أخبار متفرقة

ليس بسبب معارضة النظام ولا نشر خبر سفر محمود السيسي روسيا.. لماذا تمت مداهمة مكتب مدى مصر في القاهرة؟

لأن الأثر العربي يخبرنا بأن «توضيح الواضحات
من الفاضحات»، ولأن التكرار لا يعلّم الشطار، بل يبعث على الملل والكآبة
والرتابة، فإن هذه المقالة لن تُعنى برصد سياسات النظام المصري تجاه الديمقراطية
والحريات العامة للمصريين، وإنما تعنى بالدفاع عن الصحافة الحرّة المستقلة وحرية
تداول المعلومات والوصول إليها، كما تدافع عن حق الجميع في العمل، وإنجازه بما
يرتضيه المرء لنفسه وبما يمليه عليه ضميره الحيّ.

في نهاية الأسبوع الماضي، نشر موقع «مدى مصر» تحقيقاً صحفياً بعنوان «مهمة
عمل طويلة: إبعاد محمود السيسي إلى روسيا»
، يقدم رواية متماسكة عن دور الابن الأكبر للرئيس
عبدالفتاح السيسي، ويتنبأ بإبعاده عن المشهد السياسي للبلاد وابتعاثه في مهمة عمل
طويلة إلى روسيا. لكن يبدو أن هذا التقرير لم يلقَ استحسان الأجهزة الأمنية، التي
اعتقلت المحرر بالموقع شادي زلط من منزله، وفي اليوم التالي لاعتقال زلط توجهت قوة
أمنية نحو مقر الموقع واحتجزت جميع الموجودين؛ ومن ثم اقتادت رئيسة التحرير لينا
عطا الله وزميلين آخرين لها، قبل أن يتم الإفراج عن جميع المحتجزين عشية أمس
الأحد. 

«في كل سياق استبدادي يوجد هامش تخرج منه
أصوات مستقلة، ونحن – كـ (مدى مصر) – جزء من هذا الهامش».

رئيسة تحرير موقع مدى مصر لينا عطا الله 

منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا، مثَّل «مدى
مصر» صوتاً صحفياً مستقلاً عن حالة الصمت وسيادة السكوت في الإعلام المصري
المحلي. وهو في ذلك يبذل كثيراً من الجهد، ليستقصي الحقيقة ويقدم روايات بديلة
متماسكة وقابلة للتصديق، للقضايا الشائكة والحساسة مثل التصفية خارج القانون
واغتيال النائب العام السابق، غير الروايات الرسمية التي يقدمها الإعلام الحكومي
والتي يصعب على القارئ تصديقها والتسليم بها. هذا الجهد الصحفيّ المحفوف بالمخاطر
والممزوج بالأمانة والرغبة الصادقة في إيصال الحقيقة، جعل من الموقع صغير العمر
كبير الأثر، بنسختيه العربية والانجليزية، بوابة لكل الراغبين في معرفة وفهم حقيقة
ما يحدث في مصر بعيداً عن بروباغاندا الأنظمة أو المنصات الإعلامية المنحازة
والمفتقرة إلى المهنية.

بإلقاء نظرة دقيقة إلى بؤرة الحدث، نرى أن ما فعله القائمون على موقع «مدى
مصر» بنشرهم
ذلك التحقيق
، ليس هجوماً على النظام المصري أو استهدافا لشخص محمود السيسي
بذاته، بل محاولة صادقة لتحري الحقيقة والبحث عن معلومة في دواليب السلطة
وتوثيقها؛ ومن ثم إيصالها إلى القرّاء في قالب قصصي ملؤه النزاهة والمهنية. قام
ويقوم «مدى مصر» بهذا العمل مستخدماً لغة صحفية تحاول دائماً الانحياز
للحقيقة مستخدمةً لغة ومفردات خالية من الانحيازات
السياسية أو التفضيلات الأيديولوجية. ولا أدل على ذلك من اليقين الجمعيّ
لدى القراء والصحفيين بأن «مدى مصر» كان سينشر التحقيق نفسه بالموضوعية
والمهنية ذاتيهما في أي ظروف مغايرة ومهما كانت أسماء وتوجهات القائمين على حكم
مصر. وأقرب دليل على ذلك، التحقيق الذي نشره الموقع عن حادثة اغتيال النائب العام
المصري هشام بركات تحت عنوان «تنظيم
بلا اسم: طريق مجموعة المبتدئين لاغتيال النائب العام»
، والذي انتُقد الموقع كثيراً بسببه، واعتبره كثير
من معارضي النظام متبنياً ومروجاً لدعاية النظام وروايته في قضية اغتيال هشام
بركات. إلّا أن الموقع والقائمين عليه لم يأبهوا كثيراً بمثل هذه الاتهامات
والانتقادات وأكملوا عملهم، وهو تقصّي الحقيقة.

بعد إنجاز كتابة القطعة الصحفيّة الغنية
بالمعلومات، رشيقة اللغة، رفيعة المستوى، تبدأ المرحلة الأصعب في إنجاز العمل
الصحفيّ في السياقات الاستبدادية. ألا وهي تقديم العمل وإيصاله إلى مجتمع القراء
دون اتباع أية أساليب ملتوية أو دعائية رخيصة، لجذب القراء أو إحداث ضجة مفتعلة.
في ذلك السعي نحو نشر المعلومات يفرّد «مدى مصر» على صفحاته القصص
الصحفية والأخبار بعناوين واقعية وبلغة هادئة غير متشنجة. وهو في ذلك السعي لا
يبحث عن إحداث الضجة بقدر ما يرغب في إيصال ما توصل إليه من حقائق ومعلومات، بل
العكس تبحث الضجة عن «مدى مصر» دائماً. أي إن «مدى مصر» يصبح
هو الحدث ذاته بما ينشره من تحقيقات وتقارير غائبة أو تم تغييبها عن وسائل الإعلام
العربية بشكل عام والمصرية بشكل خاص. تحقيقات وتقارير لا توجد إلّا على صفحات موقع
مدى مصر، تجعل الباحثين المهتمين بالحقيقة بعيداً عن الضوضاء، متشوقين ومنتظرين
لما تنشره يومياً.

بعد الابتعاد عن كل ما قد يصبغه باللون الأصفر، تتبقى عقبة أكبر أمام «مدى
مصر»، وهي الكفاح من أجل إيصال المعلومة إلى القارئ، في وقت يخيم عليه الصمت
وتسوده الدعاية على حساب الحقيقة مثل الذي نعيش فيه. في هذا الصدد يواجه «مدى
مصر»، مثل كثير من المواقع المصرية والعربية، حجباً إلكترونياً فرضته الحكومة
المصرية عليه بلا أسباب واضحة، سوى أنه لا يردد الرواية الرسمية للنظام المصري.
وهو حجبٌ يمكن التحايل عليه وتجاوزه بشكل أو بآخر، باستخدام التقنيات المختلفة.
لكن هنالك حجب غير قابل للتجاوز ولا يمكن التحايل عليه بأي تقنية، وهو الحجب
الأمني. يقع مقر «مدى مصر» في قلب القاهرة، وهو معلوم بالضرورة للأجهزة
الأمنية المختلفة، ورغم ذلك يُخرج الموقع يومياً كثيراً من الأخبار والمعلومات من
قلب السلطة ومن داخل غرفها المغلقة وأروقتها، مواجهاً المخاطر والتكلفة الباهظة
التي تترتب على اعتماده مثل هذه السياسة التحريرية. وما حدث الأسبوع الماضي ليس
سوى فكرة مختصرة ونبذة عن مدى التبعات الثقيلة التي يمكن أن تواجه العاملين
بالموقع والقائمين عليه.

لكن هذا النضال من أجل الاستقلالية وعدم الانجراف
في تيار السلطة أو الخوف من القبضة الأمنية، رفقة التزام قواعد العمل الصحفيّ هو
ما يعطي «مدى مصر» هذه الأهمية البالغة في السياق الصحفي العربي
المعاصر.  

صحيح أنه في سياق أكثر تحرراً وديمقراطية، لن يكون
ما يقوم به مديرو ومحررو موقع مدى مصر فعلاً خارقاً للعادة، بل مجرد
اتباع لما درسوه وتدربوا عليه ومارسوه كصحفيين
. فالصحافة في نهاية المطاف مهنة لها قواعدها
وأصولها المتبعة، حتى وإن كانت مساحة الارتجال والإبداع فيها أكبر من غيرها، لكنها
في النهاية مثل بقية المهن يجب أﻻ تخضع لأهواء أي سلطة سوى سلطة ضميرها المهنيّ.

 ومن حق العاملين بها أن يحددوا الطريقة
الأفضل للقيام بعملهم دون أية إملاءات خارجية أو توجيهات من هذه الجهة أو تلك. كما
لا يتصور أي عاقل أن تتم معاقبة أحدهم لأنه قام بعمله بشكل جيد بأي حال من
الأحوال. لكن حالة الكتمان والعداء للحرية وبُغض الحقيقة ومحاولة إخفائها والتي
وصلت إليها مصر، تجعل من الصحافة المستقلة مهنة محفوفة بالمخاطر وكفاحاً مستمراً
من أجل حرية تداول المعلومات ونشر الحقيقة، مع احتمالية أن تورد المرء المهالك، فيصير
المنخرطون فيها أبطالاً تجب تحيتهم وشكرهم على أداء عملهم بنحو نزيه ونزيه. 

وإن كانت الصحافة اليوم ضحية تدخُّل السلطة في
العمل، فغداً قد يكون الطب والهندسة والأطباء والمهندسون كمهن وممارسين هم الضحايا
الجدد لمحاولات السيطرة والإخضاع التي تمارسها السلطات. والماضي القريب يخبرنا عن
كيفية توغل السلطة في مجالات كان يُعتقد أنها علمية بحتة مثل الطب والكيمياء، قبل
أن يطوعها
النازيون ويستخدموها في معسكرات الاعتقال، من أجل الوصول إلى «حل نهائي
للمسألة اليهودية»
أو استخدام
علم العمارة كما فعل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا
، لضمان الفصل بين المواطنين البيض والسود من قبل، والاحتلال
الإسرائيلي في فلسطين الآن
.    

إن الكفاح المتواصل الذي يمثله «مدى
مصر» والمنصات الصحفية المستقلة في العالم العربي، كفاح من أجل الحقوق
الأساسية التي تكفلها القوانين والدساتير والمواثيق كافة مثل حقَّي المعرفة
والعمل. وهو كفاح يسمو فوق أية أيديولوجيا أو حسابات سياسية ضيقة، مخاطباً النفس
البشرية والضمير الحيّ للأفراد. 

يخبرنا
الروائيّ طلال فيصل
: «إن
الاستبداد يقتل في الإنسان أجمل ما فيه، أخلاقه وتحضُّره  وإنسانيته. الذل
والظلم يحولاننا إلى شيء آخر غير الذي خلقنا ربنا عليه. يستبدل طبيعة الإنسان
المهذبة الجميلة ويحوله إلى كائن، أقصى طموحه أن يعيش وآخر أحلامه ألّا يتحول إلى
وحش أو منافق أو هارب». 

Powered by WPeMatico

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *