مرآة العالم

قراءة في نص مسرحية (الأبواب المقفلة Huis Clos) لسارتر

هذا العام 2019 تحل الذكرى الماسية (الخامسة والسبعون) لجحيم سارتر. كتب سارتر هذا النص سنة 1944 ومثل على خشبة المسرح الفرنسي أول مرة في العام نفسه. “الجحيم هو الآخرون” جملة ترد على لسان (جارسان) أحد أبطال المسرحية، وقد أصبحت بلا شك إحدى أشهر العبارات في العالم.

في هذه المسرحية يجد رجل وامرأتان أنفسهم في غرفة تضمهم معا في العالم الآخر.

 

يسوقهم خادم ما، والمفروض أنه أحد زبانية الجحيم. يتعجبون لأن كلا منهم يعرف أنه في الجحيم، لكن لا توجد آلات تعذيب من أي نوع. الحوار الذي يدور بينهم يقتضي عودة إلى الأحداث التي أدت بكل منهم إلى هذا المصير. يظن كل منهم أنه جاء إلى هنا بالخطأ وأن في الأمر لبسا ما. ومن حوارهم نكتشف ما يخبئونه وما ارتكبوه في حياتهم الدنيا. 

هذه القراءة التي نحن بصددها، تعتمد أساسا ترجمة (هاشم الحسيني) للنص المسرحي، تلك التي صدرت عن دار مكتبة الحياة في بيروت. 

* مقدمة حبلى بالأسئلة:
“إيناس: انظري في عيني، هل ترين نفسك فيهما؟
إستيل: أنا صغيرة جدا، لا أرى نفسي بوضوح.
إيناس: أما أنا فأراك. بكاملك. اطرحي علي الأسئلة. ليس بعد الآن من مرآة أمينة”.

كان (چاك لاكان) خلال طرحه لمفهوم (المتخيل The Imaginary) يقول إن الإنسان يكون مفهوم الأنا في طفولته من خلال نظره إلى المرآة، فصورته المنعكسة من المرآة تحل محل إحساسه بأعضاء جسمه التي لا يدرك الرابط بينها وتمثل جسدا مجزءا fragmented body، وهذه الصورة المنعكسة تهبه أول إحساس بذات واحدة متعينة حين يتوحد معها، بيد أن (لاكان) يعقب بأن هذه الصورة المنعكسة ما هي إلا (متخيل) وتغريب Alienation عن حقيقة الذات المتفلتة التي لا يمكن الوصول إليها. 

 

في موضع آخر من حوار إيناس وإستيل، تقول الأخيرة: 

“عندما لا أرى نفسي، مهما تحسست، أظل أتساءل إذا كنت موجودة حقا”.  

هل يعني هذا أن جحيم سارتر يقضي على إحساس المرء بذاته بأن يفكك هذه الذات التي تكونها صورة المرآة؟ أم أنه فقط يقضي على الصورة المتخيلة التي التصقت بوعي الإنسان طيلة حياته، لينفتح أمامه إدراك آخر مغاير للذات، ربما يكون أقرب إلى حقيقة الذات التي طالما كانت متفلتة؟!

حين تقوم عينا إيناس بدور المرآة، لا يبدو لإستيل من صورتها المألوفة التي طالما عاشت بها إلا شبح بعيد صغير جدا لا يساعدها على الإحساس بوجودها، ويبقى الحل الوحيد أمامها لتدرك أنها موجودة في اللحظة الراهنة أن تعتمد على شهادة إستيل لها بالوجود!

حقيقة الأمر، أننا أمام لغز معرفي متشعب لا وسيلة لحله إلا بمحاولة إفراغ أذهاننا من أي تصورات مسبقة، واستقراء النص المسرحي الذي نحن بصدده، محاولين ربطه بما نعرفه من فلسفة سارتر، ومعارضين ما يتبدى لنا من ظواهر نصية هنا بغيرها من الظواهر في نصوص أخرى قد يبدو أنها لا تمت لمسرحية سارتر بصلة للوهلة الأولى، لكنها تكون الخلفية المعرفية لكاتب هذا المقال، ومن البدهي أنه لا يجد مفرا من الرجوع إليها، وما نطمح إليه في النهاية هو أن تلقي قراءتنا ضوءا جديدا على هذا النص المتجدد، ننفذ بمقتضاه إلى أعماق جديدة في بنيته وطروحاته المحتملة. 

* سارتر ينطق النزلاء بفلسفته:

رائدنا في هذه القراءة قناعة وصلت إليها، تتصل بنظرية الأجناس الأدبية. فحوى هذه القناعة أن الأجناس الأدبية المختلفة من شعر وقصة ورواية ونص مسرحي وغير ذلك، تشبه حالات العقل في استوائه وتطرفه واضطرابه، والنص المسرحي بصفته حوارا خالصا في المقام الأول أقرب إلى اضطراب تعدد الشخصيات Multiple Identity Disorder من حيث إن الكاتب كثيرا ما يدير الحوار الذي يجري داخل رأسه بين أشخاص نصه المسرحي، فكأنه يتلبس بهم واحدا وراء الآخر وينطقهم بما يعتمل في رأسه من أسئلة وإجابات محتملة. بالطبع لا يلتصق كل نوع أدبي بحالة عقلية محددة بشكل حتمي لا فكاك منه، والأدنى إلى الصواب أن الأمر أشبه بمتصل تتقاطع فيه وتتوازى الأجناس الأدبية مع حالات العقل. ولنترك الاستطراد الآن لنعود إلى نصنا الذي بين أيدينا. 

أ. رفض الكوجيتو الديكارتي:

ما نعرفه من فلسفة سارتر، أنه يعد الوجود حملا ثقيلا يحاول الإنسان أن يتخفف منه ويلقيه عن كاهله باستمرار، وما اصطناع الأديان والارتماء في أحضانها في رأيه إلا وجه من أوجه محاولة الإنسان الدائبة لنفض حمل الوجود عن كاهله، فالمتدين الذي يلقي بزمام أموره في يد مشرعه ويتنازل عن إرادته ليصبح أداة لتنفيذ إرادة كيان أعلى، هذا المتدين يهرب من مسؤولية وجوده في مذهب سارتر. لنعرج على حوار إيناس وإستيل لحظة ثم نعود إلى محاولة الفهم. بعد الجملة الأخيرة التي أوردناها في المقدمة على لسان إستيل، حيث تتساءل عما إذا كانت موجودة أو لا:

– إيناس: أنا أحسن نفسي دائما من الداخل.
– إستيل: آه! نعم، من الداخل. كل ما يدور في الرؤوس مبهم، يدعوني للنوم. يوجد ست مرايا في غرفة نومي…

هنا يحيلنا تصريح إستيل بأن “ما يدور في الرؤوس مبهم ويدعوها للنوم” إلى مبدأ الإحساس بالوجود في الفكر الغربي الحديث كله، ونعني الكوجيتو الديكارتي: “أنا أفكر، إذن أنا موجود Cogito ergo sum”. هذا المبدأ الذي يجعل الوجود خاصة للنفس المفكرة – حيث يقول ديكارت إن بإمكانه أن يتصور أنه بلا جسم وبلا أعضاء ويظل موجودا رغم ذلك – يعتمد على ثنائية الماهية والوجود، حيث يجعل للإنسان ماهية سابقة على وجوده المتعين، منذ أن كان فكرة في العقل الكلي الشامل لخالقه. وطالما وجه النقد لهذا المبدأ الديكارتي من منطلق أن الانتقال من الفكر الخالص إلى الوجود المرتبط بهذا العالم المادي (أي العالم المتميز بالامتداد، في مقابل الفكر الذي لا امتداد له)، ليس له ما يبرره في فلسفة ديكارت، أي إن صاحب الكوجيتو لم يقدم مسوغات انتقاله من الفكر إلى الوجود!

وحقيقة الأمر أن (إستيل) في الجملة السابقة هذه تعبر عن رفض سارتر للكوجيتو الديكارتي؛ فالحديث عن الإحساس بالنفس من الداخل، وإثبات الوجود من محض واقعة التفكير، ما هو إلا حديث مبهم ميتافيزيقي لا سبيل إلى فهم معناه. لذا كانت (إستيل) حريصة في حياتها على جمع المرايا في غرفة نومها؛ هي امرأة عاشت وجودها في العالم بكل جسمها، وربما لهذا صورها (سارتر) في هذه المسرحية بصورة الشبقة التي تواصل نزواتها الجنسية في الجحيم! 

ب. أنا أريد إذن أنا موجود (مبدأ مين دي بيران Maine de Biran):

سنترك (إستيل) و(إيناس) قليلا، ونستكشف تطورا مهما يحدث لرفيقهما (جارسان) خلال المسرحية. جارسان يبدأ ظهوره مستسلما تماما لفكرة وجوده في الجحيم إلى الأبد، حتى إنه في لحظة ما يقرر أن يدفن رأسه بين كفيه ويعرب لرفيقتيه أنه لا يحب أن يؤذيهما ولا أن يقوم بدور الجلاد لأيهما، ويطلب منهما أن تتركاه وشأنه. هنا يبدو أنه يتمنى أن يتوقف عن الوجود؛ هو يحن إلى حالة العدم، ففي العدم ليس ثم عذاب بالتأكيد. حتى إن (إيناس) تهزأ منه فتقول: “ستبقى هنا مجردا من الإحساس منغمسا في نفسك وكأنك تمثال بوذا”. وهي جملة أبعد ما تكون عن العرضية أو الهامشية في سياق النص، فبوذا رمز عند أتباعه للخروج من دائرة الوجود (سامسارا Samsara) والتناسخ اللانهائي بتعاليمه المستسلمة التي تساعد البوذي على الهروب من وجوده إلى سلام الفناء، لكن صراع إستيل وإيناس ينتزعه من هذا العدم المؤقت، ويبدي اهتماما بإستيل، ثم يتحول اهتمامه إلى (إيناس) التي يحاول إقناعها بأنه لم يكن جبانا، وفي لحظة من حوارهما يقول في حماس:

– جارسان: ستساعدينني. يلزم قليل من الأمور يا إيناس، أو قليل من حسن الإرادة.
– إيناس: حسن الإرادة! من أين تريد أن آتي بها؟ فأنا عفنة.

 

هذه الإرادة التي يبديها جارسان ويطلب من إيناس أن تبديها تعبر عن موقف فلسفي حاد لـ(سارتر)، فبعد أن رفض بلسان (إستيل) مبدأ (ديكارت) المثالي، يقترب من التعديل الذي أجراه الفيلسوف الفرنسي (مين دي بيران 1766-1824) على الكوجيتو الديكارتي، حيث انطلق (دي بيران) من ملاحظة أن الواقعة الأصلية الأولية (أي الواقعة الجاهزة للملاحظة الإنسانية والتأمل) هي الجهد العضلي لا التفكير، فاعتبر أن الأنا/ الذات لا يثبت وجودها من التفكير أو الوعي الخالص، وإنما من الإرادة، أي من معرفة الذات بسلطتها على الجسم، وبذلك يكون قد أقر المحايثة المطلقة للنفس والجسم في صميم مبدئه البديل: أنا أريد، إذن أنا موجود Volo ergo sum. والشاهد أن حماس جارسان وإرادته التي يتحدث عنها هي محاولة منه للعودة إلى الوجود وتحمل عبئه بعد أن كان يهرب منه.

جـ. خفق الجفون إعدام مؤقت للعالم والنفس:

نعود إلى جزء آخر من حديث جارسان مع الخادم، تحديدا حين يتحدث عن انعدام النوم في الجحيم، وانعدام خفق الجفون:

– جارسان: كنا نخفق بجفوننا وكان هذا يسمى رمش العين. بريق صغير أسود. ستار يسقط ويرتفع. ويتم القطع. تدمع العين وينعدم العالم. لا يمكنك أن تعرف كم كان منعشا… 

 

اقرأ أيضا: وهم الحداثة.. يوسف الخال نموذجا

هنا يتحدث إلينا سارتر عن ركن آخر من أركان فلسفته. خفق الجفون مظهر للحنين إلى العدم. وبما أن الإنسان يوجد في العالم، ولا يوجد إلا في العالم، فإن الجهد الأساسي الذي يمكن أن يبذله لنفض عبء الوجود عن كاهله يتمثل أولا في إعدام العالم، وبما أن هذا مستحيل عمليا، فإن الحل السحري لذلك هو الخفق بالجفون، أو ترك الزمام للدموع لتنهمر في حالة التعرض لواقعة محزنة، فتشوش الرؤية ويتكسر العالم أمام نواظرنا وينعدم، وننعدم نحن من ثَمّ مادمنا لا نوجد إلا فيه. في الحقيقة يتجاوب هذا مع النظرية العامة لسارتر في الانفعالات، فالانفعال الإنساني دائما هو محاولة سحرية لتغيير الأمر الواقع وتجاوز عبء الوجود في العالم. الخلاصة أن هذا الخفق بالجفون مظهر من مظاهر الحنين إلى العدم، وقد اختار فيلسوفنا لجحيمه هذا أن يُحرم نزلاؤه هذه المقدرة، فهم محاصرون بوجودهم إلى الأبد، دون أمل في الهروب منه. لكن ألا يذكرنا هذا بتلك الآية القرآنية من سورة (ق) التي ترد في سياق وصف الجحيم فتقول: “لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد”؟! من الواضح أن القرآن يؤسس رؤية للجحيم، تنبني على أن نزلاءه محكوم عليهم بانعدام الغفلة، بل بانعدام القدرة على التغافل فيما يبدو، فهم في رؤية دائبة للأشياء على حقيقتها. ثم اتفاق إذن بين جحيم سارتر المجازي والجحيم القرآني. تبدو هذه نقطة مهمة سنعود إليها لاحقا.

 

د. رمزية الفن بوصفه إشارة إلى العدم:

ثم نقطة ينبغي ألا نغفلها كذلك في ديكور المسرحية الذي ينعكس على حوارها، ونعني بها خلفية قاعة الاستقبال من طراز الإمبراطورية الثانية، والتمثال البرونزي فوق المدخنة. لا يصف سارتر المزيد من تفاصيل الخلفية، لكنه في الوقت ذاته يبدو أنه يرمي إلى غرض محدد من وراء تحديد نمط قاعة الاستقبال ووجود التمثال، حيث تثار نقطة ديكور الغرفة في حوار جارسان والخادم في المشهد الأول، وحين يسأله (جارسان) عما إذا كانت الغرف كلها على هذا النمط، يجيب الخادم:

– أوتظن ذلك؟ يأتينا صينيون وهندوس. فماذا تريد أن يفعلوا بمكتبة من طراز الإمبراطورية الثانية؟

كما يتحدثان عن تمثال البرونز فيقول (جارسان):

– الشخص يختنق، ينزل إلى الأعماق، يغرق، إلا بصره فهو خارج من الماء، وماذا يرى؟ تمثال برونز. ياله من كابوس!

 

وحين يسأل (جارسان) عما إذا كان نور الغرفة يظل مضاء هكذا أم بإمكانه إطفاؤه من خلال زر كهربي، يرد الخادم بعدم وجود زر، فيقول جارسان:

– إلى الأبد. سيكون النهار ساطعا في عيني وفي رأسي. وإذا حركت البرونز نحو المصباح الكهربي، فهل ينطفئ؟

– الخادم: إنه ثقيل جدا.
– جارسان (يأخذ البرونز بين يديه ويحاول أن يرفعه): أنت على صواب. إنه ثقيل جدا.

كتب سارتر النص قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت خلفية غرفة الاستقبال/ المكتبة من طراز الإمبراطورية الثانية المنتمية إلى القرن التاسع عشر تمثل فنا يستلهم الماضي. كذلك فإن تمثال البرونز هو في النهاية فن، وإن لم يكن سارتر قد حدد ملامحه. بالتأكيد يحيلنا هذا إلى رأي (سارتر) في الفن وفي عملية الإبداع الفني نفسها، وهو رأي ينبثق من فلسفته الوجودية بالطبع. الفن عند سارتر هو الآخر شكل من أشكال الهروب إلى العدم، وذلك أن المنتج الفني مهما اتخذ الواقع موضوعا للمحاكاة يظل غير منتم إلى عالم الوجود الواقعي، سواء أكان هذا المنتج قصيدة شعر أو لوحة تشكيلية أو مقطوعة موسيقية أو تمثالا من البرونز. وبذلك ينتصب تمثال البرونز علامة على العدم أمام أنظار نزلاء الجحيم السارتري، مذكرا إياهم بتلك المقدرة التي تمتعوا بها – من حيث كونهم بشرا – على الهروب من الوجود إلى العدم، ومذكرا كذلك بفقدهم هذه المقدرة في الجحيم. فحتى حين يخيل لجارسان أنه يمكن أن يطفئ المصباح أو يكسره بالتمثال البرونزي يكتشف كم هو ثقيل وييأس من المحاولة. التمثال علامة على العدم، صحيح، لكنه لن يجدي نفعا في تحقيق هروب جارسان من الوجود إلى العدم، فالنور سيظل ساطعا يمنعه الغفلة، وعلامة العدم ستظل ماثلة ثقيلة أمام ناظريه، تعذبه بتذكيره دائما بما فقده! سيغرق في وجوده حتى رأسه، ولن يرى مهربا منه إلا ذلك التمثال الثقيل الذي لن يغني عنه شيئا!

بشكل شخصي يحيلني هذا الرمز الثقيل المنتصب أمام أعين نزلاء جحيم سارتر إلى تواز آخر ألمحه بين جحيمه والجحيم القرآني، حيث نجد تلك الآيات التي تتحدث عن الحوار بين أهل النار وأهل الجنة، كما في سورة الأعراف: “ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين”، أو كما في المأثور الإسلامي من أن كلا من أصحاب الجحيم محكوم عليه بأن يرى موضعه من الجنة. 

ه. النظرة:

وثم تواز ثالث لا يجب ألا يفوتنا بين جحيم سارتر والجحيم القرآني، يتعلق بمشكلة النظرة Regard التي يناقشها سارتر طويلا في مواضع أخرى من كتبه، فالنزلاء الثلاثة محكوم على كل منهم بأن يرى نفسه موضوعا لإدراك رفيقيه، ومن ثَمّ أن يرى ذاته بعيونهما، ومن هنا ينشأ التخاصم الأبدي الذي يلخصه (جارسان) في عبارة النهاية قبل نزول الستار “لنستأنف”، وهو شبيه بالتخاصم الذي يصفه القرآن في مواضع كثيرة، منها آية سورة (ص): “إن ذلك لحق تخاصم أهل النار”. 

 

لكن ما دلالة وجود تواز بين جحيم سارتر صاحب الفلسفة الإلحادية التي تنطلق من مبدأ انعدام الخالق، والجحيم القرآني الآتي من رحم نسق عقدي مختلف جذريا، يجعل الله مركز الوجود؟

* الخطايا والمسؤولية الخلقية:

طبيعة الخطايا التي ألقت بالنزلاء الثلاثة في الجحيم هنا تتعلق بفكرة الهروب من المسؤولية الخلقية المرتبطة بعبء الوجود؛ فجارسان تنصل من مسؤولياته الزوجية وخان زوجته، وتنصل من مسؤوليته الوطنية وهرب من الخدمة العسكرية بدعوى أنه من أنصار السلام Pacifist. وإيناس هربت من مسؤوليتها الخلقية فأفسدت ما بين زوجين استضافاها في بيتهما، جريا وراء رغباتها السحاقية. وإستيل كذلك تنصلت من مسؤوليتها تجاه الطفلة التي أنجبتها، فألقت بها في البحيرة. كل هذه الخطايا تتعلق بالهرب من تبعة الوجود في العالم. ونجد كلا من جارسان وإستيل يتعللان بأسباب أخرى وراء خطاياهما لا نتبين إخلاصهما فيها. هذا بالتأكيد يحيلنا إلى رأي (سارتر) في الإيمان السيئ Bad Faith حيث يتنصل الإنسان من عبء وجوده ويجبن عن تحمل تبعات اختياراته بإلقائها على كاهل إيمانه الديني.
لكن اللافت أن هذه الخطايا الوجودية هي خطايا من وجهة نظر الأديان كذلك. والخلاصة أن الخطايا التي يعتبرها سارتر مرتبطة بالإيمان الديني مطية التنصل من عبء الوجود، هي عين ما يعتبره الإيمان الديني خطايا. فهل من سبيل لفض هذا الإشكال؟!

* فض إشكالات النص- رؤية إسلامية:

حين نستعرض التراث الصوفي للأديان الإبراهيمية الكبرى، نجد أن المفهوم الصوفي الإسلامي (الفناء في الله) بمعادلاته في تلك الأديان مفهوم مركزي جدا بالنسبة للممارسة العرفانية، ويمثل الغاية التي يطمح إليها كل سالك طريق التصوف. وما يقرره في التصوف الإسلامي أقطاب مثل الجنيد تلميذ الحارث المحاسبي، وابن عربي أحد رموز التصوف الفلسفي، وأبي حامد الغزالي أحد رموز التصوف السني، ما يقرره هؤلاء هو أن الطريق تبتدئ بالشريعة، وهو ما عبر عنه الجنيد في عبارته الشهيرة: “عملنا مضبوط بالكتاب والسنة”. ويعني هذا شكلا من أشكال تسليم الإرادة للمشرع؛ وهذا التسليم من وجهة نظر سارتر هو تنازل عن الوجود وتنصل من أعبائه، وهو حنين إلى العدم بصيغة أخرى. وجلية الأمر أن الصوفية لا ينكرون أن هذا التسليم تنصل من أعباء الوجود، ذلك أنهم يرون أن الوجود الإنساني ما هو إلا ظل باهت للوجود الحق الذي هو الوجود الإلهي وحده، وإذن فإن الفناء/ العدم الذي يحنون إليه وتدور التجربة العرفانية كلها على محوره، ما هو إلا عين الرجوع إلى (حظيرة الحق) حيث الموجود بحق واحد أحد لا موجود على الحقيقة سواه. 

ونجد صدى ذلك في موقف الشريعة من إرادة الفرد، وآية ذلك ما جاء في الحديث الذي صححه الإمام النووي وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به”. هنا تبدو غاية الإيمان أن يسلم المؤمن إرادته لمشرعه. وحين نقيس ذلك بمقياس (مين دي بيران): “أنا أريد إذن أنا موجود”، نكتشف أن معنى الحديث على هذا النحو هو أن غاية الإيمان أن ينفض المرء عبء الوجود عن كاهله تماما. إنه عين ما يعنيه الصوفية بالفناء في الله.

 

أما إذا انتقلنا إلى جانب آخر من لغز هذا النص المسرحي فيما يتعلق بطبيعة خطايا نزلاء جحيم سارتر، فإن مفتاحا لطيفا لحل هذا الإشكال يأتينا من قبل الفيلسوف الإسباني الأمريكي (چورچ سانتايانا) حين يقرر أن قيم الأخلاق قيم سلبية تقتصر مهمتها على اجتناب الألم ومحاربة الشر، وهذا في مقابل القيم الفنية أو الجمالية التي تعتبر قيما إيجابية تمدنا بلذات حقيقية وتطلب مكتفية بنفسها، كأن طالبها يطلب خيرا محضا. في تقديري أن رأي سانتايانا أقرب إلى روح الأديان الإبراهيمية ولاسيما الإسلام من رأي (سارتر) في الأخلاق، فإن الألفاظ التي يقرها الإسلام جامعة لمعنى الخلق القويم كانت دائما أدنى إلى السلب منها إلى الإيجاب، فهناك (الزهد) بما هو كف عن طلب متع الدنيا واقتصار عنها بالقلب والجوارح، وهناك (الورع) بما هو الخوف من الوقوع في الغي والبغي والعدوان، واجتناب كثير من الحلال المباح للابتعاد عن الوقوع في هذه المعاني، وهناك (التقوى) كذلك بما هي اتقاء الشبهات بالكف عنها وربما بالكف عن بعض المباحات للابتعاد عن دائرة الحرام. أما أخلاق سارتر فقد كانت دائما منطلقة من فكرة المسؤولية الإنسانية الكاملة في غياب الخالق برأيه كملحد، فالأخلاق عنده هي عين النشاط الإيجابي، وحتى في كتابه (ما الأدب؟) نجده حين يهيب بالروائي وغيره من كتاب الأدب السردي أن (يلتزموا) بقضايا المجتمع، يلبس هذا الالتزام ثوب الإيجابية النشطة وتحمل عبء الوجود، في مقابل ما سوى الأدب من الفنون التي تنحو ناحية العدم، وتعبر عن حنين الإنسان إلى التخلص من ثقل وجوده.

 

انتهاء، يبدو التقاء الجحيم القرآني مع جحيم سارتر – وهو الالتقاء الذي أسلفنا الإشارة إليه آنفا – جديرا بالالتفات، وهو التقاء من شأنه أن يلخص كل ما قلناه في هذه القراءة الموجزة للنص المسرحي الذي بين أيدينا، فإننا إذا تجاوزنا عن مجازية الجحيم عند سارتر هنا، وتغاضينا حتى عن المنطلق الإلحادي الذي انبنت عليه نسخته الخاصة من الفلسفة الوجودية، ونظرنا إلى الجحيم القرآني بعيني منهجه، فسنكتشف أن الجحيم القرآني ما هو إلا وصول إلى الغاية من الحالة الدنيوية، حيث يحمل الإنسان عبء وجوده كاملا ويوكل إلى نفسه تماما. هذا في مقابل الجنة التي ينفض فيها عن المؤمن عبء وجوده، وما غاية الجنة التي هي (معاينة الحق) إلا فناء في الله الذي هو الوجود الحق، وهذا ما عبر عنه الحديث الشريف: “إنكم سترون ربكم لا تضامون في رؤيته كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر”.

وما ألوان المتع التي يقربها القرآن كما تقربها الكتب المقدسة للأديان الإبراهيمية بما تيسر من ألفاظ، إلا أشكال مختلفة من التخفف نهائيا من عبء الوجود الثقيل.

يبقى نص (سارتر) نصا عظيما، جديرا بأن تعاد قراءته مرات ومرات، وغاية ما نطمح إليه أن تكون هذه القراءة قد أضاءت منه جانبا جديدا. 

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة