أخبار متفرقة

كيف لطفل عاش طفولته يُضرَب بالسوط ويُعذّب بالعصا أن يصبح عبقرياً؟ فيلم Good will Hunting يستحق المشاهدة

في جنوب بوسطن، وفي أحد الأحياء، بشقة غير متكاملة الأثاث يعيش ويل وحيداً، يتمتع ويل بمستوى تفكير عظيم، يمتلك موهبة غير عادية في الرياضيات، في أحد الأيام الدراسية يقوم ويل بحل معادلة جبرية وضعها البروفيسور جيرالد في إحدى اللوحات الموضوعة في الممر كتحدٍّ موجّه لطلابه، لم يعرف البروفيسور الفاعل، لكنه قام بوضع معادلة أخرى أكثر تعقيداً من التي حلها ويل، بعدها يلاحظ البروفيسور ويل أمام اللوحة، ليجد أنه قام بحل المعادلة بكل سهولة، لترتسم إيماءات البلاهة على وجه البروفيسور، ويتركهم ويل ويختفي.

حسناً إن كنت ممن شاهدوا الفيلم فأنت تعلم الأحداث جيداً، وإن لم يحالفك الحظ ولم تشاهده فلتعلم ببساطة أن ويل ليس طالباً، بل أحد عاملي النظافة بالجامعة.

يخطط البروفيسور لامبو لتعقب ويل، فيعرف أنه متسكع، وأن سجله الجنائي غير نظيف، فلديه العديد من القضايا الجنائية، وفي هذه الأثناء يواجه ويل حكماً بالسجن لتعدّيه على أحد الشرطيين، والذي كان يحاول فض العراك الذي بدأه ويل. يقترح البروفيسور لامبو على ويل أن يختار بين شيئين، إما السجن وإما أن يطلق سراحه تحت رقابة لامبو الشخصية، لدراسة الرياضيات وخضوعه لمعالج نفسيّ، فيفضل ويل الخيار الثاني.

لكن هناك بعض العقبات التي تواجه البروفيسور لامبو، فويل شخصية مستهترة لا يعنيه العالم في شيء، بل يقع ويل في حب سكايلر، ويعيش في صراع، فعليه أن يختار بين الحب أو المكانة والشهرة، فماذا سيختار؟

 عبقرية ويل

Best '90s movies: the best '90s films - from Fight Club to The Matrix

ويل من بين أولئك الذين عاشوا طفولة قاسية، كان يتيماً، وكان العالم لا يرحم، عالم خالٍ من النعومة واللين، عالم وحشي لا شيء فيه سوي التعذيب والألم.  في مشهد يحدث ويل طبيبه النفسي ويخبره بأنه عندما كان طفلاً يتيماً كان يُخيَّر بين مفتاح ربط أو عصا أو حزام، ليتم تعذيبه، وأنه كان يختار الحزام، تتشابه طفولة ويل مع أنطوان تيشكوف، الذي له ذكريات مؤلمة؛ إذ كتب يقول: لقد شوّه الاستبداد والأكاذيب طفولتنا إلى حد يجعلني أشمئز وأرتاع من مجرد التفكير فيها ويضيف قائلاً “أذكر أن أبي بدأ يؤدبني، أو بالأحرى يجلدني بالسوط، ولم أكن قد تجاوزت الخامسة، كان يجلدني بالسوط ويكيل اللكمات لأذني ويضربني فوق رأسي، وكان أول سؤال يتبادر إلى ذهني حينما أستيقظ كل صباحٍ هو: هل سأُضرب بالسوط اليوم؟” 

ومع طفولة ويل، ومعاناته يتبادر إلى أذهاننا في تلك اللحظة سؤال: “كيف لويل أن يكون عبقرياً، ومن أي مكان استمد تلك العبقرية؟”.

يشير أندر روبنسون في كتابه العبقرية إلى أن تأثير التنشئة الأسرية والبيئة على تطور العبقرية يعمل بطرق عديدة، إيجابية وسلبية على حد سواء، وقد ازدهرت العبقرية حينما كان الوالدان شبه غائبين، وكذلك عند توفر حضورهما المحب، ويمكننا القول إن إبداعهم ينبع من التوتر أو الصراع بين التشجيع والحرمان، ويعبر وينستون تشرشل فيقول: “إن الأشجار الوحيدة، إذا قدر لها أن تنمو أصلاً، تنمو قوية، والصبي الذي يحرم رعاية والديه يصبح في بعض الأحيان مستقلاً ونشط الفكر على نحو يمكن أن يعوضه في حياته التالية عن الخسارة الفادحة التي مُني بها في بداية حياته”.

لا شك أن الأسباب صعبة التفسير، وتختلف باختلاف الفرد، تبعاً لتطوره والظروف السائدة في وقت حدوث الفجعية ووقت المعاناة، ولابد أن ردة الفعل نتيجة المعاناة المبكرة تنطوي حتماً على خليط من المشاعر والدوافع المتضاربة، التي تتراوح من القلق إلى الغضب، ومن الرغبة في الحفاظ على الذات والشعور بالأمن إلى الرغبة في الإعلان عن الذات والشعور بالعظمة، ومن هنا ينبثق الإبداع.

الحدة والتمرد على العالم

This image has an empty alt attribute; its file name is good-will-hunting-12967-hd-wallpapers.jpg

يُفجع البعض في والديه، والبعض يعاني إحساس الرفض، والبعض يُربَّى تربية صارمة، والبعض يُعرّض لاضطرابات عاطفية أو لانعدام الأمن المالي، أو للإيذاء البدني، وويل من بين أولئك الذين تعرّضوا لكثير من تلك الحالات.

ذهبت الطبيبة والمحللة النفسية كارين هورني إلى أن ردود الفعل الساخطة إزاء المجتمع الذي يسلب حياة الأبوين ويقدم لنا المعاناة كوجبة طعام كل يوم قد تكون بهدف “التحول ضد الناس”، حيث يسعى الفرد إلى استهجان المعتقدات والممارسات الاجتماعية السائدة ومهاجمتها، رافضاً قواعد المجتمع وقوانينه، فيحاول الشعور بالسلطة والسيطرة على الناس ومحاولة السخرية منهم واستغلالهم.

تظهر شخصية ويل المتمردة، التي تتمتع بالسخرية من الناس في مواقف عديدة، أغلبها مع الأطباء النفسيين الذين عُرِض ويل عليهم، وها هو ترتسم على وجهه ابتسامة النصر عندما عرف أن الحديث عن زوجة طبيبِهِ النفسي بهذا الشكل يُغضبه، فيتمادى في الحديث عنها ليثير غضبه.

الاضطراب والخوف من الهجر

عانى ويل كثيراً في ماضيه، تعرّض للهجر من أقرب الناس إليه، عاش يتيماً، تعرض للإيذاء الجسدي والتنمر، ظلّ وحيداً من دون أصدقاء، فتحول ويل لشخص مضطرب يشعر بالخوف لمجرد الاقتراب من أحد الأشخاص الذين يشعر نحوهم ولو بقليل من الحب.

يستطيع الإنسان أن يشكّل سلوكه على حسب المواقف الاجتماعية المختلفة، وبالتالي يشكل قدراته ويطوّر مهاراته على التعبير عن المشاعر، والحرية الانفعالية، ومعنى الحرية الانفعالية هو التعبير عن المشاعر الإيجابية (الحب، والرضا، والإعجاب) والسلبية (الغضب، والضيق، والحزن) على السواء، ولأسباب مختلفة قد نعجز عن التعبير عن مشاعرنا في مواقف تتطلب اتصالاً إيجابياً بالآخرين، بشكل يقودنا في النهاية إلى قمع رغبتنا في التعبير عن بعض أفكارنا أمام الآخرين، أو نرغم أنفسنا على البقاء في جماعة مملة، أو حتى نعجز عن التعبير عن حبنا واستمتاعنا بالأشخاص أو الأشياء، ومع هذه الصعوبة في التعبير عن المشاعر وبسبب تلك الحواجز -التي ترهب الشخص وتجعله لا يحاول حتى أن يفكر في تخطيها- يبدأ الشخص تدريجياً في فقدان الثقة بنفسه، ومع فقدان الثقة تتكون المتاعب العصابية، ومن بينها الخوف من الآخرين.

العلاقات بالآخرين في صورتها المثلى تتطلب قدراً كبيراً من الأخذ والعطاء، أن تعطي للآخرين بثقة، وأن تتلقى منهم دون إحساس بالذنب أو النقص، وإذا ازدادت كفاءتك على العطاء زاد عائدك من عطائهم، وبالتالي يصبح نموك الشخصي أكثر يسراً، وتصبح أكثر قدرة على تحقيق ذاتك، والعطاء لا يقتصر على العطاء المادي، إنه يتجاوزه إلى العطاء من وقتك، ومشاعرك، واهتمامك بنمو الآخرين، وباكتراثك لما يحدث لهم.

لكن من الممكن أن تضطرب هذه العلاقات ويتركك الجميع، أن تشعر بالخذلان ولا تجد صديقاً سوى الوحدة، أن يسطير عليك القلق والتوتر والإحباط، وتتحول تدريجياً إلى شخص يعجز عن إقامة علاقات اجتماعية تقوم على الثقة والتقبل، والتفهم، وتضعف قدرتك على الأخذ والعطاء وتنحصر في حدود ضيقة.

يتعرف ويل على سكايلر، تدرس سكايلر بجامعة هارفارد، الانطباع الذي تأخذه للوهلة الأولى من مقابلاتهم بأن كل شيء جيد، وأن العلاقة تسير في ثبات، لكن ويل لسبب ما يكذب على سكايلر ويخفي عنها ماضيه، يخفي عنها أنه يتيم، ويحاول أبعادها عن أصدقائه، تطلب سكايلر من ويل أن ينتقل معها إلى كاليفورنيا فيدور بينهم جدال شديد، ينتهي برفض الذهاب معها، ويخبر سكايلر بأنه لا يحبها.

وهنا تظهر شخصية ويل، ويظهر خوفه من الهجر، خوف يصل إلى الرعب، خوف كبير وعميق يتخطى قدرته على تحمله والتعامل معه، خوف متصاعد ومتزايد مع كل فكرة بُعد، أو نية سفر، أو مؤشرات فراق.

“شون مجواير” نقطة التحول

 تقوم علاقة الفرد بالآخرين -الذين يمثلون الأهل والأصدقاء وزملاء العمل- على أساس الثقة، وتنشأ الثقة أيضاً عندما يشعر الناس بالأمان، وكما يقول تشارلز كينجزلي: “نعمة لأي رجل أو امرأة أن يكون له صديق، روح بشرية أخرى يمكننا الثقة بها بشكل مطلق، شخص يعرف أفضل أو أسوأ ما فينا، ويحبنا رغم عيوبنا”.

الثقة هي كل ما كان يحتاجه “ويل هانتينج” ليبدأ مرحلة البعث، ففي حديث للدكتور شون مجاوير مع صديقه البروفيسور لامبو، يتعجب لامبو من الصفات التي يحملها أصدقاء ويل، فمن وجهة نظر البروفيسور لامبو أن “ويل هانتينج” عبقري، فيسأل شون “لِمَ يتسكع مع هؤلاء الغوريلات المتخلفين عقلياً كما سميتهم؟” فيجيبه شون “لأن أي واحد منهم إذا طلب منهم مساعدة فلسوف تأخذ ضربة على رأسك، هذا يسمى الولاء”.

“أنت طفل صغير، لا تملك أي فكرة عما تتحدث عنه. لم تغادر بوسطن قط، فإن سألتك عن الفن فعلى الأرجح ستعطيني نبذة عن كل كتاب يخص الفن قُمتَ بقراءته”. مايكل أنجلو! قد تعرف الكثير عنه: أعماله الشهيرة وتطلعاته السياسية وقصته مع البابا والتوجه الجنسي وكل الأعمال، أليس كذلك؟! ولكني أراهنك أنك لا تستطيع إخباري كيف تبدو رائحة كنيسة السيستاين، فأنت لم تجلس هناك قط ولم تنظر للأعلى لتشهد ذلك المنظر البديع!

وإن سألتك عن النساء، فمن المُحتمل أن تعطيني منهجاً دراسياً عن مفضلاتك الشخصية، ربما تكون قد ضاجعت إحداهن بضع مرات، لكن لا يُمكنك إخباري ما هو شعور الاستيقاظ إلى جانب امرأة وتشعر أنك حقاً غارق في السعادة.

تمثل هذه المحادثة بين شون ماجواير وويل هانتيج نقطة التحول، فقد استطاع شون ماجواير عبر تلك الكلمات أن يغوض في أعماق نفس ويل هانتينج، ليخترق ذلك الحاجز الذي يصدّ الجميع ويمنعهم من الاقتراب من ويل، يقول شون لـويل إنه عبقري، وإنه لا يستطيع إنكار ذلك، لكن كل شيء في الحياة مرتبط بالشعور، أن تشعر يعني أنت تعيش، فما الفائدة من معرفة الكثير عن أعمال أنجلو بدون أن تعيشها، فهناك فارق كبير، بين معرفتك للنساء والحديث عنهن، وبين الاستيقاظ بجوار امرأة تحبها، لأنك ستصل إلى ذروة الحب وتشعر حينها بالسعادة، يخبره بأنه سيعرف الكثير والكثير، لكنه بهذه الطريقة لن يعيش أو يشعر بأي شيء يعرفه.

بتلك الكلمات استطاع شون ماجواير أن يكسب ثقة ويل، ليبدأ ويل بنفسه في الحديث مع شون مرات عديدة، ويكون شون السبب الكبير في بعث ويل للحياة.

ويل يختار

في إحدى المقابلات بين ويل هانتينج وشون ماجواير، يُعلم ماجواير ويل ما يعنيه الحب بالنسبة له، ليخبره بأنه تخلى عن وظيفته “مستشاراً سياسياً” عندما مرضت زوجته، وبأنه لم يندم قط على معرفتها رغم الألم الذي يعانيه بسبب رحيلها، وبأن كل شخص يحظى بأوقات سيئة، لكن هذا يوقظ الأشياء الجيدة بداخلنا، والتي لم نكن نلحظها، ويتفاجأ ويل عندما يخبره ماجواير بأنه ترك المباراة السادسة لألعاب وورلد سيريز للبيسبول “أكبر لعبة في تاريخ ريد سوكس”، من أجل مقابلة زوجته والتعرف عليها، وأنه لم يندم على ذلك، لم يندم على ثمانية عشر عاماً قضاها زوجاً لها، ولم يندم على السنوات الست التي تخلى فيها عن الاستشارة لكونها مريضة.

يشتد الصراع بين الطبيب ماجواير والبروفيسور لامبو، لامبو من الأشخاص الذين لا يهتمون بحالة ويل النفسية، ولا بكل الأشياء التي يعاني منها، فهو يرى ألا مكان لويل سوى عالم رياضيات، بينما يرى طبيب ويل “شون ماجواير” أن ويل يحق له الاختيار، فيحاول لامبو تمهيد الطريق لويل هانتينج من أجل جعله عالم رياضيات، ويخبره بأن العالم سيفتح له زراعيه ليحتضنه، وتنهال عليه العديد من الوظائف من شتى الشركات، بل إن لامبو قد وصل به الأمر أن قدم لويل فرصة للانضمام إلى وكالة الأمن القومى الأمريكية، لكن ويل رفض.

في آخر مقابلة بين ماجواير وويل، يعطي ماجواير لويل نصيحة قيمة جداً، نصيحة تنطوي على كل شيء “افعل ما يمليه عليك قلبك يا بني وستكون بخير”، ليختار ويل هانتينج سكايلر، تاركاً خلفه ذلك الماضي الذي لطالما عانى منه، وأرسل رسالة لمجواير ليخبره بأنه ترك الوظيفة التي أهداها إليه لامبو، وأنه ذهب ليقابل إحداهن.

ترك ويل كل شيء خلفه، الشهرة والمال، وماضيه السيئ، ترك كل ذلك من أجل قلبه، من أجل الحب، ربما يكون العالم بالنسبة لويل “لا شيء”، لذلك اختار سكايلر على العالم، أو يمكننا القول بشكل صحيح وأدق إنه اختار العالم الحقيقي على العالم الوهمي، اختار الحب على لقب “إله الرياضيات”، ففي النهاية نعيش جميعاً في عالم رأس مالي، وكل ما نجنيه من علم ومعرفة، كل ما نصل إليه من معادلات، كل تلك التعقيدات التي نقوم بفكّ رموزها، تستخدم في تدمير العالم، تستخدم في الحروب، ربما يرى ويل العالم من هذا المنظور، من المنظور الذي يراه منه الأغلبية.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *