مرآة العالم

صانع الساعات الذي صالحني مع الخطيئة

لقد خفتُ في طفولتي من قصّة بينوكيو، وكان الجزء الأكثر ترويعًا لي هو اللحظة التي يتحوّل فيها “الأطفال المشاغبون”، المارقون من المدرسة إلى أجحاش. يظهر “القط والثعلب” لأولئك الأطفال الذين يرفضون صوتَ الواجب، الذين يهربون من المدارس، وتُسكرهم فكرة أكل الحلويات، واللعب في مدينة الملاهي طوال الوقت، وعدم الخلود إلى الفراش في الوقت الذي يختاره الكبار. ثمّ هناك الحمام، وتفريش الأسنان. لماذا تعقّدون الأمور إلى هذه الدرجة أيها الكبار؟

أعتقد بأنَّ ما روّعني، طفلةً، هو أنني كنتُ في أعماقي، ورغم امتثالي الشديد لقوانين الرب وقوانين الإنسان (منذ أداء الصوات الخمس وحتى تفريش الأسنان ثلاث مرّاتٍ في اليوم)، كنتُ في أعماقي واحدة منهم؛ طفلة تتساءل لماذا ينبغي أن تكون الحياة بهذا التعقيد؟ وعندما خلق الرب العظيم العالم، لماذا جعل لكلّ سببٍ نتيجة، وأيّ النتائج يا ترى، هي نواميس الكون الإلهية، وأيّها بشرية محضة؛ تشبع شهوة السيطرة عند البعض على البعض الآخر. وهل ثمة كائن يغري بالسيطرة عليهِ وتدجينه أكثر من طفل؟

ليس ثمة طفل لا يبجّل توم سوير وهكلبري فن لمجرد أنهما يتمردان باستمرار على عالمِ الكبار. ولكن لنعد إلى بينوكيو.. 

في الرواية، يهربُ الطفل الدمية مع بقية الأطفال السيئين من المدرسة، تغريهم كلمات القط والثعلب، يأخذونهم إلى جزيرة هي مدينة ملاهٍ عملاقة، يغرقون في شرب البيرة وتدخين الحشيش، وعند منتصف الليل ينمسخ كل واحدٍ من أولئك الأولاد إلى جحش. إنها حوارية مشاغبة لـ سندريلا التي يبطلُ عنها السحر، وتفقد في لحظةٍ ثوبها البديع وعربتها التي تجرها الجياد. في سندريلا، كانت ساعة بطلان السحر هي ساعة العودة إلى الواقع، في بينوكيو؛ ساعة السحر هي الساحة التي يكشّرُ فيها الواقع عن أنيابه. أنت ولدٌ سيء، وسوف نعاقبك؛ سيتم تحويلك إلى جحش. 

تذكرني بينوكيو من هذه الزاوية بـ تحوّل كافكا؛ عندما استيقظ غريغوري سامسا من نومِه ووجد نفسه وقد تحوّل إلى حشرة عملاقة. وأفكّر بأن حياة الإنسان مليئة بلحظات انمساخٍ من هذا النوع، وعلى حدّ تعبير ماريو بارغاس يوسا: ليس ثمة حدٌ أدنى للانحدار. 

ولكنني أريد الكتابة عن بينوكيو. 

 

في مساءٍ ما، في 2017، كنت غافية.. فحلمتُ بتلك الرواية.

 

حلمتُ بأنني أخطو إلى بيتِ النجّار العجوز (جيبيتو)، الذي صنع الدمية الخشبية وأحبّها وتمنى أن يحظى بولدٍ. المهم، أنني دخلتُ بيت جيبيتو، ورأيت بينوكيو جثة على السرير، مجرد دمية ميتة، منطفئ وبلا معالِم. كانت له تلك الهيئة النائية للأموات، أو للأجنة؟ كان شيئًا لم يبعث للحياةِ بعد. 

كانت غرفة النجار العجوز في الحلمِ تبدو مثلما رأيتها في الفيلم الكارتوني الذي أنتجته “ديزني”. الجدران مغطاة بساعات الحوائط، كل ساعة تحكي قصة؛ الراعية والغنمات، الجنيان الصغيران والحذاء، راقصة الباليه، العصفورة والصيصان. بائعة الكبريت، جاك والفاصوليا العملاقة. 

وكان جيبيتو العجوز منثنٍ على ساعةٍ أخرى يصنعها؛ كونٌ آخر، حكاية أخرى. 
في تلك اللحظة سألته سؤالًا، لم يخطر لي قبل ذلك الحلم أنه يدور في خلدي. 
قلتُ: لماذا تصنعُ الساعات؟ 
ابتسم وقال: 
لأنَّ أوّل شيء يحتاجه بينوكيو حتى يتأنسن هو الزمن.
بوغتُ للرد، حتى أنني لم أعلق للحظة، فابتسم العجوز صانع الساعات وسألني بشيءٍ من العتب؛ لماذا تسألين عن أشياء تعرفينها؟ هل تتخيلين أن يكون هناك أي تراكمٍ للوعي بلا زمن؟ إن بينوكيو الآن يطفو في الأبدية، ولا يمكنه تعلّم شيء هناك. لكن في الزمن، في الحكاية، نستطيع أن نتعلّم.
سألته: وبعد الزمن، ماذا يحتاج بينوكيو حتى يتأنسن؟
قال: الواجب والخطيئة.
 
استيقظت من نومي وأنا ألهث. كان ذلك فتحًا من نوعٍ ما، لأنني استطعت أخيرًا أن أفهم الحكاية؛ حكاية الدمية الخشبية التي انمسخت إلى جحش، ثم اضطرت للبحث عن والدها في بطنِ الحوت، وخرجت صبيًا حقيقيًا. في تلك اللحظة فكرت بأن الواجب ليس مطلوبًا لذاته، إنه موجود لأجل الخطيئة. كان بينوكيو يحتاج أن يخطئ، حتى يتأنسن.

يمكننا في هذه اللحظة، أن نصفق للحضور المسرحي للسيد جوزيف كامبل بين بنات أفكاري. لقد علمني كتابه “البطل بألف وجه” كيف أفكك هذه الأنماط الأزلية الكامنة في تقاليدنا السردية، منذ أساطير الخلق وحتى أحدث رواية خرجت من فرن المطابع للتو. كان البديع بالنسبة لي ليس أنني فهمتُ قصة بينوكيو كما لم أفهمها قط، بل أنني فهمتُ قصة الخلق كما لم أفهمها قط.
وكان صانع الساعات رؤومًا جدًا،
يكلمني باللغة الوحيدة التي أفهمها؛ لغة الحكايا. 
ويصالحني من الخطيئة.

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة