أخبار متفرقة

لأن الكرة لا تعرف المستحيل.. كيف يخسر ليفربول الدوري؟

لا تبحر بخيالك مبكراً، كلمات العنوان ليست نابعة من الحقد الكروي الناجم عن تشجيع المنافس، ولا من الحقد الكروي الأعم تجاه الفرق التي لا تعرف سوى الفوز، ولا حتى من الإعجاب الذي يستخرجه هذا المشروع عنوةً من جميع متابعيه، هي في الحقيقة تنبع من جميع ما سبق.

قبل الشروع في إجابة السؤال المطروح أعلاه ينبغي أن نعرف أولاً كيف وصلنا إلى هنا؟ هل تذكرون تلك المقولة الموروثة الشهيرة التي تقال للسخرية من الفرق المتصدرة لجدول الترتيب مؤقتاً؟ «هذا الفريق أشبه بفيل على شجرة، لا أحد يعرف كيف وصل إلى هناك، لكننا نعرف جميعاً أنه سيسقط».

تلك المرة لدينا تنين فوق الشجرة اللعينة، تغيرت القواعد وبالتالي على الأسئلة أن تتغير.

خطوة بخطوة

إلى أي لحظة يفترض بنا العودة؟ الفوز بدوري الأبطال الموسم الماضي؟ أم لحظة الانكسار بحصد 97 نقطة بلا فائدة؟ ريمونتادا أنفيلد الأسطورية؟ خسارة نهائي الأبطال أمام ريال مدريد وأغنية كلوب الشهيرة؟ أم ربما خسارة الدوري الأوروبي أمام إشبيلية؟

كلما عدت إلى الوراء قليلاً ستجد لحظة مميزة في سجلات ليفربول، لحظة الفخر بالفوز أو رفع الرأس عقب الهزيمة، لحظات الثبات وبث الثقة في كامل أفراد القائمة، حتى إن كان الجميع على علم بأن بعضهم لا يصلح لممارسة اللعبة أصلاً، ولحظات الضغط والتذرع بالرياح وما إلى ذلك.. ولكن الأمور لم تبدأ حقاً هنا أو هناك. لمَ لا تأتي معنا في جولة سريعة إلى ما قبل 13 عاماً؟
لا أعدك بالسرعة حقاً ولكننا سنحاول، إلى رأس الخراب مباشرةً.. اسمان يمقتهما كل مشجع لهذا النادي: جورج جيليت، وتوم هيكس. ثنائي رجال الأعمال الأمريكي وضع يده على النادي عام 2007 مقابل حوالي 220 مليون جنيه إسترليني، وبالطبع أغرقا السموات والأرض وعوداً: سنعيد النادي إلى سابق عهده، سنفوز بالبريميرليغ، سنوفر الصفقات، سنحضر لكم مارادونا وبيليه ودي ستيفانو وبيكنباور وكل «نجم» له صلة بكرة القدم.

صورة تعبيرية لا تمت للواقع بصلة

كدنا ننسى، لقد تعهدا أيضاً بالإنفاق على النادي من مالهم الخاص والبعد كل البعد عن القروض البنكية. تعرف هذا الرجل الذي يحلف «والله لن أفعل كذا» ويردف في سره «إلا حين أشاء»؟ هذا ما فعلاه بالضبط: لن نقترض من البنوك أبداً، إلا بنك أسكتلندا الملكي!

بفضل الثنائي، كسرت ديون الريدز حاجز 350 مليون جنيه إسترليني عام 2010 ودخل الفريق عصره الخشبي لبيع النجوم أجمعين. فضلاً لهما مرة ثانية: حان وقت الإنقاذ على يد مجموعة FSG والرجل الأقرب لقلوب الجماهير الآن جون هنري. 

باختصار، أتى الرجل بخبرات مميزة في الاستثمار الرياضي أقل القليل منها في كرة القدم، ولكن بتحديد الأولويات الاقتصادية شيئاً فشيئاً، وبتحسس الخطوات بين تسارع منضبط وبين تخبط لحظي، يبقى الأساس هو الأساس، ويبقى البناء الحقيقي هو الأقدر على الصمود مهما عصفت به مجريات اللعبة، وهكذا تحول الهدف من مكافحة الديون في 2010 إلى الفوز بدوري الأبطال في 2019 والاقتراب من الفوز بالبريميرليغ في 2020.

التنين الألماني

يمكننا الآن المرور سريعاً على فترتي المدربين دالغليش ورودجرز، فهي مراحل ضمن مراحل البناء. إنجاز رودجرز بالمنافسة على لقب 2014 وتلك اللحظة التي لن تخرج من ذهن ستيفن جيرارد طوال حياته، لم تكن سوى خطوة مبكرة للأمام ولم يكن هذا هو وقتها المتوقع، ولكنها عمقت الإيمان برودجرز، منحته وقتاً أطول لموسم إضافي وبضعة أشهر مع الإدارة التي لا تؤمن بسرعة إقالة المدرب قدر إيمانها بمنحه الوقت الكافي للعمل، ولكن مع الوقت نفسه تبين أن رودجرز لم يكن هو الرجل المُختار، ليبدأ فصلنا الحالي من القصة في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول عام 2015.

يورغن كلوب الذي كان قد وصل قبل بضعة أشهر لنهاية حقبته مع دورتموند بعد 7 أعوام، قضى قبلها 7 مماثلين في ماينتس. رجل يبدأ من الصفر، يصبر ويحظى بدعم من يصبرون عليه، وينتهي به الأمر مناطحاً بايرن ميونيخ ومنتزعاً منه لقبين متتاليين للبوندسليغا قبل أن يخسر أمامه نهائي دوري أبطال أوروبا، الأول في تاريخ دورتموند منذ عام 1997. بأقل الإمكانات يعمل ويصنع فريقاً قوياً، هذا هو الرجل الأمثل لفترة استكمال التعافي من أضرار مادية جسيمة كتلك، ومن ثم البناء عليها للأمام.

كلوب ينضم لمشروع ليفربول في 2015

الآن يمكن اختصار كل ذلك إلى العنوان الكبير: بطل دوري الأبطال ومتصدر البريميرليغ بـ 22 انتصاراً من أصل 23 مباراة خالية من الهزائم، ولكن هذا سيكون اختزالاً كبيراً.

الرجل في موسمه الأول لم ينجح في التأهل إلى دوري الأبطال، خسر نهائي كأس الرابطة ونهائي الدوري الأوروبي، فحصل على عقد جديد مدته 6 سنوات. عاد في الموسم التالي محققاً المركز الرابع، تأهل لنهائي دوري الأبطال في مشاركته الأولى به مع الريدز، فخسره أمام ريال مدريد في مباراة إصابة صلاح وتألق كاريوس الشهيرة، والآن..

غنى متعهداً بالعودة وعاد، ومن رحم كل صدمة يتولد ردّها المباشر. خسر نهائي دوري الأبطال ففاز به في العام التالي، خسر أمام برشلونة 3-0 ففاز 4-0 في أنفيلد، خسر الدوري بفارق نقطة وحيدة بعد تحقيقه لرقم قياسي من النقاط للوصيف، وها هو على وشك انتزاع فخر نادي آرسنال الحصري ومقاسمته كأس الذهب. ما الذي يمكنه إيقافه الآن؟

لا فائدة

بين هذا وذاك مرّ كلوب بالعديد من التحولات الفكرية والتكتيكية، فمن الضغط المتواصل طوال 90 دقيقة إلى تنظيم الجهد لتفادي الأخطاء الكارثية في أواخر المباريات، ومن كراهية الاستحواذ إلى إجادة استغلاله، ومن الاقتصار على تطوير ما يملك بأقل الإمكانات المادية إلى صفقات متوحشة لأجل قطع لا تعوض مثل فان دايك وأليسون. تغير كلوب كثيراً وقدم لنا هذا الفريق الذي لا يخسر. ومهما قيل عن الأمر فنياً، فهو لا يبدأ إلا نفسياً ثم بدنياً، بهذا الترتيب.

يورغن خلال مسيرته المتواضعة كلاعب كان من هذا الطراز البدني، بدأ كمهاجم ثم تحول إلى مدافع لاستغلال قدراته ومثابرته، ورغم نهاية مسيرته دون نجاح بارز، إلا أنه نجح لاحقاً في نقل ميزته الأساسية إلى جميع من يعمل معهم، وبث روحه التي لا تعرف الاستسلام في صدورهم، وبتوحيد جميع تلك العناصر التي راكمها خلال رحلته، تبدأ كل النقاط التي كان بمقدورها إسقاط ليفربول في أكل نفسها واحدةً تلو الأخرى.

أكثر ما يمكنه الإضرار بليفربول هو الإرهاق، لكنه يملك مقاتلين في أرضية الملعب، بمعنى الكلمة، لا يسهل إرهاقهم، يقودهم من بات أكثر قدرة على تنظيم جهدهم. أي فريق يجب أن يعاني من عدم امتلاكه للاعب خلاق في وسط الملعب، ولكن كلوب حالياً لا يجد أي مشكلة في اللعب بفابينيو وهندرسون وفينالدوم، أو هندرسون وفينالدوم وتشامبرلين، أو أي ثلاثي تقريباً ما داموا قادرين على بذل الجهد المطلوب، فالعمل الهجومي في المقام الأول هو وظيفة الظهيرين سفاحي العرضيات والثلاثي الأمامي بجناحيه الهدافين ورابطتهما الأهم فيرمينو.

أبطال الدوري الإنجليزي 2020 حتماً

عمق القائمة وكثرة الاختيارات الفنية.. حسناً هذه مشكلة كبيرة يمكن أن تواجه أي فريق، الفريق لا يملك وفرة في البدائل، ولكن لم تبدُ تلك كمشكلة أصلاً على مر الموسم. الفريق كان بحاجة لبعض التدعيمات المناسبة ليستمر على الطريق الصحيح، ولكنه لا يزال على الطريق الصحيح بدون تلك التدعيمات، لا يوجد غياب قاتل تقريباً حتى اللحظة، وباستثناء فان دايك تحديداً، لا يبدو أن غياب أي من اللاعبين بحد ذاته كفيلاً بقتل تلك المنظومة. الوسط لا يتضرر بأي غياب، حين يغيب فيرمينو يبدو الأثر واضحاً ولكن الفريق يواصل معرفة كيف يفوز، حتى الفارق الهلامي في المستوى بين أليسون وبديله أدريان يمكن لصلابة الدفاع معالجته دون أدنى مشكلة. أرنولد وروبرتسون على درجة خرافية من الأهمية ولكن لم يبدُ أبداً أن كلوب سيموت إن فقد أحدهما لبعض الوقت، وحده فان دايك قد يشكل غيابه أزمة حقيقية.

كيف يخسر ليفربول الدوري إذاً؟ لن يخسره، الفيل سيسقط ولكن التنين له أجنحة.. كما أنه لم تعُد هناك شجرة من الأساس، كل ما بقى هو لقب طال انتظاره منذ عام 1990، سيأتي الآن وعلى الأرجح سيأتي بصبغة الذهب، وبلا هزائم، وبمد الخط على استقامته لا تبدو أدنى بادرة لأي سقوط في جميع الآفاق، فعوائد الريدز التي كانت تتأرجح حول 200 مليون يورو في بين 2008 و2010 في عهد جيليت وهيكس، واصلت نموها التصاعدي حتى كسرت حاجز 500 مليون مع انتصاف 2018، هكذا نمت أجنحته، وهكذا يبدو وكأنه سيحلق إلى الأبد.

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *