساء الثريات مدخلاً وميداناً لعرض الجانب البشع للتمييز العنصري من زاوية الخادمات السوداوات اللواتي يقضين سنوات طفولتهن وشبابهن وكهولتهن في خدمة العائلات الثرية البيضاء.

لا أدوار رئيسة للرجال في الفيلم، ولا يظهرون إلا في خلفيات الأحداث بوصفهم أزواجاً أنيقين أثرياء، يدللون زوجاتهم الجميلات الأنيقات، المدبّرات لشؤون المنزل الفخم، والمعتمدات اعتماداً كلياً على الخادمات السوداوات في الطبخ والتنظيف وتربية الأطفال.

وبنبرة ساخرة، ومفارقات مضحكة مبكية، يعرّي الفيلم الطبقة المخملية البيضاء من غطائها الإخلاقي المزيف، كاشفاً عن التناقض الصارخ بين مظهرها وجوهرها؛ المظهر الذي يدّعي الرقّة الإنصاف والعرفان نحو الخادمات، لكنه يتكشّف في كل موقف واختبار عن قسوة وظلم ونكران شديدين نحوهنّ.

تربية الأطفال هي المحور الذي اختاره الفيلم لعرض الازدواجية الأخلاقية في علاقة السيدات البيضاوات بالخادمات السوداوات. علاقة تقوم على النفعية من جهة السيدات، والتفاني الأمومي من جهة الخادمات. 

 

اقرأ أيضا :  “التعديل الثالث عشر”.. وتاريخ العنصرية في أمريكا

وينطلق الفيلم من الحالات الفردية إلى الحالة العامة التي تحكم العلاقة بين المجتمعين الأبيض والأسود، وصار تناقضها صارخاً، ورسوخها التاريخي لم يعد مقبولاً في المعايير الإنسانية العصرية. 

يحاكم الفيلم العنصرية من جانب الحس السليم، وقواعد المنطق البدهية التي يجب أن تسود العلاقات بين البشر، فإذا كانت الأمهات الطبيعيات من الطبقة البيضاء، يعهدن بدور الأمومة للخادمات السوداوات، ليتفرغن للأنشطة الاجتماعية الاستعراضية في الصباح وبعد الظهيرة، ويتناولن الحلوى والمشروبات التي تصنعها الخادمات، فالأولى أن ترتقي نظرتهن إلى الخادمات إلى المستوى الإنساني، لا أن ينظرن إليهن كجنس آخر، أدنى عرقياً وأحط إنسانياً من جنسهن الأبيض البشرة.

(A time to kill)

 
يمتحن الفيلم النظام القضائي الأمريكي من حيث التزامه بإحقاق الحق، وتوفير شروط المحاكمة العادلة للمواطنين، بصرف النظر عن لون بشرتهم وأصولهم العرقية.

وتدور أحداث الفيلم في مدينة كانتون الواقعة في ولاية المسيسيبي في تسعينيات القرن الماضي.

 

وتكشف الأحداث عن تجذّر ثقافة التمييز العنصري في المجتمع الأمريكي، برغم تطور التشريعات والقوانين التي تحظر كل أشكال التمييز العرقي بين المواطنين.

يتسرب التمييز العنصري إلى النظام القضائي عبر هياكله وأدواته التي وضعها المشرّعون لتضمن المساواة والعدالة، فقد منح المشرعون لممثلين طبيعيين من المجتمع، يجري اختيارهم في هيئة قضائية اجتماعية تسمى “هيئة المحلفين”، الحق في إدانة المتهم أو تبرئته.

يكشف الفيلم عن الخلل الجوهري في صلب هذا النظام القضائي، الذي يبدو مثالياً في تحقيق العدالة الاجتماعية من الناحية الشكلية، لكنه منخور بسوس العنصرية من الناحية الفعلية.

تتشكل “هيئة المحلفين” في الفيلم من المواطنين البيض، ليناط بهم تقرير مصير مواطن أسود، قتل شابين أبيضين فاسدين، انتقاماً لابنته ذات السنوات العشر، لأنهما اختطفاها واغتصباها وأرادا قتلها. 

يصور الفيلم دخول “هيئة المحلفين” إلى مقاعدهم في المحكمة، وهم يحملون قراراً مسبقاً بإدانة المتهم الأسود، ويصمّون آذانهم عن دوافعه، ويتعاطفون مع عائلات المجرمَين المغتصِبين، وكلّ تفكيرهم يتركّز في إنزال عقوبة الإعدام بالأب الأسود الذي تجرّأ على قتل شابين أبيضين.

 

وفي حين تغض “هيئة المحلفين” النظر عن وضاعة جريمة الشابين، تتمسك بحرفية القانون في إدانة جريمة الأب الأسود الذي انتقم لابنته المغتصبة.

ويعبر الفيلم عن تعقيدات الحالة العنصرية على لسان الأب الأسود، وهو يتحدث إلى محاميه الأبيض: “أمريكا في حرب، وأنت في الطرف الآخر. كيف سيحصل رجل أسود على محاكمة عادلة، والقاضي والمحلّفون أعداؤه”

تخلص الأفلام الثلاثة، على تنوع قصصها ومعالجاتها، إلى حقيقة أكيدة، مفادها أن التمييز العنصري مرض مزمن في المجتمع الأمريكي، متجذر في الثقافة التي تؤمن بحضارة الرجل الأبيض، وتفوقه العرقي، وحقه في ملكية الأرض ووسائل الانتاج. وأن طريق النضال من أجل العدالة والمساواة ما زالت في بدايتها.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة