أخبار متفرقة

ضل طريق الدراسة فغزا البرازيل بكرة القدم.. هكذا بدأ سحر البرازيليين على يد طالب فاشل

«ماذا حققت يا تشارلي؟»، كان هذا السؤال موجهاً من أب إلى ابنه العائد للبرازيل قادماً من إنجلترا. حيث ترك الفتى اليافع أسرته وأصدقاءه وأنهار ساو باولو، من أجل تحصيل العلم والمعرفة. لكن تشارلي عاد ومعه كُرتين، وأمام أنظار الأب المشدوه، وقف بكل شجاعة ليقول: «ابنك تخرج في جامعة كرة القدم، وتعلَّم مبادئ رياضة ستغزو العالم سريعاً. ولقد عقدت العزم على نقلها إلى كل شوارع وأزقَّة وشواطئ البرازيل».

على مستوى التكتيك، نقل المدربون المجريُّون الخطط واللامركزية
والجماعية إلى البرازيل في ثلاثينيات القرن العشرين، كما يؤكد ذلك الكاتبُ
البريطانيُّ جوناثان ويلسون في كتابه Inverting The Pyramid
«قلب الهرم». انتقلت الثورة الكروية من المجر إلى سويسرا ثم إلى
البرازيل، من خلال المدرب الهنغاري دوري كريشنر، الذي سافر إلى البرازيل وبالتحديد
إلى مدينة فلامينجو، من أجل تدريب فريق المدينة. وقتها أصر المدرب الأوروبي على
تنفيذ أفكاره الجريئة والمختلفة تماماً عن الخطط البدائية التي كانت معروفة
ومطبَّقة في البرازيل.

تشارليز ميلر

صحيح أن البرازيل خسرت على أرضها نهائي مونديال 1950 أمام
الأوروغواي، وعاد الجمهور إلى بيته حزيناً مكسوراً، لدرجة أن صرخات البكائيات كانت
تُسمع من على بُعد، في مختلف حارات ومناطق البرازيل بعد المباراة التي لن تمحى من
الذاكرة. لكن الحقيقة أن الفريق وقتها أظهر جرأة كبيرة ولمحة فنية رائعة، ولعب كرة
قدم جميلة شهد لها القاصي والداني. هذه الطفرة أو القفزة في المستوى جعلت نجاحات
الفريق البرازيلي التي تلت تلك النكسة أمراً طبيعياً ومفهوماً. فتوالت الانتصارات
وحصد ذلك المنتخب عدداً كبيراً من الكؤوس القارية والعالمية، والفضل يعود إلى
النقلة الخططية التي قدمها المدربون المجريون وغيرهم في وقت سابق.

لكن ماذا عن الرجل الذي أدخل كرة القدم من الأساس إلى بلاد الكوبا كابانا؟ هل ما زلتم تتذكرون تشارلي؟ 

تشارلي أو تشارليز ويليام ميلير، الشاب الذي وُلد بمدينة ساو باولو
البرازيلية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من أب أسكتلندي سافر إلى
البرازيل لهندسة خطوط السكك الحديدية، وأُمٍّ برازيلية ذات أصول إنجليزية. وُلد
وترعرع وتربَّى في البرازيل، وسافر لإكمال تعليمه في مدرسة ساوثهامبتون الإنجليزية،
لكنه فضَّل التركيز على اكتشاف معالم الاختراع الناشئ حديثاً داخل بريطانيا
العظمى، في حضرة الأيام الأولى لانتشار كرة القدم، التي صارت فيما بعدُ اللعبة
الشعبية الأولى في العالم.

صحيح أنني لم أحب البرازيل يوماً ولم أشجعها في أي بطولة، لكن من عدم
الإنصاف إنكار أو نفي مدى عظمة منتخبها وتفرُّد الكرة التي تلعبها. العظمة التي
تجعل القول والإقرار بأن منتخب «السيليساو» أفضل وأعرق وأقوى فريق دولي
على مَرّ تاريخ اللعبة، سواء أحببته أم كرهته، أمراً يسيراً.

أفضل أهداف البرازيل في كأس العالم على مرّ التاريخ وفقاً للفيفا

وعند دراسة أصول كرة القدم بالبرازيل، سنجد أن دخول اللعبة البلاد
جاء في وقت متأخر قياساً ببلدان أوروبا، لكن ليس بشكل كبير. والفضل في ذلك يعود
إلى الشاب الذي ضلَّ طريق التعليم ووقع في حب المستديرة منذ اللحظة الأولى.
تشارليز ميلير هو أصل الحكاية.

حينما عاد تشارلي إلى البرازيل في عام 1894، كان يحمل لوائح الاتحاد
الإنجليزي لكرة القدم بحقيبته. وفي ساو باولو بذلك الوقت، كان هناك نادٍ واحد، وهو
نادي «إس بي» الرياضي الذي أنشأه البريطانيون هناك ليكون مكاناً لممارسة
لعبة الكريكيت. ليقرر الرحالة البرازيلي إنشاء قسم لكرة القدم هناك، وأقنع مجموعة
من أصدقائه وزملائه بالانضمام إليه، وعلَّمهم قواعد كرة القدم. كانت الفكرة ناجحة،
لتُنقل إلى مختلف المدن البرازيلية، وتبدأ المباريات غير الرسمية بين شُبان
المناطق، وفق ما ذكرته مدونة «رحلة الثقافة» الإنجليزية.

قرر سليل عائلة ميلير تحويل هذه المباريات غير الرسمية إلى مسابقة
أكثر جدية، لينشئ شيئاً قريباً من الدوري المحلي، ويُعرف بأنه أول دوري كرة قدم في
البرازيل. تشارلي لم يكتفِ بدور المعلّم فقط، بل لعب مهاجماً في نادي ساو باولو
الرياضي، وفاز بالبطولة في أعوام 1902 و1903 و1904.

تشارليز بقمصان ساو باولو

في تلك السنوات الأولى من القرن العشرين، بدأت كرة القدم تنتشر من ساو
باولو إلى بقية البرازيل انتشار النار في الهشيم، وسرعان ما أصابت البلاد بأَسرها
عدوى فتاكة تسمى كرة القدم.

صحيح أن إنجلترا هي التي نقلت كرة القدم إلى البرازيل عن طريق
تشارلي، لكن فعلياً كانت هذه النقلة هي الأساس لزيادة شعبية هذه اللعبة، ولولا
البرازيل لربما بقيت كرة القدم مجرد أداة ناعمة تستغلها قوى الاستعمار للترفيه عن
جنودهم وأبناء الجاليات الخاصة بهم في المستعمرات. ولربما، أيضاً، لم تتحول الكرة
إلى لغة حقيقية تستخدمها الشعوب للتعبير عن نفسها وكأداة للتقارب فيما بينها، إذ
أصبحت في فترة زمنية قصيرة، الرسالة التي يعبّر فيها البرازيليون عن موهبتهم
واختلافهم عن مُستعمريهم، والدليل ما شهدته الملاعب من أسماء بقية جارينشيا وبيليه
وزيكو وآخرين حتى يومنا هذا، لم تستطع أن تنتج بلد المنشأ مثلهم.

صارت البرازيل موطن كرة القدم الحقيقي، والتي جعلت لهذه اللعبة شعبية
أكبر في نواحي القارة الجنوبية المنسيَّة، وصنعت لها قاعدة جماهيرية عظيمة عبر
شاشات التلفزيون، يتناقلها ويتابعها ملايين المهمَّشين والمنسيِّين والمقهورين من
شعوب العالم الثالث.

يقول الكاتب إد نورفا عبر مدونة «فوتبول تايمز»:
«عندما نغمض أعيننا في الليل ونحلم بالكرة، فإن أحلامنا ليست سوداء وبيضاء
وليست بُنيَّة داكنة، بل إنها مصبوغة باللونين الأصفر والأخضر. إن التفكير في كرة
القدم هو الشعور بالبهجة، والشعور بالبهجة والمرح في كرة القدم هو اللعب بهما على
الطريقة البرازيلية». ^

Powered by WPeMatico

الوسوم
العطار التركي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *