أخبار متفرقة

كيف غيَّرت “القومية المسيحية” السياسة الأمريكية، وما تأثيرها على إعادة انتخاب ترامب؟

لا يزال وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل ثلاث سنوات يمثل لغزاً لبعض الباحثين الأمريكيين وتحديداً حصده لأصوات “الإنجيليين البيض”، فالرجل ليس متديناً من الأساس، فماذا تعني “القومية المسيحية”؟ وكيف أثَّرت في تغيير السياسة الأمريكية بهذه الطريقة الغامضة؟

موقع رو ستوري الأمريكي المتخصص في الدراسات البحثية نشر تقريراً بعنوان: “كيف تُحرّك القومية المسيحية السياسات الأمريكية؟”، ألقى فيه الضوء على صعود اليمين الديني وتأثيره على المجتمع المدني الأمريكي.

في أوائل عام 2018 بعد عامٍ من الارتباك حيال أسباب انتخاب ترامب، قدّم عالم الاجتماع بجامعة كليمسون أندرو وايتهيد واثنان من زملائه أدلةً دامغة -كتبت عنها هنا- على أنّ “التصويت لترامب مثّل دفاعاً رمزياً عن التراث المسيحي المُتصوّر للولايات المتحدة، للكثير من الأمريكيين على الأقل”. وهذا يعني أنّها تُمثّل “القومية المسيحية” حتى حين تتحكّم في تفسيراتٍ شعبية أخرى مثل “عدم الرضا الاقتصادي، والتمييز الجنسي، والتحيُّز المناهض للسود، والمواقف المُناهضة للاجئين المسلمين، والمشاعر المُعادية للمهاجرين”. وتبيّن أنّ لغز تصويت الإنجيليين البيض لصالح ترامب بهذا الاكتساح كان تفسيره بسيطاً: إذ لم يُدافع ترامب عن دينهم -لأنّه ليس شخصاً متديّناً في المقام الأول- بل عن مكانته في المجتمع.

ويمتلك وايتهيد الآن وأحد زملائه، عالم الاجتماع سامويل بيري من جامعة أوكلاهوما، كتاباً يتعمّق في نهج أبحاثهم أكثر: “إعادة أمريكا إلى الله: القومية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية Taking America Back for God: Christian Nationalism in the United States”. ولا يُمثِّل دونالد ترامب موضوعاً رئيسياً في هذا الكتاب، لأنّه لا يجدُر به ذلك. إذ يُقدّم وايتهيد مع بيري واحدةً من أفضل وجهات النظر الممكنة حول السباق الرئاسي لعام 2020، والقوى الأكبر التي ستُواصل استقطاب أمريكا لبعض الوقت مستقبلاً، عن طريق استكشاف وتفسير قوة القومية المسيحية.

ومن البارز أنّ الكاتبين استكشفا تأثير القومية المسيحية على المجتمع إجمالاً -ولا يتوقّف التأثير عند من يعتنقونها فقط، بل يمتد ليشمل الطيف المُجتمعي بأكمله من الأتباع وحتى المعارضين- ولم ينسيا في الوقت ذاته مدى تشدُّد رؤيتها النشطة. واستشهدا بكتابي “العقل الرجعي The Reactionary Mind” لكوري روبين و “كيف تعمل الفاشية How Fascism Works” مثلاً من أجل إثبات أنّ “القومية المسيحية تسعى لحفظ أو إعادة تعيين الحدود في المجال العام، بالتزامن مع سعي أتباعها جاهدين للتأثير على العوالم الخاصة للأمريكيين كما هو الحال مع كافة الحركات الرجعية”.

دونالد ترامب

والكتاب مُهمٌ للغاية بسبب توقيته، ولأنّه سيُشكّل فهمنا لأنفسنا بوصفنا شعباً لأجيال مُقبلة. وأجريت مؤخراً مقابلةً مع أندرو وايتهيد عبر الهاتف. وجرى تعديل نص المقابلة التالي من أجل الوضوح والطول.

ماذا تعني “القومية المسيحية”؟

حين نتحدث عن القومية المسيحية، فنحن نُعرّفها بوصفها إطاراً ثقافياً يدور بالكامل حول مُحاولة الترويج لانصهار المسيحية -بحسب تعريفهم- في الحياة المدنية الأمريكية. والمسيحية هي أكثر من مجرد معتقدٍ مسيحي أرثوذكسي -إذ تحتوي على عددٍ من الأشياء الأخرى وتتداخل معها. وتعمل بوصفها إشارةً لمن يسمعونها، أو لنوعيةٍ مُعيّنة من الناس الذين نقول عنهم إنّهم “أشخاصٌ يُشبهوننا”، ويكونون عموماً من البيض المولودين محلياً والمسيحيين ثقافياً. لذا فهي تتداخل مع الروايات حول التراث المسيحي للولايات المتحدة، علاوةً على مُختلف التقاليد والرموز وأنظمة القيم، فضلاً عن أنّها تُمثّل انصهاراً لتلك الهويات، وتجتمع كلها معاً لتصنع ما يرونه أمريكا “المثالية”.

ما المُختلف حول نهجك، من ناحية المنهج والغرض؟

الشيء الذي نفعله، ولم يفعله أحدٌ في السابق، هو قياس وتعريف القومية المسيحية تجريبياً. وكتاب كاثرين ستيوارت رائع، ويُوفّر نظرةً صحفية عظيمة على المُتحكّمين في زمام الأمور وهوية أولئك المُتعبّدين ذوي السلطة. لكن ما نفعله هو جمع البيانات من آلاف الأمريكيين عن طريق استطلاعات الرأي، قبل أن نُجري معهم المقابلات. ونُحاول إظهار الإطار الأيديولوجي والثقافي للقومية المسيحية تجريبياً: كيف تُحرّك وتُؤثّر آراء كافة الأمريكيين، ومعتقداتهم، وقيمهم، وسلوكياتهم؟ ولم يسبق أن كان هناك فحصٌ تجريبي مُستدام لهذا الإطار الثقافي، وهذا هو ما يفعله كتابنا.

مَن هم السفراء؟

عرضت في مقدمة كتابك ثلاث حججٍ رئيسية؛ فجادلت أولاً بأنّ “فهم القومية المسيحية، ومحتوياتها وعواقبها، ضروري لفهم الكثير من أنشطة الاستقطاب في الخطاب الشعبي الأمريكي. ولا ينظر تحليلك إلى مُؤيّدي القومية المسيحية فقط، بل يتضمّن أيضاً من يمتلكون تشكيلةً عريضة من وجهات النظر، والتي قسّمتها إلى أربع مجموعاتٍ عريضة. وأرغب في سؤالك عن كلٍّ منها، بدءاً بمن وصفتهم بـ “السفراء”. فما الذي يُميّزهم؟

السفراء هم الأمريكيون الذين يعتنقون القومية المسيحية بشدة؛ إذ نطرح سلسلةً من الأسئلة على الأمريكيين ثم نجمع إجاباتهم على الأسئلة الستة، وحينها نستطيع قياس القوة التي يعتنقون بها القومية المسيحية أو يرفضونها. والسفراء هم الذين يُوافقون بشدة على سلسلةٍ من الأسئلة مثل: “هل تُؤمن بأنّ الولايات المتحدة أو الحكومة الفيدرالية يجب أن تُدافع عن القيم المسيحية؟” أو “هل يجب أن نسمح بعرض الرموز الدينية في المساحات العامة؟”. وكلما زاد عدد الأمريكيين الذين يُوافقون على تلك الأسئلة، ترتفع درجتهم على مقياسنا، ونصفهم بالسفراء.

ولذا فإنّ هؤلاء هم الأشخاص الذين سيرغبون في رؤية الرموز الدينية في المساحات العامة، وسيرغبون في رؤية الحكومة وهي تدافع عن القيم الدينية وتُعلِن الولايات المتحدة بلداً مسيحياً. ويُؤمنون بأنّ نجاح الولايات المتحدة هو جزءٌ من خطة الرب، لذا فهم أقوى مُعتنقي فكرة الولايات المتحدة بوصفها بلداً مسيحياً، ويُريدون رؤية المسيحية وهي تحظى بالتمييز في المجال العام.

ماذا يميز “الرافضين”؟

الرافضون هم الأمريكيون الذين يُعارضون ويُنكرون أي فكرة لوجود علاقةٍ وثيقة بين المسيحية والمجتمع المدني الأمريكي، ويُمثِّلون في بعض الحالات الصورة المُعاكسة للسفراء، إذ يرون أنّ الحفاظ على مجتمعٍ مدني قوي وديمقراطيةٍ تعدُّدية يتطلّب عدم تمييز أيّ دين في المجال العام. وهُم لا يقولون بالضرورة إنّ الدين لا يجب أن يكون جزءاً من الحياة الأمريكية، ولكن يجب ألا يحظى أيّ دين بالأفضلية في دهاليز السلطة. ولهذا لا يرغبون في تمييز المسيحية من هذا المنطلق.

والأمر الذي نرغب في التأكّيد عليه هو أنّ الوصف لا يقتصر فقط على الأمريكيين غير المتديّنين؛ إذ نعرض عدداً من الإنجيليين البروتستانت الذي يُعدُّون من الرافضين، وأجرينا معهم مقابلات في الكتاب. وهناك أمريكيون متديّنون، لكنّهم يرفضون الرغبة في تمييز المسيحية داخل المجال العام. وغالبية الرافضين الآن غير متديّنين، ولكن ليس جميعهم. لذا فنحن هنا لسنا أمام انقسامٍ بين المتديّنين وغير المتديّنين، بل إنّه في الواقع انقسامٌ حول الدور الذي يجب أن تُؤدّيه المسيحية في الحياة العامة من وجهتي نظرٍ مُختلفتين. وسيقول الرافضون إنّهم لا يرغبون في تمييز المسيحية بأيّ شكل، رغم أنّه لا بأس من كون الدين جزءاً من حياة الناس.

مَن هم المساعدون؟

يميل المساعدون إلى قبول فكرة أنّ المجتمع المدني الأمريكي يعتنق -أو يُميّز بدرجةٍ ما- المسيحية. لذا فلا خلاف على دعمهم، ولكنّه ليس دعماً شاملاً. وربما يشعرون بالتباسٍ أكبر حول ما إذا كان ينبغي وجود رموز دينية مُعيّنة في المساحات العامة. وربما يقولون إنّ المسيحية كانت ضروريةً لتاريخ الولايات المتحدة، وإنّها شيءٌ جيد في العموم. 

ولكن حين تسأل ما إذا كان من الضروري أن تستطيع الجماعات الدينية الأخرى الاندماج أو أن تكون جزءاً من المجال العام؛ فسيكونون أكثر انفتاحاً على هذه الفكرة، في حين سيقول السفراء إنّ هذا البلد مسيحي، وعلى المُتضرّر مغادرة البلاد. ويتكيّف المُساعدون مع رواية “البلد المسيحي” والقومية المسيحية، لكنّهم لن يُعارضوا الجماعات الدينية الأخرى بالضرورة -في ما يتعلّق بحياتها وعملها هنا على الأقل. ولذا فهم يدعمون الفكرة، ولكن ليس بنفس شمولية السفراء.

من هم المُقاومون؟

يُمثّل المقاومون انعكاساً للمُساعدين، إذ لا يشعرون بالارتياح لفكرة البلد المسيحي، ولكنّهم لا يُعارضونها تماماً. بل يميلون إلى المعارضة. وربما يقولون إنّ المسيحية أدّت دوراً مُهماً في تأسيس الولايات المتحدة، ولكنّهم غير مرتاحين لفكرة مُحاولة تمييز المسيحية في المجال العام. ونجد أنّ هناك عدداً من المقاومين الذين يعتنقون المسيحية، ويعتقدون أنّها تستطيع تأدية دورٍ إيجابي في المجتمع، ولكن دون تمييزها على أيّ مجموعةٍ دينيةٍ أخرى -أي أنّ المسيحيين ومُعتنقي الأديان الأخرى يجب أن يتمكّنوا من العمل جنباً إلى جنب. وعند مقارنتهم بالرافضين الذين يرفضون أن يحظى أي دين باليد العليا؛ ربما يرى المقاومون دوراً إيجابياً تستطيع المسيحية تأديته، لكنّهم لن يرغبوا في رؤية ذلك رسمياً في أيٍ من أشكال الحكومة.

ما الروابط الأيديولوجية الأساسية الأكثر بروزاً سياسياً وإحصائياً؟

سيقول الناس عادةً: “هل العنصرية أم الاستبدادية هي ما تُفسِّر هذه التأثيرات؟”، ولكنّنا وجدنا أنّ القومية المسيحية لها تأثيرها المُستقل، رغم أنّها تتداخل مع مُختلف الأيديولوجيات، مثل العنصرية والاستبدادية. ورغم وجود جوانب للقومية المسيحية يُريد الناس من خلالها رؤية مجتمعٍ شديد الترتيب، لكنّ رغباتهم لا تتوقّف عند هذا الحد. فالرغبة في رؤية المسيحية تحظى بالتمييز في المجال العام تتعلّق بتأثيرٍ مُستقل ناجم عن الكيفية التي يُريدون رؤية العالم بها، أو ينظرون بها إلى منظومة العدالة الجنائية أو أيّ شيءٍ آخر. وينطبق الأمر ذاته على العنصرية، حيث ترتبط القومية المسيحية بالآراء المُتحيّزة عموماً ضد الجماعات غير البيضاء. والأمر لا يتوقف عند وجود العنصرية فقط. إذ إنّ فكرة رؤية تمييز المسيحية في المجال العام تدُل على أنّها أكبر من الأيديولوجيات الأخرى. لذا فهي مُتربطة، ولكنّها لا تقف على قدم المساواة.

لماذا لا ينطبق الأمر على المواقف تجاه المسلمين؟

تُركّز القومية المسيحية بشدة على خلق الحواجز بين “نحن” و “هم”. وهنا تكمُن فكرة الهوية الأمريكية البيضاء، البروتستانتية، المسيحية ثقافياً، والمولودة محلياً. ولهذا نجد اختلافاً بين الممارسات الدينية وبين القومية المسيحية من هذا المُنطلق. ولكن حين نتحدّث عن الجنسانية، نجد أنّ النشِطين دينياً لا يزالون مُؤمنين بضرورة وجود نوعٍ من النظام في الجندرية والجنسانية، بما يتوافق مع ما يعتنقونه من المعتقدات المسيحية التقليدية. لذا فإنّ القومية المسيحية تعمل في النهاية بنفس طريقة الممارسات الدينية.

ونُلاحظ الشيء نفسه في المقابلات التي نُجريها؛ إذ إنّ أولئك الذين يُعتبرون قوميين مسيحيين، ومن السفراء، يُعارضون زواج المثليين بشدة من منطلق محاولة حماية هذا البلد المسيحي. ويرون في ذلك تهديداً للشعب المسيحي الأمريكي. أما حين نتحدّث إلى الأمريكيين المُتديّنين الرافضين للقومية المسيحية، فربما يُعارضون زواج المثليين، ولكنّهم لا يرغبون في تجريمه على المستوى الفيدرالي، بل ويرون أنّ ذلك يتعارض مع تعاليم تقاليدهم المسيحية.

ما خطورة ذلك؟

أرغب في توضيح أنّ القومية المسيحية لها تداعياتٌ خطيرة على مستويين، أوّلهما هو المجتمع المدني الأمريكي الذي يدعم الديمقراطية التعدُّدية؛ إذ إنّ القومية المسيحية، كما تبيّن مراراً وتكراراً، لا تدعم القدرة على التسوية أو العمل المُشترك من أجل حلّ الخلافات أو العثور على سبيلٍ للتوافق جماعياً. وبالنسبة لهم، يتعلّق الأمر بمحاولة الدفاع عن نسخةٍ بعينها من الدين في المجال العام؛ لذا فمن الصعب تماماً الحفاظ على الديمقراطية التعدُّدية، التي تقوم على أُسس التسوية، حين تزداد رغبة القوميين المسيحيين في أن تسير الأمور بطريقتهم فقط، وبالتالي فإنّ تداعيات ذلك ستكون عميقةً على ديمقراطيتنا.

كما أنّ لها تداعيات خطيرة على الكنيسة المسيحية الأمريكية، خاصةً في ظل تضمين القومية المسيحية للتقاليد والرموز المسيحية المُشتركة من أجل خدمة أغراضها، والتي قد تتعارض فعلياً مع تعاليم المسيحية الأرثوذكسية مثل: أن تُحِب عدوك أو جارك، والمساواة بين مختلف الأعراق والأجناس. ويهتم الناس بتعاليم الكتاب المقدس المسيحي ويُحاولون اتبّاعها، لكن القومية المسيحية تُعَدُّ متناقضةً تماماً معها.

لذا يستطيع الأمريكيون غير المتديّنين، من المهتمين بالدفاع عن المجتمع الديمقراطي التعدُّدي، أن يعثروا على قضيةٍ مُشتركة مع المسيحيين الرافضين للقومية المسيحية بفضل تركيزهم على محاولة ضمان الحرية الدينية للجميع -أو العيش في وئامٍ مع جيرانهم. وخير مثالٍ على تلك الجهود هي “اللجنة المعمدانية المشتركة للحرية الدينية”، أو منظمة “مسيحيون ضد القومية المسيحية”. ويُمكن للأمريكيين العلمانيين الذين لا يرغبون في تمييز المسيحية داخل المجال العام أن يجدوا قضيةً مشتركة مع المسيحيين المُتديّنين الذين يرفضون القومية المسيحية.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *